قرار الرئيس أوباما الوشيك، بفتح قفل الباب المغلق مع الجارة كوبا؛ خطوة تاريخية. ليس بحجمها. فهي جداً متواضعة. لكن بما تضمره من اعتراف، ولو مكابر، بذنب أميركي مزمن. وأيضاً بما ترمز إليه من بداية تصحيح، ولو متأخر، لسياسة انتقامية؛ شطحت بعيداً في الزمن، وبلا مسوّغ. مفتاح هذا الباب، كاد أن يأكله الصدأ. والقطيعة صارت من المنسيّات. أمست تبدو وكأنها من المسلمات. تحوّل الاستثناء إلى قاعدة، والقرار المتعسف إلى إجراء مقبول. الحظر الأميركي المفروض على الجزيرة، البعيدة 90 كلم فقط عن شاطئ بلاد «العم سام»؛ بات السمة الوحيدة للعلاقة، بينهما. كسره، ولو مواربة، تطور يحسب للرئيس أوباما. ينزل كدفعة في رصيد ترجمة وعوده بالتغيير والحوار، في سياسة إدارته الخارجية. لكنها دفعة صغيرة وتبقى أهميتها مرهونة باستكمالها، لحين إسقاط هذا الحظر الجائر؛ بالتمام والكمال.

يستعدّ الرئيس أوباما، لإعلان قرار برفع بعض القيود المفروضة على كوبا. وبالتحديد المتعلق منها برحلات الأميركيين، من أصل كوبي، إلى وطنهم الأم؛ وبتحويلاتهم المالية إلى ذويهم هناك. وكان الكونغرس قد أقرّ، في مارس الماضي، تخفيف القيود على سفر هؤلاء. بدل السماح لهم بزيارة، مرة كل ثلاث سنوات؛ صار بإمكانهم السفر مرة كل سنة؛ مع رفع سقف نفقاتهم اليومية، خلال إقامتهم؛ من خمسين دولاراً في اليوم إلى 179 دولاراً. لكن حتى لو قرّر الرئيس إزالة مثل هذه القيود كلياً؛ فإن ذلك لن يشكل أكثر من حصاة في جبل الحظر، المطلوب إزالته. فهذا الأخير فرضته واشنطن عام 1962.

أزمة الصواريخ الروسية واحتدام الحرب الباردة، شكّلت في حينه الذريعة، التي كان يمكن فهمها. كوبا، بنظامها الاشتراكي وتحالفها الاستراتيجي من موسكو السوفييت حينذاك؛ كانت خصماً لدوداً للولايات المتحدة. مقاطعتها، كانت محاولة لعزلها وتركيعها. خطوة، ربما كان لها تفسيرها، تحت تلك الظروف. لكن هذه المعادلة غابت من زمان. على الأقل بعد سقوط جدار برلين وانتهاء الحرب الباردة. ثم أن واشنطن كانت علاقاتها، في عزّ الحرب الباردة، شبه طبيعية مع بلدان الكتلة الاشتراكية كافة. بل هي بادرت وتعمّدت إقامة مثل هذه العلاقات مع الصين الماوية.

وكوبا ما كان بإمكانها مرة، تهديد الأمن الأميركي. مقاطعتها، كانت عقوبة لتجاوزها المحظور: المجيء بالاشتراكية إلى حديقتها الخلفية. مضى حوالي عقدين على الانهيار السوفييتي، حليف وسند كوبا. مع ذلك بقي الحظر مكانه، مع كل ما تسبب به من إفقار للجزيرة. فقط من باب الكيدية والمراعاة لحسابات واعتبارات سياسية وانتخابية، أميركية. وكوبا لحق بها ظلم أميركي آخر قديم ومتواصل حتى اليوم. جزء من أرضها، بمساحة أكثر من 117 كلم مربع؛ المعروف باسم غوانتانامو؛ تشغله واشنطن كقاعدة عسكرية، منذ عام 1903.

حينذاك أخذته بعقد إيجار مع الحكومة الكوبية، ونالت بموجبه حق التدخل بشؤون البلد. تجدّد العقد عام 1906 لقاء بدل سنوي مقداره ألفي دولار. ثم أدخل عليه تعديل عام 1934، يمنع إلغاءه أو تعديله، إلاّ بموافقة الطرفين. احتلال مقنّع. ومنذ 1959 امتنعت كوبا عن تقاضي بدل الإيجار. كل الحالات المشابهة، من بنما إلى هونغ كونغ وغيرها، انتهت وعادت الأرض إلى أصحابها. ما عدا غوانتانامو، الذي تحول إلى معتقل انتهكت فيه حقوق الموقوفين فيه.

الرئيس أوباما على وشك أن يكسر جليد الحظر الكوبي. مبادرة في محلّها. شرط أن تكون خطوة في عملية تذويب سريع لهذا الجليد.

vic_shal@hotmail.com