ظلت الأنشطة الاستيطانية الإسرائيلية، بما فيها من ممارسات توسعية استعمارية، ومصادرة للأراضي، وتقطيع لتواصلها الجغرافي، وحجز لإمكان قيام دولة فلسطينية، ظلت على الدوام أحد مصادر التوتر بين الفلسطينيين والإسرائيليين.
وفي مرحلة التسوية، شكل النشاط الاستيطاني عقبة كأداء أمام تقدم هذه العملية، وكان أحد الأسباب المركزية التي دفعت نحو الانتفاضة الأولى (1987 ـ 1993) والمواجهات المسلحة، التي اندلعت منذ أواخر العام 2000.
ويمكن تفسير تمسك إسرائيل بالنشاط الاستيطاني، وتزايد نفوذ المستوطنين، سواء في ظل حكومات العمل أو الليكود أو كاديما، بأسباب عدة أهمها: أولا، التكوّن التاريخي للدولة الإسرائيلية، التي كان الاستيطان أحد أهم مرتكزاتها. ثانيا، الأيديولوجية الصهيونية (السياسية والدينية) التي تقدس النشاط الاستيطاني، وتؤكد على حق اليهود بالاستيطان في كل الأرض الفلسطينية باعتبارها «أرض الميعاد». ثالثا، الأطماع التوسعية والاعتبارات الديموغرافية والأمنية والمائية لإسرائيل. رابعا، متطلبات المساومة السياسية حيث تريد إسرائيل، ربما، مقايضة موضوع المستوطنات بقضايا اللاجئين والقدس والحدود.
خامسا، السياسة الانتهازية التي تنتهجها الأحزاب الإسرائيلية في تنافسها على أصوات الناخبين، ومن ضمنهم المستوطنين. سادسا، عدم نضج إسرائيل لعملية التسوية بسبب التناقض في طبيعتها فهي دولة علمانية، ولكنها تقدس الرموز الدينية والتاريخ اليهودي. وهي دولة ديمقراطية ولكنها تعطي منزلة مميزة لليهود وتسيطر على شعب آخر بالقوة. وهي دولة لسكانها وأيضا دولة ليهود العالم.
في كل الأحوال فإن النشاط الاستيطاني خلق مشكلات عديدة لإسرائيل، فهو فضح حقيقتها، في العالم، كدولة استعمارية توسعية، وأظهرها على طبيعتها كدولة عنصرية تستخدم القوة للسيطرة على شعب آخر. وعلى الصعيد الداخلي فإن الأنشطة الاستيطانية، وردة الفعل الفلسطينية ضدها، رفعت كلفة الاحتلال، من النواحي الأمنية والبشرية والمادية، وأضعفت شرعية إسرائيل على الصعيد الدولي، وعززت التعاطف مع الشعب الفلسطيني.
وثمة أسباب تقف وراء تنامي الموقف المعادي للأنشطة الاستيطانية، منها: (1) صمود الفلسطينيين ومقاومتهم المستمرة للاحتلال والاستيطان؛ وكانت الانتفاضة الثانية أكثر تعبيرا عن ذلك. (2) تنامي مخاطر ما يسمى «القنبلة الديموغرافية»، التي تهدد بتقويض الطابع اليهودي للدولة من الناحية العملية، وتفتح أفقا للتحول نحو دولة «ثنائية القومية». (3) تزايد الضغوط الدولية والإقليمية على إسرائيل لوضع حد للتوسع الاستعماري الاستيطاني، وتمرير استحقاقات التسوية مع الفلسطينيين، لمعالجة الملفات الأخرى في المنطقة، من العراق إلى إيران. (4) الخلافات بين التيارات الإسرائيلية على خلفية الأنشطة الاستيطانية، ولاسيما على خلفية تكون مجموعات متطرفة تهدد الاستقرار، ولا تنصاع حتى للقوانين الإسرائيلية، باعتبارها الاستيطان في الضفة خارج النقاش.
الآن ثمة حكومة يمينية متطرفة في إسرائيل، باتت تعرف بحكومة المستوطنين، فإلى أي مدى ستذهب هذه الحكومة بالاستيطان؟ وما هي العواقب التي يمكن أن تنجم عن ذلك، سواء على عملية التسوية أو على إسرائيل ذاتها؟
