مرت ثلاثة أشهر على تولي الرئيس الأميركي باراك أوباما رئاسة الولايات المتحدة وقيادة الإدارة الأميركية.. ورغم حالة التفاؤل المفرطة التي سادت العالمين الإسلامي والعربي ودول العالم الثالث ليس لتولي أوباما فحسب وإنما لذهاب الرئيس الأميركي السابق جورج بوش والذي يحمل له العالمين العربي والإسلامي على وجه الخصوص كريات مؤلمة ومأساوية.
إلا هذه الحالة بدأت تتراجع إلى التفاؤل الحذر ثم النظر بقدر من الحيطة والحذر لتوجهات الإدارة الأميركية الجديدة والرئيس الأميركي تجاه العالم العربي والإسلامي بعد إدراك الشارع الإسلامي أن الرئيس الأميركي ليس حرا كامل الحرية في رسم وتنفيذ السياسة الأميركية، في ظل سيطرة الإدارة المؤسسية للولايات المتحدة ووجود مراكز ضغط صهيونية على القرار السياسي الأميركي.
أسئلة كثيرة تطرح نفسها بقوة حول توجهات الإدارة الأميركية تجاه العالم الإسلامي بالذات والذي شهد حربا صريحة طوال السنوات الثماني السابقة على الأقل من جانب إدارة جورج بوش الابن، وكان العالم الإسلامي مسرحاً لعدد من الحروب والتدخلات وممارسة الضغوط الشديدة بصور مختلفة، فمن الحرب على أفغانستان والعراق إلى محاصرة إيران والسودان وسوريا إلى ممارسة الضغوط على دول مثل مصر والسعودية وعدد آخر من الدول بزعم أنها أنظمة غير ديمقراطية، إلى محاولات إعادة رسم خريطة العالم الإسلامي وتقسيم دوله وإعادة صياغة توجهاته السياسية والفكرية والأيديولوجية واستخدام سياسة «العصا والجزرة»، ثم استخدام سياسة العصا فقط، والتي أصبحت مشهرة في وجه جميع الأنظمة الإسلامية بلا استثناء.
محاولة للاستقراء
وفي محاولة لاستقراء توجهات السياسة الأميركية للرئيس الأميركي باراك أوباما تجاه العالم الإسلامي وقضاياه انطلاقا مما ظهر خلال الأشهر الثلاثة من عمر الإدارة الأميركية من توجهات سياسية وتصريحات إعلامية وخطابات الرئيس أوباما السياسية سواء في الولايات المتحدة الأميركية أو تركيا وغيرها من بلدان العالم تحاول «البيان» التعرف على تلك التوجهات للإدارة الأميركية من خلال عدد من الخبراء السياسيين.
في البداية، يؤكد مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير نبيل بدر على أن الأمر الواضح أن الرئيس الأميركي باراك أوباما يريد أن يبعث برسالة لطمأنة العالم الإسلامي بأن ثمة تغيير يمكن أن يطرأ على السياسة الأميركية تجاه العالم الإسلامي وقضاياه المختلفة.
وقال: إن هذا أمر مرحب به على الرغم من أننا مازلنا في وقت مبكر، ذلك لأن هناك أسبابا سياسية واقتصادية وثقافية لم تتعامل معها إدارة الرئيس الأميركي السابق جورج بوش على وجه عادل بل استخدمت كل قدرات الولايات المتحدة كمنصة لمهاجمة وتشويه صورة الإسلام والمسلمين، فضلا عن عمليات الغزو التي قامت بها سواء في العراق أو أفغانستان وغيرها فضلا عن الجرائم والانتهاكات التي مورست ضد المسلمين في معتقلات «باجرام جوانتانامو وأبو غريب» وغيرها من المعتقلات التي سعت إلى استخدام كل الوسائل غير الشرعية لإهانة الإسلام والمسلمين متمثلا في هؤلاء المعتقلين، وهو ما انعكس سلبا على الجاليات الإسلامية في الولايات المتحدة نفسهاس.
وأضاف: «إنه نظرا لكل ما سبق وغيره، فإن المحصلة تقول أن توجهات الإدارة الأميركية برئاسة باراك اوباما مرحب بها، ولا بد أن يتعامل أوباما بعدل مع القضايا الإسلامية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية والنأي عن ازدواجية المعايير في قضايا تتناقض فيها الإدارة الأميركية مع نفسها مثل حقوق الإنسان والحريات ودمقرطة الأنظمة الحاكمة»، معرباً عن أمله في أن يوضع ذلك موضع الاختبار على الأرض للتعرف على قدرة الإدارة الجديدة على الاستمرار في النهج الذي تحدثت وعبرت عنه خلال الشهور الثلاثة الماضية.
تحديد العناصر المطلوبة
وحول ما يجب على العالم الإسلامي عمله للتعاطي مع توجهات الإدارة الأميركية الجديدة، قال السفير نبيل بدر: إنه على العالم الإسلامي أن يظهر الموضوعية في التعامل مع السياسة الأميركية الجديدة وتحديد العناصر المطلوبة وبدء حوار جاد تشارك فيه المراكز البحثية ومنظمات المجتمع المدني وهيئات التحاور والتعاون الأميركي الإسلامية.
ولفت إلى أهمية عدم تعليق كل الأخطاء على شماعة الآخرين بمعنى أن العالم الإسلامي يحتاج فعليا إلى إصلاح سياسي ليس لأن الآخرين يريدون ذلك، ولكن لأن الأوضاع في العالم الإسلامي في أمس الحاجة إلى ذلك، ولكن بشرط ألا يميز العالم الإسلامي سلبا دون العالم كله ويكون هو الوحيد المطالب بذلك كما فعلت الإدارة السابقة فهو أمر لا يجوز السكوت عنه.
ويقول رئيس وحدة العلاقات الدولية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية الدكتور جمال عبدالجواد: إنه من الواضح أن هناك توجهاً اميركياً جديداً تجاه المنطقة قائم على الحوار المتبادل واستخدام الأدوات الدبلوماسية في إقامة علاقات متوازنة بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي، وهي مؤشرات جديدة وجيدة. وأعرب عن اعتقاده بأن التوجه الرئيس في السياسة الأميركية الجديدة يقوم على تقليل التوتر بين واشنطن والعالم الإسلامي، وإسقاط شعار الحرب على الإرهاب والذي فُهم في العالم الإسلامي على أنه حرب على الإسلام، وهو الأمر الذي سيساهم بلا شك، حسب قوله، في المقاربة بين السياسة الأميركية الجديدة والعالم الإسلامي.
موضع القضية الفلسطينية
وحول تأثير السياسة الأميركية الجديدة على القضايا الرئيسة في العالم الإسلامي وخاصة القضية الفلسطينية، أكد أن القضية الفلسطينية شديدة التعقيد، مشيرا إلى وجود اهتمام بالقضية الفلسطينية من اليوم الأول وان هناك مبعوثا رئاسيا اميركيا مقبولا إسلاميا وعربيا وهناك خلافات واضحة في التوجهات بين الإدارة الأميركية برئاسة باراك أوباما والحكومة الإسرائيلية خاصة الجديدة برئاسة بنيامين نتانياهو.
وأشار إلى تصريحات المبعوث الأميركي لمنطقة الشرق الأوسط جورج ميتشل وتأكيده على أن حل القضية الفلسطينية يمثل مصلحة أميركية وهي قراءة جديدة لحقيقة الأوضاع بالمنطقة وإدراكا لانعكاسات القضية الخطيرة على الولايات المتحدة ذاتها، قبل الدول الإسلامية والعربية.
ونوه عبد الجواد إلى أنه إذا ما كانت هناك سياسة جيدة فإنها ستؤدي إلى نتائج جيدة ومن الصعب أن نحكم من الآن على النتائج المستقبلية للسياسات الأميركية خاصة وأنها تتوقف على عوامل كثيرة وتتداخل فيها أطراف متعددة وفاعلة، مصالحها بالضرورة ليست متسقة مع بعضها البعض، والسؤال الذي يطرح نفسه هو هل تستطيع إدارة أوباما الوصول لحل وسط بين كل هذه الأطراف وتحقق مصالحها جميعا خاصة المتعارضة؟!.
اندثار لغة الاستعلاء
وعما إذا كانت الإدارة الأميركية برئاسة أوباما يمكن أن تنتهج سياسة جديدة مع الأنظمة الحاكمة في العالم الإسلامي بعيدة عن لغة الاستعلاء وإملاء الأوامر والتعليمات والتي كانت متبعة في الإدارة السابقة، قال :إنه من الواضح أن الرئيس الأميركي باراك أوباما يتحدث من أول يوم عن أن أساس سياسته مع العالم الإسلامي هي الاحترام والمصالح المتبادلة وهو الأمر الذي من شأنه أن يفتح فرصا متساوية من العلاقات المتوازية بين الجانبين الأميركي والإسلامي.
أما وكيل الأزهر الشريف الشيخ عمر الديب، فيؤكد أن تصريحات الرئيس الأميركي باراك أوباما بالنسبة للعالم الإسلامي، تصريحات بجانب العدل والحق لأنه ليس من المنطقي أن تتخذ الولايات المتحدة عداوة مع الدين الإسلامي وهو دين يدعو إلى مكارم الأخلاق والتسامح والسلام.
وأشار إلى أن الرئيس الأميركي خلال ما ظهر من سياسات وتصريحات خلال الفترة المنقضية من حكمة، يمد يده للإسلام والمسلمين، وعلى المسلمين أن ينتهزوا هذه الفرصة السانحة للرد على حملات التشوية والإساءة وتصحيح المفاهيم الخاطئة لدى الغرب والأميركان عن الإسلام والتأكيد على أنه ليس دين إرهاب كما حاولت أن تصوره الإدارة السابقة.
وقال الديب: «إن التوجه الجديد للإدارة الأميركية يشجع على قبول الآخر الإسلامي وقبول توجهاته وتفهم قضاياه ومشاكله وإدراك مخاوفه وبواعث قلقه وبالتالي تكون هناك فرص أكبر لإقامة علاقات بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي قائمة على الفهم المتبادل والمشترك للآخر».
وأضاف: «إن ما ينمي هذه العلاقة المنشودة هو الحوار لتصحيح المفاهيم الخاطئة لدي الطرفين»، لافتا إلى أنه عندما يدرك الغرب وخاصة الأميركان أن الإسلام يدعو للعدل والإحسان والتسامح مع غير المسلمين سواء المقيمين معهم في نفس الأوطان الإسلامية أو المجتمعات الأخري غير الإسلامية، فلا شك أن الأمور ستتغير كثيرا جدا وستتضح الكثير من الأمور المختلطة عند الآخر.
ما زال الوقت مبكرا
ويري مسؤول الملف السياسي بجماعة الإخوان المسلمين الدكتور عصام العريان أنه من الصعب الحكم بعد ثلاثة أشهر على سياسات الرئيس الأميركي باراك أوباما ولكن من خلال كلامه وتصريحاته يمكن تكوين صورة مبدئية حول مستقبل السياسات التي يمكن أن يتبعها اوباما في تعاملاته مع العالم الإسلامي.
وأشار إلى أن أوباما سبق وأن ذكر في كلمة له عقب توليه الإدارة الأميركية أن علاقات الولايات المتحدة مع العالم الإسلامي ستقوم على مبدأين أساسيين وهما الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، ثم أضاف إليهما في الكلمة التي ألقاها خلال تواجده بتركيا، أنه لا يوجد عداء بين الولايات المتحدة والإسلام والعالم الإسلامي.
وأضاف العريان: «من هذه العبارات والتوجهات التي عبر عنها الرئيس الأميركي يبدو أن لديه نية في أن تختلف سياساته عن سياسات سلفه جورج بوش»، وتابع: «وهذا كلام جيد ولكننا نريد أن يتم ترجمته على الأرض»، مشيرا إلى أن هذا التوجه للرئيس الأميركي لابد وأن يصطدم بمراكز الضغط الصهيونية في الولايات المتحدة خاصة في ظل وجود الاستراتيجية الأميركية الداعمة للكيان الصهيوني وضمان تفوقه على دول المنطقة مجتمعة».
مراكز الضغط الصهيونية
وأشار إلى أن مدى تأثير مراكز الضغط الصهيونية على القرار الأميركي وعلي توجهات الإدارة الجديدة سيتضح خلال الأشهر القادمة عندما تظهر نتيجة الجهود التي يبذلها المبعوث الأميركي للمنطقة جورج ميتشل حيث لم يتضح بعد رده على الجفاء والإهانة التي تعرض لها خلال زيارته مؤخرا لإسرائيل وخاصة من وزير الخارجية الإسرائيلي إفيغدور ليبرمان أمام كاميرات التليفزيونات العالمية حيث لم يتبلور موقف أميركي على هذه المعاملة المشينة للمبعوث الرئاسي الأميركي وعليها سيتحدد مواقف كثيرة.
وحول قراءته لسياسات أوباما تجاه الديمقراطيات في العالم الإسلامي، أكد العريان أنه لم يصدر عن الرئيس الأميركي موقفا محددا ولم تصدر عنه أية إشارات أو إرهاصات تجاه الديمقراطيات والأنظمة الحاكمة في العالم الإسلامي، إلا أن زيارته لتركيا وإعلانه أن القاسم المشترك بين أميركا والولايات المتحدة هي أنهما دولتان ديمقراطيتان له معنى ومغزى عن دعمه للديمقراطية والحريات وهو أمر حسن وتوجه محمود إذا استمر في دعمه بعيدا عن حسابات المصالح بين بلاده وبين الأنظمة الحاكمة غير الديمقراطية في العالم الإسلامي.
القاهرة ـ «البيان»
