اختار الرئيس الأميركي باراك أوباما تركيا كي يخاطب العرب والمسلمين ليجدد دعوته بالمصالحة مع العالم الإسلامي. وتزامنت زيارة اوباما مع انعقاد منتدى تحالف الحضارات الثاني الذي انعقد يومي السادس والسابع من أبريل الجاري، أي أن المسرح كان مهيأً أمام الرئيس ليطرح دعوته. ويعد المنتدى مناسبة عالمية للتقريب بين الحضارات. وكان قد انطلق من أسبانيا وتبنته الأمم المتحدة قبل عام. وعقد دورته الأولى في مدريد عام 2008، من دون ان يأخذ الاهتمام الذي ناله هذه المرة، فقد اكسبه حضور أوباما أهمية كبرى.
وتكتسب كلمات أوباما وزيارته أهميتها من عدة معان سياسية ودينية، فقد اختار أن يخاطب العرب والمسلمين من دولة كانت آخر مقر للخلافة الإسلامية، وتسعى الآن للعودة إلى هذه الجذور، ومن برلمان تسيطر عليه أغلبية إسلامية تنتمي إلى حزب العدالة والتنمية، إلى جانب ذلك فإن النموذج الإسلامي التركي يجمع بين تدين الشرق وعلمانية الغرب، ويمتلك أدوات ديمقراطية لا تتوافر لأكثر النظم التي تدعي الانتساب إلى الإسلام. ويضاف إلى ذلك ان تركيا تنتمي إلى حضارتين متنازعتين عقائديا وتاريخيا، هما الإسلام والمسيحية، فتركيا قلبها شرقي إسلامي وعقلها غربي علماني.
وعلى الرغم من حرص الرئيس الأميركي على تبيان أوجه التشابه الدينية بين تركيا والولايات المتحدة من المنظور السياسي، إلا أن ذلك لا يخفي تشابك العوامل الذاتية مع الموضوعية. فاوباما ذاته منتج إنساني ثقافي وسياسي لعوامل تتشابه مع التجربة التركية، فهو ابن حضارتين، لأب مسلم أسود وأم مسيحية بيضاء، عاش عمره بين الشرق المسلم والغرب المسيحي، وينتمي جغرافيا إلى قارات أفريقيا، حيث كينيا عائلة الأب، والى آسيا، حيث عاش مراهقته، وحيث مولد واقامة أخته من ناحية الأم في أندونيسيا، كما ينتمى بحكم الميلاد والجنسية إلى القارة الأميركية.
وهو بذلك يمتلك ذاتا انسانية عالمية لم تصنعها أميركا وحدها، وانما صنعتها العولمة بكل أدواتها، ولذا كان اختيار تركيا معبرا عن عالمية شخصيته وسعة رؤاه. فقد حرص على مخاطبة المسلمين من دون أن يقدم خطابا عقائديا، وانما خطاب غلبته السياسة، وهكذا هو الحال أيضا في تركيا، ففيها إسلاميون يحكمون بأدوات العلمانية، ويتحدثون السياسة بقيم عالمية.
تركيا في عيون أميركا
ليس هذا فقط ما جعل أوباما يختار تركيا لمحادثة العالم الإسلامي، فتركيا تتمتع بمكانة خاصة في الاستراتيجية الأميركية منذ ما يزيد على النصف قرن، والزيارة بقدر ما قوت مكانة تركيا في العالم الإسلامي، فإنها أيضا كانت تهدف لتصفية الأجواء التي تعكرت بين الدولتين، بسبب احتلال العراق. ولاستعادة الدور التركي الذي تتطلع إليه إدارة الرئيس أوباما عربيا وإسلاميا، وتستند هذه العلاقة التركية الأميركية على عدة أسس هي:
(1) تمتع الطرفين بعلاقات وثيقة ومستقرة، فتركيا عضو في حلف الأطلنطي، كما كانت عنصرا فاعلا في حلف بغداد. ومثلت دوما مرتكزا قويا للغرب في صراعاته العالمية سواء ضد الاتحاد السوفيتي السابق أو ضد ما يراه الغرب اليوم إرهاباً، فتركيا التي رفضت استخدام قاعدة انجيرليك في العام 2003 في عمليات غزو واحتلال العراق، هي ذاتها التي سمحت لأميركا باستخدام القاعدة في الحرب على العراق لطرده من الكويت في العام 1991. وعلى الرغم من البرود الذي اعتري العلاقات بين الطرفين منذ احتلال العراق، إلا أن الأمور لم تصل إلى حالة القطيعة. ويريد اوباما للعلاقات بين الطرفين العودة إلى سابق قوتها.
(2) تمثل تركيا للولايات المتحدة والغرب عنصر توازن واستقرار عربيا وآسيويا، خاصة في ظل الفراغ الاستراتيجي الذي تعاني منه المنطقة العربية، فهي قادرة على ضمان وحدة وأمن العراق، وتحجيم الطموحات الإيرانية، وتحقيق التقارب بين العرب وإسرائيل من خلال ما تمتلكه من علاقات قوية مع الطرفين.
(3) من وجهة النظر الأميركية تمثل تركيا نموذجا إسلاميا محببا إلى الغرب، يعد بديلا لما تراه أميركا إسلاما متشددا يعادي مصالحها. وتسعى واشنطن لترويج هذا النموذج عربيا وإسلاميا. ولم تكن مصادفة إشادة الرئيس أوباما بالنموذج العلماني التركي، وكذلك زيارته قبر مصطفى كمال أتاتورك الذي وصفه بصاحب الرؤية والمثابرة والشجاعة (الذي وضع تركيا على طريق الديمقراطية، ومازالت تجربته تلهم الأجيال في أنحاء العالم).
أهداف أميركية
وتتطلع أميركا من وراء تجديد العلاقات مع تركيا إلى أهداف عدة تعتمد على استراتيجية الرئيس أوباما في أفغانستان والعراق على وجه الخصوص. وفي المقام الأول تولي السياسة الأميركية اهتماما خاصا بالدور التركي في أفغانستان التي تراها الخطر الرئيس عليها لتمركز العدو التقليدي فيها، ممثلا في تنظيم القاعدة وحركة طالبان. وترغب واشنطن من أنقره لعب دور عسكري وسياسي وديني، سواء من خلال عضويتها في حلف الأطلنطي، اذ تعد القوة العسكرية التركية هي الثانية عدديا في الحلف، ويمكنها المشاركة بقوات عسكرية في أفغانستان، مما يخفف الضغط العسكري على الجيش الأميركي، ويساهم في التقليل من العداء لقوات حلف الأطلنطي باعتبار تركيا دولة إسلامية.
كما يمكن لتركيا المشاركة في الاتصالات الجارية بين أميركا وأطراف أفغانية، ولتركيا نفوذ عسكري وسياسي من خلال طائفة الأوزبك. أما دينيا فان رسالة اوباما كانت واضحة خلال زيارته عندما قال انه لا يمكن اختصار العلاقة بين العالم الإسلامي والولايات المتحدة في تنظيم القاعدة. وتريد واشنطن تزكية النموذج الإسلامي التركي بهدف اجتذاب بعض المجتمعات الإسلامية إليه. ويعد الهم الأفغاني هو المطلب الأهم لإدارة أوباما، على الرغم من بعض الدعوات الرافضة داخل تركيا لأي مغامرة في جبال أفغانستان.
وفي المقام الثاني تتطلع واشنطن إلى دور تركي متعاون في إحلال الاستقرار في العراق والمساعدة على إتمام انسحاب أميركي هادئ منه. وهنا يمكن لتركيا المساهمة من خلال فتح قاعدة انجيرليك وغيرها عند الحاجة، خاصة وأن تجربة الانسحاب الأميركي المؤلمة من فيتنام لا تزال تؤرق العسكرية الأميركية. كما تريد منها لعب دور موازن للدور الإيراني في العراق وعموم المنطقة العربية وأسيا الوسطى.
وتأتي قضايا السلام العربي الإسرائيلي ثالثا، فتركيا تتمتع بعلاقات قوية مع العرب وإسرائيل. وقد دعاها أوباما لاستئناف دورها في إحياء جهود السلام بين سوريا وإسرائيل. وفي المقام الرابع تعد أميركا تركيا لدور حيوي في ميدان الطاقة القادمة من أسواق آسيا، خاصة دول بحر قزوين. فهناك اتجاه لإعادة إحياء خط أنابيب باكو جيهان، عوضا عن الممر الروسي. وهذا ما لم يغفل عنه الرئيس الأميركي خلال زيارته.
أهداف تركية
من الصعب اعتبار النتائج التي سوف تترتب على زيارة أوباما لتركيا بالعادية. فقد دشنت هذه الزيارة تركيا عمليا زعيمة للعالم الإسلامي من وجهة النظر الأميركية، وحققت لها الريادة التي تطمح إليها، فقد حظيت باعتراف أميركي على هذا الصعيد، وهو ما يساعدها على إطلاق يدها في كثير من الملفات المطلوبة منها أميركيا. كما أن الزيارة أسفرت عن اعتراف أميركي بمكانة تركيا الإقليمية في مواجهة إيران، واعتمادها وسيط سلام بين العرب وإسرائيل. وهذه كلها طموحات مستجدة لدي تركيا العدالة والتنمية.
أما على صعيد الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي والقضية الأرمينية وهما أهم قضيتين تؤرقان تركيا. فقد عزز أوباما الموقف التركي من القضيتين، عندما أيد انضمامها إلى أوروبا بقوله (ندعم بقوة انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي لأنه سيعزز من قوته، فهناك تاريخ مشترك وثقافة تجمع بين الطرفين). كما حرص على تهدئة المخاوف التركية تجاه قضية الأرمن، بل انه لم يستخدم مطلقا كلمة مذابح في وصف الخلاف بين الطرفين، ودعا كل من تركيا وأرمينيا إلى التحاور من أجل تجاوز هذه المشكلة.
ويمكن القول ان زيارة أوباما استهدفت إنتاج منظومة شرق أوسطية جديدة، وهو في ذلك يشابه ما سعت إليه الإدارة الأميركية السابقة برئاسة جورج دبليو بوش، لكن ادارة اوباما استبدلت تركيا بإسرائيل كعراب للمشروع، لما تمتلكه تركيا من مقومات مقبولة عربيا على الصعيد الديني تساعد على تحقيق الأهداف الأميركية، ومنها هضم إسرائيل في المنظومة الشرق أوسطية،.
فقد ثبت لأميركا عجز إسرائيل عن تمرير مشروعها عن طريق القوة العسكرية، كما ثبت عمليا في حرب لبنان 2006، وحرب غزة 2008، بل انها صارت عبئا استراتيجيا يعوق تمرير الشرق أوسطية. يضاف إلى ذلك تطلع أميركا لدور تركي ناشط على صعيد محاربة الإرهاب في بؤرته الأفغانية، وهو ما لا تستطيعه إسرائيل.
ولدى تركيا مشروعا طموحا يستهدف تذويب المنطقة في اطار التعاون الاقتصادي، وهو مشروع أنابيب السلام الذي يمتد من الأناضول باتجاهين: أحدهما نحو سوريا وإسرائيل، والثاني يمتد من العراق إلى السعودية ودول الخليج. ويبشر الأتراك بأن المشروع سوف يحقق نهضة زراعية وصناعية في المنطقة. وكانوا قد طرحوا هذا المشروع بديلا عن مشروع مد مياه النيل لإسرائيل.
العرب بين تركيا وأميركا
وبين الولايات المتحدة وتركيا يتطلع العرب بكثير من التفاؤل إلى الدور التركي لتحقيق التوازن مع إيران. وتلاقي العودة التركية ترحيبا خليجيا، في مقابل توجس مصري من أن يكون الدور التركي انتقاصا منها، ومصر محقة في ذلك، لأن هذا ما يجري عمليا على الأرض منذ الحرب على غزة. وفي اطار اكتساب ثقة العرب حرصت تركيا على عدم الانخراط في الخلافات العربية، بل سعت لمساندة التحركات والمواقف الساعية إلى إزالة الخلافات العربية.
كما حرصت على تقديم مساندة مطلقة للحقوق العربية في فلسطين وكافة الأراضي العربية المحتلة. وقامت الدبلوماسية التركية بتحركات نشطة خلال الفترة الماضية. فزار الرئيس التركي دول عربية، منها السعودية والبحرين، حيث تم إبرام العديد من الاتفاقات التجارية، وأبدى مساندته لاستقرار ووحدة البحرين، في إشارة لا تخفى على المراقبين للشأن الإيراني التركي العربي.
وعلى الصعيد الشعبي تتمتع تركيا بسيرة حسنة وتعاطف واسع، خاصة بعد الموقف الصلب الذي أبداه رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان في مواجهة الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز في منتدى دافوس.
كما تتمتع الأعمال الفنية التركية بإعجاب شعبي عربي كبير، على الرغم من حداثة عهد هذا النوع من الفن في السوق العربية، لكن ما سهل لها الطريق هو الحامل اللغوي السوري، الذي قربها بلهجة سهلة من الجمهور العربي، وهو ما يشير إلى أن تركيا استعدت جيدا لهذا الدور المستقبلي بكافة أسلحتها الناعمة والخشنة.
عقبات على الطريق
ولكن يظل الدور التركي محفوفا بالعديد من المخاطر والعقبات من وجهة النظر الإسلامية والعربية سواء فيما يتعلق بدورها في اطار الاستراتيجية الأميركية أو بقدرتها على تحقيق مصالحها في العالمين العربي والإسلامي. ويمكن تحديد هذه العقبات في التالي:
(1) تفتقد تركيا إلى مؤسسة إسلامية عالمية قادرة على تسهيل دورها، فهي لا تملك مماثلا للأزهر الشريف ولا لمجمع الفقه الإسلامي في جدة، ومن ثم فإنها لا تستطيع بعد مجاراة الدورين المصري والسعودي فقهيا على الأقل، بل ان دورها الإسلامي لايزال ضعيفا على المستوى الدعوي. فابتعادها منذ سقوط الخلافة الإسلامية أضعف مكانتها الدينية، لكن تركيا تتميز على الدول العربية جميعها بأنها تمتلك مؤسسات مجتمع مدني تتمتع بحيوية عالية، كما أنها تمتلك نظاما فاعلا للوقف الإسلامي لا يتوافر لأي دولة عربية وإسلامية أخرى. يضاف إلى ذلك ان لديها مشروعا إسلاميا واضحا وآليات سياسية قادرة على ضمان طموحاتها، لكن ذلك يظل مرهونا بمدى قدرة حزب العدالة والتنمية على الاستمرار في الحكم.
(2) الدور المطلوب أميركيا من تركيا سيعتمد على حرب الأفكار ضد تنظيمات العنف، وتركيا لا تمتلك حتى هذه اللحظة خطابا دينيا واضحا عربيا أو إسلاميا، اذ لايزال الخطاب السياسي هو الأوضح أمام العرب والأكثر ترحيبا من جانبهم. وفي هذا الجانب تسجل إيران نقاطا أكثر تحديدا ووضوحا، ومن ثم فان حرب الأفكار ليست في صالح الأتراك بعد.
(3) لايزال المشروع التركي ذي التوجه الإسلامي خيار حزب العدالة والتنمية، ويجابه برفض واسع من العلمانيين، مما يضمن عدم استمراره واستقراره، خاصة وأن المؤسسة العسكرية صاحبة السطوة لاتزال تتعامل مع العدالة والتنمية بريبة شديدة.
(4) على الرغم من توجه تركيا إلى العالم العربي والإسلامي إلا ان علاقاتها التجارية لاتزال متجهة صوب الغرب، فتركيا تمتلك اقتصادا يعد السابع أوروبيا والسابع عشر عالميا، ويقدر الناتج القومي لديها بما يصل إلى نحو 850 مليار دولار. وتتوجه معظم صادراته إلى الأسواق الأوروبية، وفيما عدا دول الخليج ومصر فان العلاقات الاقتصادية التركية مع العالم العربي لاتزال ضعيفة.
(5) لاتزال هناك مخاوف عربية من الارتباط التركي بحلف الأطلنطي، ومن العلاقات العسكرية الوثيقة مع إسرائيل.
(6) ما لم يستند الدور التركي على استراتيجية إسلامية بعيدة عن النعرات الوطنية الضيقة والتوظيف الأميركي، فإن الطموحات التركية لن يكتب لها النجاح عربيا وإسلاميا. فالشعوب العربية شديدة التوجس من الارتباط بالمشروعات الأميركية، نظرا للسياسات الأميركية القبيحة الموجهة ضد العرب طوال عقود. ومن الصعب تصور محوها من الذاكرة العربية ببضع كلمات تصدر عن أوباما أو عن مسؤولين أتراك.
(7) يتعين على السياسة التركية أحداث تحولات جوهرية معلنة في موقفها من وحدة وسلامة أراضي العراق، خاصة أطماعها في كركوك، وفي موقفها من توزيع حصص المياه مع كل من العراق وسوريا.
(8) يجب على تركيا عدم التورط في صراعات عسكرية ضد أي بلد مسلم، سواء من باب الحلف الأطلسي أو مباشرة، فإذا تورطت تركيا عسكريا في أفغانستان وفق ما تريد أميركا، فان ذلك سوف يفقدها كثيرا من التعاطف العربي والإسلامي ويجعل منها هدفا لغضبة البعض، خاصة وأن الاحتلال الأميركي للعراق وأفغانستان مرفوض شعبيا عربيا وإسلاميا. فالاحتلال ارتكب جرائم بشعة بحق المدنيين من أبناء الدولتين.
وبشكل عام تظل المراهنة العربية والإسلامية موجودة بقوة على دور تركي يرتبط بالعودة التركية المخلصة إلى الجذور، وبعيدا عن الارتهان لأية مشروعات في غير صالح الدول والشعوب العربية والإسلامية.
أحمد الكناني
