مراراً وتكراراً تحدث الرئيس الأميركي باراك أوباما عن فتح صفحة جديدة بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي، وتوج ذلك مؤخراً بزيارة تركيا ومنها خاطب المسلمين مجدداً. وإذا نظرنا إلى دعوة الرئيس الأميركي من زاوية العراق، فسوف نجد أنه حقق تقدماً أراح العرب والمسلمين نوعاً ما، عندما أعلن أنه سيعيد العراق إلى أهله، على الرغم من أن شيئاً جوهرياً لم يتحقق بعد على الأرض، ولكن العراق ليس هو القضية الوحيدة، بل انها ليست المعيار الحقيقي للكراهية العربية الإسلامية تجاه أميركا. فالمصدر التاريخي والآني لها هو الموقف الأميركي من القضية الفلسطينية.
وإذا نظرنا إلى الموقف الأميركي من زاوية القضية الفلسطينية، فلن نجد تغييراً يذكر في منذ تولي أوباما الحكم، وهو في ذلك يتساوى مع أشد أسلافه عنصرية وكراهية للعرب مثل ليندون جونسون وجورج دبليو بوش. فما زالت السياسة الأميركية منحازة لإسرائيل. وهذا ما تبين من موقف باراك أوباما المرشح ثم الرئيس من الحرب الإسرائيلية على غزة، ثم في مؤتمر شرم الشيخ الخاص بالإعمار. فالمفردات التي استخدمتها وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون في المؤتمر كانت هي ذاتها مفردات الوزيرة الأميركية السابقة كوندوليزا رايس، بل ان التعنت الأميركي من مشاركة حماس في الحكومة الجديدة المقترحة وفق محادثات القاهرة، كان هو السبب المباشر في فشل المصالحة الفلسطينية. وبالتالي فان دعوة أوباما لفتح صفحة جديدة مع العالم الإسلامي هي دعوة غامضة لا تستند إلى مرتكزات حقيقية، ويبدو أنها مجرد حملة علاقات عامة يمارسها الرئيس بنفسه تجاه العالم الإسلامي لتحسين وجه أميركا الذي لا يزال قبيحاً.
وحتى لا يقع عموم العرب والمسلمين في الفخ الأميركي الجديد أقترح على النخب العربية والإسلامية ممثلة في الاتحاد البرلماني العربي، والاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، والمؤتمر القومي العربي الإسلامي، وغيرهم، مناقشة دعوة أوباما بجدية، والاتفاق على مرتكزات تجتمع عليها الأمتين العربية والإسلامية من أجل تحقيق المصالحة التاريخية التي يدعو إليها الرئيس. واقترح أن تستند هذه المصالحة على مطالب شعبية مثل: (1) تقديم اعتذار أميركي واضح عن جرائمها بحق العرب والمسلمين، مع تقديم تعويضات عنها. (2) التوقف عن التدخل في شؤون الدول العربية والإسلامية، والكف عن نهب الثروات، وعن محاربة محاولات العرب والمسلمين تحقيق التقدم العلمي في المجال النووي وغيره. (3) إيقاف حملات الإساءة إلى الإسلام ورموزه في مراكز الأبحاث وفي الإعلام الأميركي، وإصدار قوانين تجرم ذلك أسوة بما هو معمول به مع (الهولوكوست). (4) معاقبة كل من شارك في التعذيب وانتهاك الحقوق والحريات الإنسانية العامة سواء في معتقل غوانتانامو أو في معسكرات الاعتقال السرية الأميركية حول العالم. (5) وضع حد للقتل العشوائي الذي يمارس بواسطة المؤسسة العسكرية الأميركية بحق المدنيين من المسلمين في أماكن متفرقة من العالم.
هذه بعض مرتكزات المصالحة وإيقاف حملات الكراهية المتبادلة، وأظن أن هناك الكثير مما تراه النخب العربية يستحق المناقشة. وما لم يحدث ذلك فلن تكون بين أميركا والمسلمين صفحات جديدة. فالشعوب الإسلامية لن تمحو ذاكرتها، ولن تفرغ عقلها من أجل دعوة عابرة، باهتة الشكل، غامضة المحتوى.