قبل أن يجف مداد البيانات الإنشائية البلاغية عن المصالحات العربية، وطي صفحة الخلافات العبثية المزمنة، تفجرت وقائع احدث أزمة واندلعت حرب إعلامية شرسة استبيحت فيها كل المحرمات وانتهكت الحرمات الوطنية والدينية.
المزري، ان هذه الحرب الإعلامية لم تندلع بين دولتين كما هي عادة حروب الأخوة الأعداء، وإنما بين دولة (مفتاح) لها ثقلها التاريخي ودورها المحوري كشقيقة كبرى للعرب جميعا، مهما جار عليها الزمن، وبين حزب عقائدي لبناني مقاوم له سابقة تاريخية في دحر الاحتلال الإسرائيلي وإلحاق الهزيمة بجيشه مرتين الأولى في مطلع حقبة التسعينات من القرن الماضي والثانية في حرب الثلاثة وثلاثين يوما حرب يوليو 2006.
المثير للدهشة، تدني مستوى الحوار وإدارة الخلافات العربية لدرجة استقدام قاموس السباب والشتائم، الذي تخلى عنه العرب منذ رحيل السنوات الأخيرة من القرن الماضي، والتي كان أشهرها الملاسنات بين مصر وليبيا إبان حكم الرئيس الراحل أنور السادات.
هذه الحرب الإعلامية الأمنية الأخيرة بين مصر وحزب الله تمثل انتكاسة كبرى للعرب جميعا، وتحقق للأعداء هدفهم الرئيسي بإهالة التراب على أي صلة عروبية أو رابطة إسلامية أو قومية بين أقطار امتنا.
ودون خوض في تفاصيل وخلفيات ما جرى من مواجهات إعلامية وأمنية بين القاهرة وحزب الله، يجب ان نتنبه إلى ان هذه الحرب الإعلامية الأمنية ما كانت لتندلع لولا العدوان الإسرائيلي البربري على غزة، وتوابعه من «اتساع الخرق العربي على الراتق» حيث تباينت المواقف تجاه الأسلوب الأمثل لدعم الشعب الفلسطيني: هل بالسعي إلى حشد المواقف الدولية واستصدار قرار أممي بوقف العدوان، أم بتقديم الدعم الإنساني والعسكري للمقاومين المدافعين عن أرضهم في غزة المكلومة؟.
في هكذا أجواء نشبت حرب القمم بين العواصم العربية، أبرزها قمة الدوحة غير العادية التي قاطعتها دول القرار العربي (مصر والسعودية) وحضرتها سوريا وعدد من الدول العربية التي لم تحقق الغالبية. وتوترت العلاقات بين مصر وقطر لدرجة تخطت الخطوط الحمراء، الأمر الذي دفع الرئيس المصري للتغيب عن القمة العربية في الدوحة في مارس الماضي.
ولم يكن خافيا على احد أن الشارع العربي جسد إجماعا لا نظير له في إدانته لأي تقاعس عربي حقيقي أو في موضع الشبهات، يضع صاحبه في خانة المتخاذلين عن نصرة الشعب الفلسطيني. بل زاد الطين بلة أن تهم الخيانة للقضية العربية المركزية تطايرت في كل اتجاه، وانتعش سوق المزايدات بدلا من التنادي لرص الصفوف والاتفاق على موقف محدد يدفع العدوان ويحمي شعبنا الفلسطيني في غزة.
والحاصل ان نصيب الأسد من التهم والإدانات كان لمصر كما العادة العربية في كل الملمات، لأنهم يعتبرونها الشقيق الأكبر وحامي الحمى. حدث هذا مع الزعيم الراحل جمال عبد الناصر ومع من جاء بعده. ولم تفوت إسرائيل الفرصة وصبت كثيرا من الزيت على النار العربية المشتعلة، وسربت زيفا أو بنصف حقيقة أن مصر هي التي حرضت على ضرب غزة بل وطلبت القضاء على المقاومة.
وعود إلى الحرب الأخيرة، نجد أن جذوتها كانت تحت رماد حرب غزة، فلقد صدرت عن الأمين العام لحزب الله «هفوة» لا ينبغي لمثله أن يقع فيها بتحريضه المصريين شعبا وجيشا على الضغط على الرئاسة لنصرة غزة. ومن هنا انفتح جرح لم يندمل. الخلاصة، يجب أن تتكاتف الجهود لطي هذه الصفحة بعد ان يعتذر المسيء عن إساءته، حتى لا نهدر طاقة امتنا في مثل هذا العبث.
