تغيرت طبيعة المجلات الثقافية في العالم العربي في الزمن الحالي، واختلفت في المضمون وفي الشكل وفي الوظيفة عن المجلات الثقافية التي تعددت وتنوعت بين الربع الأول من القرن العشرين والنصف الثاني من القرن ذاته، والاختلاف بين هذه المجلات في الزمنين، كما أراه استناداً إلى تجربتي الشخصية، إنما يعود في الأساس إلى الاختلاف في الشروط التاريخية بين الحقبتين، وهو اختلاف يطال الوقائع السياسية والاجتماعية والثقافية، كما يطال طبيعة الأنظمة السياسية التي سادت في بلداننا، وأحدثت تأثيرات سلبية في كل جوانب الحياة فيها، ذلك أن معظم هذه الأنظمة كان استبدادياً أو سلفياً بمعنى من المعاني.
ويعود ذلك الاختلاف، في الوقت عينه، إلى التطورات التي شهدها العالم المعاصر، سواء في وسائل الإعلام، أم في وسائل الاتصالات، أم في سوى ذلك من الأمور التي تركت تأثيراتها على مدارك الناس ومعارفهم وعلى اهتماماتهم، كما تركت تأثيراتها على دور الثقافة وعلى وسائل تعميمها (المجلات والكتب ودور النشر) وعلى دور النخب الثقافية، وانعكست مجمل هذه التطورات على الوعي الفردي والجماعي في بلداننا وفي مجتمعاتها.
وأية كانت الأسباب التي أدت إلى الاختلاف في دور المجلات الثقافية بين الحقبتين الزمنيتين المشار إليهما، مما لا شك فيه ولا جدال هو أن هذا الاختلاف حقيقي بكل المعاني، أقول ذلك من دون أن أقلل من شأن الجهود التي تبذل من قبل المؤسسات الثقافية، الرسمية والخاصة، لإصدار مجلات ثقافية كبيرة ومهمة في عدد من البلدان العربية.
إلا انني، إذ أتوقف اليوم عند هذه الظاهرة المتصلة بدور المجلات الثقافية في الزمن الحالي، فلأنني أرى أن على النخب الثقافية الملتزمة بالتقدم الديمقراطي في بلداننا أن تخوض مغامرة البحث عن صيغة جديدة تعيد، أو تحاول أن تعيد، إلى المجلات الثقافية دورها التنويري القديم. ولست أرمي من حديثي هذا إلى استعادة مبسطة وساذجة لتراث قديم، فالتراث هو، كما أفهمه وكما أتعامل معه، تراث ليس أكثر. أي أنه غير قابل للاستعادة. غير أنه يشكل، بالمقابل، ثروة لا بد من الاستفادة منها، في الراهن من أيامنا وفي البحث عن المستقبل المختلف.
لكنني لا أخفي في مقاربتي لهذا الموضوع الخاص بالمجلات الثقافية بعض الحنين عندي إلى ذلك التاريخ الذي مارست فيه المجلات الثقافية في النصف الأول من القرن الماضي خصوصاً، وفي مطالع النصف الثاني منه، دوراً حاسماً في تكوين شخصيتي الثقافية والفكرية والسياسية، كما مارست الدور ذاته في تكوين أبناء جيلي، وأبناء الجيل الذي سبقه، وأبناء الجيل الذي أتى بعده، وفي الواقع فإن لهذا الحنين عندي إلى ذلك التراث المجيد الذي تركته لنا المجلات الثقافية القديمة معنى آخر يتجاوز ذلك الحنين، ذلك أن الذهاب إلى المستقبل إنما يتأسس دائماً على التراث في الوقت الذي يتجاوزه. لكن المعنى الآخر لهذا التذكير بالتراث مقروناً بالحنين الإنساني إليه، إنما يعبر عنه القلق على مستقبل ثقافتنا من هذا التراجع في دور الثقافة وفي دور المثقفين في الحياة العامة لبلداننا، على مستوى الدولة ومؤسساتها، وعلى مستوى المجتمع ومؤسساته. وهو قلق على الحاضر وعلى المستقبل في بلداننا في آن، قلق يطال الجانب الثقافي، ويطال الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإنسانية جميعاً. ولهذا القلق كل ما يبرره في المشهد العام في بلداننا.
إن ما يبدو اليوم انسداداً في الأفق في بلداننا في اتجاه الحرية والتقدم إنما يعود في الأساس إلى أن الأنظمة السائدة في بلداننا هي، بمعظمها، أنظمة قديمة، أنظمة استبداد بصيغ مختلفة. يساندها في استبدادها وفي تخلفها أمران يكمل الواحد منهما الآخر. الأمر الأول يتمثل في تراجع دور القوى التي كانت تحمل مشاريع للتغيير بأسماء مختلفة، كان أبرزها وأهمها تلك التي ارتبطت بالمشروع الاشتراكي، بمدارسه المختلفة. وكان دور هذه القوى قد بدأ يتراجع حتى قبل انهيار التجربة الاشتراكية في مركزها الأساس والأول الاتحاد السوفييتي.
الأمر الثاني يتمثل بالبروز غير المسبوق للحركات الأصولية بصيغها المختلفة، لاسيما منها الصيغ المتطرفة التي تمعن تدميراً للحياة الإنسانية في بلداننا وفي مجتمعاتها، وتمعن تدميراً لكل مظاهر الحضارة حتى في أبسط تجلياتها وتعبيراتها. وهذان الأمران هما اللذان سهّلا للخارج، من كل الجنسيات والمشاريع والاستهدافات، أن يمارس دوره التخريبي في بلداننا، ودوره التخريبي في تشويه الوعي الفردي والجماعي عند أقسام واسعة من مواطني بلداننا.
على أنني لا أرمي في حديثي عن هذا الواقع في حياتنا السياسية والاجتماعية والثقافية إلى تحميل المجلات الثقافية القائمة اليوم مسؤولية التراجع في دورها، والتراجع في دور الثقافة وفي دور المثقفين. فذلك أمر غير دقيق. إنما أريد أن أطرح للنقاش مسألة استعادة هذه المجلات، في الشروط التاريخية الجديدة، دوراً نحن بحاجة إليه في تعزيز موقع الثقافة والمعرفة في بلداننا، من أجل تحرير الوعي الفردي والجماعي مما أصابه من تراجع وتشويه لصالح الخرافات والبدع، من جهة، ولصالح أنظمة الاستبداد المسؤولة عن بقاء بلداننا خارج العصر وتحولاته، من جهة ثانية. ولاستعادة هذا الدور لمجلاتنا الثقافية شروط لا بد من توفرها لاسيما عند النخب الثقافية الديمقراطية.
دور بالغ الأهمية
لنتذكر، في هذا السياق، المجلات الثقافية التي مارس بعضها على امتداد النصف الأول من القرن الماضي، ومارس بعضها الآخر في مطالع النصف الثاني من القرن، دوراً بالغ الأهمية في تكوين أجيال بكاملها. لنتذكر مجلة «الهلال» لمؤسسها جورجي زيدان، التي لا تزال مستمرة في الصدور منذ ما يزيد عن القرن، لكن في شكل مختلف اليوم عن تاريخها القديم. لنتذكر مجلات «المقتطف» لمؤسسها فؤاد صروف، و«المجلة» لمؤسسها سلامة موسى، و«الرسالة» لمؤسسها أحمد حسن الزيات، و«الثقافة» لمؤسسها أحمد أمين، و«الكاتب المصري» لمؤسسها طه حسين. وهي جميعها توقفت عن الصدور تباعاً. لنتذكر مجلة «العرفان» اللبنانية لمؤسسها الشيخ أحمد عارف الزين، التي احتفلت في هذا العام بمرور مئة عام على صدورها. وتجري محاولات لإعادة إصدارها. لنتذكر مجلة «الدهور» لمؤسسها إبراهيم حداد، التي ما إن توقفت عن الصدور بعد عام من تأسيسها حتى ورثت وظيفتها التنويرية مجلة «الطليعة».
وقد صدرت هذه الأخيرة بقرار من مؤتمر مدينة زحلة في لبنان في عام 1934، الذي شارك فيه عدد من كبار مثقفي لبنان وسوريا تحت شعار «الوحدة العربية في صيغة ديمقراطية حديثة». وكان في مقدمة هؤلاء المثقفين المفكر اللبناني سليم خياطة. لنتذكر مجلة «المكشوف» لمؤسسها فؤاد حبيش، ومجلة «الأديب» لمؤسسها البير أديب، وكلاهما توقفتا عن الصدور. لنتذكر مجلة «الطريق» لمؤسسها أنطون ثابت، التي شارك في تأسيسها كل من عمر فاخوري ورئيف خوري ويوسف إبراهيم يزبك وقدري قلعجي، واستمرت في الصدور من دون توقف من عام 1941 حتى عام 2004.
وإذ توقف عن الصدور معظم هذه المجلات الرائدة فإن مجلات أخرى قامت، بصيغ جديدة، ببعض أدوار تلك المجلات، ثم توقف معظمها عن الصدور بعد سنوات لأسباب اختلفت بين مجلة وأخرى. لنتذكر من هذه المجلات مجلة «الثقافة الوطنية» التي صدرت في لبنان بين عام 1952 وعام 1959، وتولى مسؤولية تحريرها حسين مروة ومحمد دكروب، ومجلة «الآداب» التي أسسها سهيل إدريس في عام 1953، وما تزال تستمر في الصدور بدور مختلف عن مرحلة تأسيسها الأولى، ومجلة «دراسات عربية»، التي صدرت عن دار الطليعة للنشر، ومجلة «الثقافة الجديدة» العراقية التي رأس تحريرها صلاح خالص، وتستمر في الصدور في صيغة مختلفة عن تاريخها الأول، ومجلة «مواقف» التي أسسها أدونيس، وتوقفت عن الصدور، ومجلة » الغد» المصرية لمؤسسها حسن فؤاد في الستينات وتوقفت، ومجلة «المعرفة» السورية المستمرة في الصدور، ومجلة «العربي» التي تستمر في الصدور منذ خمسين عاماً.
كما نذكر هنا مجلة «الطليعة المصرية» التي كان يرأس تحريرها لطفي الخولي في الستينات والسبعينات، وتوقفت عن الصدور، ومجلة «الكاتب» التي كان يرأس تحريرها أحمد عباس صالح في الستينات ثم توقفت، ومجلة «شؤون فلسطينية» التي كانت تصدر عن مركز البحوث الفلسطينية وكان يرأس تحريرها محمود درويش، ثم توقفت عن الصدور، ومجلة «الكرمل» التي كان يصدرها محمود درويش، ثم توقفت عن الصدور قبيل رحيل مؤسسها، ومجلة «النهج» التي كانت تصدر في الثمانينات باسم الأحزاب الشيوعية العربية ثم صارت تصدر مع مجلة «المدى» بمسؤولية فخري كريم وتوقفت عن الصدور، ومجلة «اليسار العربي» التي كان يصدرها ميشال كامل في باريس في الثمانينات، وتوقفت بعد وفاته، ومجلة «القاهرة» المصرية التي كان يرأس تحريرها غالي شكري، ثم توقفت وأعاد إصدارها في شكل مجلة أسبوعية صلاح عيسى، و«قضايا فكرية» التي أسسها ورأس تحريرها محمود أمين العالم ثم توقفت، ومجلة «اليسار» التي كان يرأس تحريرها حسين عبد الرازق ثم توقفت عن الصدور، و«أدب ونقد» التي كانت ترأس تحريرها فريدة النقاش ثم صار رئيس تحريرها حلمي سالم وهي تستمر بالصدور عن حزب التجمع المصري، ومجلة «إبداع» التي يرأس تحريرها أحمد عبد المعطي الحجازي، ومجلة «المستقبل العربي» التي يرأس تحريرها خير الدين حسيب، وتصدر عن مركز دراسات الوحدة العربية.
التأسيس لتيار شعري
أما مجلة «شعر» التي صدرت في مطلع الستينات ورأس تحريرها يوسف الخال فقد أسهمت في تأسيس تيار جديد في الشعر العربي الحديث، ثم توقفت عن الصدور. وثمة مجلات أخرى عديدة صدرت وتوقفت. وثمة مجلات لا تزال تصدر، سواء في لبنان أم في البلدان العربية الأخرى، لعل واحدة من أهمها هي مجلة «دبي الثقافية».
إنني إذ أشير باعتزاز إلى تلك المجلات الأنف ذكرها، فلكي أذكر على وجه التحديد بالدور التنويري الذي مارسته المجلات التي صدرت في النصف الأول من القرن الماضي. وهذه المجلات تستحق أن يجري التوقف عند دورها هذا، الذي يختلف بين مجلة وأخرى من حيث التأثير الذي مارسته في الحياة الثقافية في بلداننا، ومن حيث عدد المساهمين فيها من الكتاب، ومن حيث نوع القضايا التي عالجتها.
أما فيما يتعلق بالمجلات اليسارية المعروفة مثل «الطريق» و«الدهور» و«الطليعة» و«الثقافة الوطنية»، التي كانت تصدر في لبنان، ومجلات «الغد» و«الطليعة» و«الكاتب» و«اليسار العربي» و«اليسار» و«أدب ونقد» التي صدرت في مصر، و«الثقافة الجديدة» و«النهج» و«المدى» التي صدرت في العراق، فإن أهميتها هي أنها قدمت نفسها، منذ وقت مبكر، كمنابر لنشر الفكر الماركسي، مقتحمة بذلك جميع الصعوبات التي واجهتها بين مرحلة وأخرى. وهي قد خلقت، في فترة زمنية قصيرة، تياراً ثقافياً حقيقياً، أسهم في تأسيسه وتطويره لعدد كبير من المثقفين العرب. وقد أجريت في الآونة الأخيرة مراجعة للمجموعات الكاملة لهذه المجلات، وتصفحت بعض ما نشر فيها من أبحاث ودراسات فكرية وعلمية وأدبية وفنية وتاريخية واقتصادية واجتماعية. وأذهلني ذلك الوضوح في الرؤية وفي شموليتها. كما أذهلتني الجرأة التي طرح فيها الكتاب أفكارهم.
أقول ذلك من دون أن أغيب بعض التعسف الذي اتصفت به بعض المدارس الأدبية والفكرية في ذلك التاريخ. لكن ما هو مهم في قراءتي لتلك الحركة هو أن حرية الفكر والجدل، حتى في أكثر القضايا دقة وحساسية، كانت في ذلك الزمن، بما في ذلك في فترات الانتداب الأجنبي على بلداننا، أكثر اتساعاً وأكثر رحابة مما هو عليه الحال في أيامنا هذه. إذ لم أعثر في قراءتي لتلك المجلات على خبر يشير إلى أن السلطات أوقفت كاتباً، أو منعت صدور كتاب، أو أقفلت مجلة ثقافية. وأعترف بأنني خرجت من هذه الجولة الممتعة في صفحات هذه المجموعات لهذه المجلات بشعورين متناقضين: شعور بالاعتزاز بهذا التراث الثقافي الغني وبصانعيه، كتاباً ومفكرين ومنابر ثقافية، وشعور بالمرارة لما هو عليه حال ثقافتنا في الوقت الراهن.
تناقض في المشاعر
وقد تولد عندي من جراء هذا التناقض في المشاعر نوع من الثورة الداخلية، أعتقد أنها تتفاعل في وجدان وعقول العديد من المثقفين في بلداننا. كما تولد عندي، في الوقت ذاته، إحساس عميق وعنيف بالمسؤولية، إحساس يحضني على الدعوة والعمل من أجل استعادة الدور الريادي للمجلات الثقافية القديمة، سواء منها اليسارية التي أشير إليها، أم تلك التي صدرت في ثلاثينات وأربعينات القرن الماضي. أعني هنا المجلات التي ساهمت في تكويني الفكري والثقافي والسياسي.
ربما يكون من الضروري، في هذا السياق من التذكر والحنين إلى تاريخ وتراث مجلاتنا الثقافية القديمة، أن أتوقف عندما اعتبرته في مطلع هذا الحديث دوراً تنويرياً لتلك المجلات. فماذا أعني بالتنوير هنا، وما هي الآثار والوقائع التي تدل على هذا التنوير؟ لن أغامر في الدخول في البحث التاريخي. فذلك أمر صعب وله شروطه. سأكتفي بالإشارة إلى تجربتي الشخصية. وأخص بالذكر من هذه التجربة الشخصية علاقتي بمجلات ثلاث، على سبيل المثال لا الحصر. وهذه المجلات هي، في التسلسل الزمني من حيث التأثير الذي مارسته في تكويني الفكري والمعرفي والسياسي، مجلة «الهلال» ومجلة «الكاتب المصري» ومجلة «الطريق».
وأذكر أننا، حين أسسنا في «المدرسة الجعفرية»، مدرستنا، جمعية ثقافية، وأسسنا معها مكتبة عامة، ومنبراً خطابياً لقراءة الشعر، توجهنا إلى عدد من أولئك الكبار من كتاب «الهلال» نطلب منهم تزويد مكتبتنا ببعض كتبهم. وقد استجاب بعضهم لطلبنا. وكنا شديدي السعادة بذلك. كان ذلك بين عام 1944 وعام 1947. وكانت قد بدأت تتضح عندي وعند بعض زملائي، شهيتنا لممارسة الكتابة. فمارسنا الكتابة كل منا على طريقته. وكان محمد دكروب يميل إلى كتابة القصة. في حين أنني كنت أمارس كتابة الخواطر الأدبية.
البدايات الثقافية
وحين سافرت إلى العراق في عام 1947 لمتابعة دراستي في مدارس بغداد، برعاية نسيبي الأديب والمفكر حسين مروة، تعرفت إلى مجلة «الكاتب المصري». وكان قد سبق لي أن بدأت أقرأ لطه حسين ما كان ينشر في بعض المجلات، ربما مجلة «الرسالة» ومجلة «الثقافة»، لم أعد أذكر بالتحديد. وقد شكلت علاقتي بتلك المجلة مصدراً أساسياً للارتقاء بثقافتي وبمعارفي. وكنت قد بدأت أتلمس طريقي إلى الفكر الاشتراكي. وأشهد أنني وجدت في مجلة «الكاتب المصري» ضالتي التي كنت أبحث عنها.
ولم يمض عامان على ذلك اللقاء بمجلة طه حسين حتى تعرفت إلى مجلة «الطريق»، التي كانت قد بدأت بالصدور في أواخر عام 1941. فكان لقائي بمجلة «الطريق» اليسارية الاتجاه، بعد أن كانت قد توقفت مجلة «الكاتب المصري»، استكمالاً طبيعياً لما كانت كل من مجلة «الهلال» في البدء ومجلة «الكاتب المصري» فيما بعد قد أحدثتاه في حياتي.
وإذ بلغت سن الرشد مبكراً، وتحولت إلى مناضل أممي، فقد حملت من ذلك الزاد الثقافي الراقي إلى المواقع التي انتقلت إليها في عملي السياسي والفكري، ما ساعدني على القيام بمهامي بإتقان كنت سأحتاج إلى زمن طويل للوصول إليه لو لم أكن قد تكونت فكرياً وسياسياً في المدرسة العظيمة لتلك المجلات الثقافية الرائدة.
على قاعدة هذه التجربة الشخصية، وانطلاقاً من الدروس التي قدمتها لي، أطرح اليوم للنقاش وللعمل مهمة استعادة ذلك الدور التنويري لمجلاتنا الثقافية، آخذاً في الاعتبار الشروط التاريخية الراهنة المختلفة عن الشروط التاريخية لتلك الحقبة التي يكاد يفصلنا عنها ما يقرب من ثلاثة أرباع القرن وأكثر.
كريم مروة

