كان رئيسا للحكومة المصرية على مدى 14 شهرا من سبتمبر 1985 الى نوفمبر 1986. ثم كان رئيسا لمجلس الشورى ورئيسا للمجلس الأعلى للصحافة المصرية. وهي مناصب سياسية مرموقة تضفي على صاحبها هيبة ووقارا واتزانا. خاصة وأن الشخصية المقصودة، أستاذ جامعي أيضا يحمل دكتوراه من جامعة لوزان بسويسرا وله أكثر من 30 بحثا في اللغات العربية والإنجليزية والفرنسية، ومنح الكثير من الجوائز من كل من فرنسا والسويد.

ومصر من جانبها قدرته لأبحاثه ومنحته جائزتها التقديرية في العلوم الاجتماعية عام 1992. ومع كل ذلك ورغم ما عرف عنه من لغة رزينة وهادئة في الحديث، إلا أنه فاجأ المصريين بالتحدث بلغة «السح الدح إمبو»التي ولدت مع عصر الانفتاح «السداح مداح». اللغة التي ترعرعت على مدى ثلاثة عقود حتى صارت لغة العصر والأوان في أرض المحروسة التي أنجبت فحول الثقافة والفكر والأدب العربي من أمثال طه حسين والعقاد وشوقي والمازني وأحمد أمين وأسماء أخرى لا حصر لها ويجلها كل العرب لتأثيرها في وجدان الأمة لقرابة قرن من الزمان قبل أن يطل علينا عصر رديء ذبل فيه الفكر والأدب.

الدكتور علي لطفي رئيس الوزراء السابق وأستاذ الجامعة، نظم شعرا يمدح فيه رئيس مجلس الشعب المصري الدكتور فتحي سرور الذي يشغل منصبه على مدى 19 عاما متواصلة.. قال:

فتحي سرور يا ويكا.. الكل يحبك حب الفرخة للديكا.. أما حبك للقانون فهو في دمك وكلاويكا.. أستاذ قانون ناجح لما تعرف شغل البولتيكا.. لأن مصر دايما في قلبك.. ليس لها شريكا.. طلبة الحقوق بيقولوا كلامك حلو وسكر.. وعامل زي المزيكا..

هذا هو «ذوق» رئيس وزراء مصر الأسبق في تقييم شخصية مرموقة ورجل ضليع في إدارة البرلمانات وصياغة القوانين وتمرير التشريعات.

ما قاله الدكتور لطفي يدفعني لأن أتذكر في حسرة وألم رئيس وزراء مصري كان شعره حسب تقييم كل نقاد الأدب «الجسر» الذي عبر وأبدع من خلاله شعراء القرن العشرين. أقصد رب السيف والقلم محمود سامي البارودي أبرز أبطال الثورة العرابية في نهايات القرن التاسع عشر.

ما قاله البارودي في الخديوي توفيق، عبر عنه شعرا عندما كان الاثنان على مودة وصداقة قبل اندلاع ثورة عرابي، أي لم يكن وقتها غاضبا من حاكم مصر بل صديقا حميما له أراد أن ينصحه. قال له البارودي :

هيهات يحيا الملك دون مشورة.. ويعزّ ركن المجد ما لم يُعمد

فالسيف لا يمضي بدون رويَةٍ.. والرأي لا يمضي بغير مهنَّدِ

فاعكف على الشورى تجد في طيها.. من بينات الحكم ما لم يوجدِ

شتان بين قصيدتين الفارق الزمني بينهما قرن وربع القرن. قصيدة مضيئة في صفحات الشعر العربي الحديث لأصحاب المقام الرفيع في الأدب. وأخرى قد تستهوي فنان العصر شعبان عبد الرحيم، فتمطرنا بها الفضائيات لتثري رصيدنا من أشعار عصر ذبل فيه الفكر واندثر.

لقد بلغ الغضب بالشاعر الكبير فاروق جويدة من شعر لطفي إلى درجة أنه قال : نحن لا نستحق هذا الوطن. ومن جانبي أخفف من وطأة غضب الأستاذ جويدة على ما صار عليه حال المحروسة، بأن أذكره بقول البارودي في وداع وطنه إلى منفاه:

فيا قلب صبراً إن جزعت.. فربما جرت سُنحاً طَيْر الحوادث باليُمنِ

فقد تورق الأغصان بعد ذبولها.. ويبدو ضياء البدر في ظلمة الوَهنِ

hassaber@gmail.com