تشهد موريتانيا منذ منتصف العام الماضي أزمة سياسية تمخضت عن انقلاب عسكري في السادس من أغسطس 2008، أطاح بالرئيس سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله بعد نحو 15 عشر شهرا من توليه السلطة اثر الانتخابات الرئاسية التي جرت في مارس 2007، وما زالت الأزمة وتداعياتها مثار جدل وخلاف داخلي وموضع شد وجذب على المستويين الإقليمي والدولي، وسط جهد حثيث من المجلس العسكري الحاكم للخروج من الأزمة عبر انتخابات رئاسية في السادس من يونيو المقبل، لكنها ما زالت تفتقر إلى الإجماع المحلي وتواجه تحفظات خارجية.
ومنذ اليوم الأول واجه الانقلاب معارضة قوية من أحزاب وقوى سياسية ونقابية، رفضت الاعتراف بالسلطة الجديدة مطالبة ب«عودة الشرعية» ممثلة بالرئيس ولد الشيخ عبد الله، وشكلت «الجبهة الوطنية للدفاع عن الديمقراطية» لتحقيق مطلبها، بينما أعلن حزب المعارضة الرئيسي «تفهمه» لدوافع «التغيير» ورفضه لعودة الرئيس السابق، في حين أيدت «حركة التصحيح» أغلبية البرلمانيين والمنتخبين المحليين والعديد من قياديي حزب «عادل» الداعم الأكبر للرئيس المطاح.
وبعد مرور ثمانية أشهر منذ 6 أغسطس، ما زالت «الجبهة» متماسكة ومتمسكة بمطلبها الرئيسي الداعي إلى «عودة الشرعية» ورئيسها، وإن بدا أنها تتجه، ولو على استحياء، لمراجعة مواقفها وخطابها السياسي والإعلامي، وسط تأييد شعبي واسع ومتزايد للحاكم العسكري الجديد الجنرال محمد ولد عبد العزيز، وللنهج الذي أظهره في التقرب من الأوساط الشعبية في الأحياء الفقيرة والمناطق المهمشة والنائية، ودعواته المتكررة ل«محاربة الفساد والمفسدين»، فضلا عن قطع العلاقات المشينة مع الإسرائيليين التي أقامها الرئيس الأسبق ولد الطايع عام 1999، وظل قطعها مطلبا شعبيا جامعا عجز السابقون أو تقاعسوا عن تلبيته.
فكيف بدأت الأزمة وتطورت؟ وما هي أطرافها السياسية الأساسية؟ وماذا عن آفاقها المستقبلية وفي أي اتجاه تسير؟
تنازع مبكر
حظي المرشح الرئاسي ولد الشيخ عبد الله بتأييد قوي من أعضاء بارزين في «المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية»، الذي تولى السلطة بعد إطاحة حكم الرئيس الأسبق معاوية ولد الطايع في الثالث من أغسطس 2005، وكان من ابرز الداعمين له العقيدان (الجنرالان فيما بعد) المحمدان ولد عبد العزيز وولد الغزواني، كما دعم هؤلاء العسكريون تشكيل مجموعات «المستقلين» الذين فازوا بالأغلبية في مجلسي النواب والشيوخ في الانتخابات التشريعية التي سبقت الرئاسات بثلاثة أشهر، وأصبحوا يشكلون الأغلبية الداعمة للرئيس الجديد بعد توليه في 19 ابريل 2007. وقد اقر الطرفان (الرئيس والعسكريون) فيما بعد بهذا التأييد وفي تصريحات علنية.
وبعد تشكيل الحكومة الأولى في العهد الجديد، بدأ التذمر داخل نواب الأغلبية الذين رأوا أنهم لم ينالوا حصة كافية في الحكومة، رغم علمهم بالاتفاق المبرم بين المرشحين الرئاسيين السابقين: رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة المعين الزين ولد زيدان، إلا أن هذا التذمر ظل تحت السيطرة، ظاهريا على الأقل، إلى أن تمت إقالة حكومة ولد زيدان في 6 مايو 2008، ولم تكد تكمل سنة تعرضت خلالها لانتقادات شديدة من أحزاب الأغلبية والمعارضة على السواء. كما شهدت البلاد هزات أمنية واقتصادية واحتجاجات غير مسبوقة على نقص السلع الغذائية والغلاء الفاحش. وتشكلت حكومة جديدة برئاسة يحيى ولد احمد الوقف رئيس حزب «العهد الوطني من أجل التنمية والديمقراطية» (عادل)، الذي تشكل في عهد الرئيس الجديد وتحت رعايته، واعتبر على نطاق واسع «حزب الدولة» وعودة إلى الماضي واستعادة لنظام «الحزب الواحد»، على غرار ما كان في حقب سابقة.
وجاءت التشكيلة الحكومية التي عرضها الوزير الأول المعين، لتزيد الشكوك والهواجس داخل «أغلبية الرئيس» البرلمانية وتمتد إلى أطراف سياسية أخرى وبين الأوساط الشعبية، والأهم من ذلك بين العسكريين، وخاصة الجنرالين النافذين ولد عبد العزيز قائد الحرس الرئاسي وولد الغزواني قائد أركان الجيش.
فقد ضمت التشكيلة الجديدة بعض رموز نظام الرئيس الأسبق ولد الطايع ممن يوصفون في الأوساط الشعبية ب«رموز الفساد»، وفي مناصب وزارية سيادية وحساسة. ونقل عن أحد الجنرالين قوله إن إعادة تعيين هؤلاء تشكل انتكاسة لمشروع التغيير الذي غامر قادة انقلاب الثالث أغسطس من أجله «وبالتالي فتعيينهم يشكل انقلابا غير مقبول على انقلاب الجيش السابق».
ولم يظهر الرئيس طيلة الأسبوع الأول أي جهد لحل الأزمة أو تجنب تفاقمها، قبل أن يكسر جدار الصمت في خطاب إلى الأمة، لكنه بدلا من التهدئة أو تقديم رؤية لعلاج الأزمة، ألقى مزيدا من الزيت على نارها المتوقدة، متوعدا بحل البرلمان إذا لم يتراجع النواب عن مشروع حجب الثقة عن الحكومة، التي ضمت أيضا وزراء من حزبين من أحزاب المعارضة، هما حزب «تواصل» الإسلامي المرخص حديثا و«اتحاد قوى التقدم» اليساري ذو الجذور الماركسية، حتى إن البعض وصفها ب«حكومة المتناقِضات» وبأنها «خليط هجين غير متجانس ولا متناسق»، ووصل البعض حد وصفها بـ «الكوكتيل المتفجّر»!
وعلى عكس ما أراده أو تصوره الرئيس، سارع النواب إلى إعلان المضي قدما من أجل حجب الثقة عن الحكومة، وبدأت وتيرة الأمور تتسارع وساد جو من التوتر، إلى أن جاءت خطوة استقالة الحكومة في 30 يونيو بعد نحو شهرين من تشكيلها «للحفاظ على وحدة الأغلبية التي تؤيد برنامجها»، كما قال أحد المسؤولين، وأعيد تكليف ولد الوقف بتشكيل حكومة جديدة، فتأجل الانفجار وبقيت أسبابه.
الضربة القاضية
ومع تصاعد الأزمة، أعلن 30 من أعضاء الحزب الحاكم انسحابهم منه، بينهم أمينه العام وبعض أعضاء المكتب التنفيذي، احتجاجاً على ضم الحكومة وزراء ومسؤولين سابقين متهمين بالفساد اعتبروا تعيينهم «انتكاسة للتغيير الذي يطمح إليه الشعب الموريتاني». وأوقف نواب في الحزب أنشطتهم داخل الغالبية البرلمانية، سعيا لإسقاط الحكومة التي اعتبروها «عودة صارخة إلى الوراء بكل مساوئه». وفي 4 أغسطس انسحب 48 عضواً في البرلمان من عضوية الحزب الحاكم، من بين 50 نائبا في البرلمان البالغ عدد أعضائه 95.
وانتقد زعيم المعارضة رئيس حزب «تكتل القوى الديمقراطية» أحمد ولد دادّاه ما وصفه بـ «عجز الرئيس عن حل المشاكل»، وقال إن «نظام الإدارة وممارسات السلطة الحالية تعيدنا إلى نقطة البداية التي سبقت انقلاب أغسطس 2005».
لكن الضربة القاضية لحكم الرئيس ولد الشيخ عبد الله، جاءت بعد أن بثت الإذاعة الموريتانية صبيحة 6 أغسطس 2008 نبأ إقالة القادة الرئيسيين للمؤسسات العسكرية والأمنية (قائد الحرس الجمهوري، قائد أركان الجيش، قائد الحرس الوطني ومدير الأمن الوطني).
فبعد أقل من ساعة من إعلان النبأ، استولت القوات المسلحة وقوات الأمن على السلطة، واعتقل الرئيس وأربعة من كبار معاونيه بينهم رئيس الوزراء المعين، وأعلن عن قيادة جديدة باسم «المجلس الأعلى للدولة» برئاسة الجنرال محمد ولد عبد العزيز قائد الحرس الجمهوري. ودخلت الأزمة منعطفا جديدا بعد رفض دولي واسع للانقلاب، بينما تعامل معه بعض دول الجوار، خاصة المغرب والسنغال.
أطراف الأزمة
تتشكل الأطراف المتنازعة أساسا من «المجلس الأعلى للدولة» ومناصريه، ومن «الجبهة الوطنية للدفاع عن الديمقراطية» التي تشكلت عقب الانقلاب من حزبي «اتحاد قوى التقدم» و«تواصل» وحزب «التحالف الشعبي» برئاسة مسعود ولد بو الخير رئيس الجمعية الوطنية، إضافة إلى بعض قياديي حزب «عادل» وخاصة ممن يوصفون بأنهم من «رموز العهد الطائعي».
أما الطرف الثالث فيمثله حزب «تكتل القوى الديمقراطية» (التكتل) برئاسة احمد ولد داداه، الممثل في البرلمان ب17 مقعدا، لكن موقف هذا الحزب شابه الكثير من الضبابية، حيث بادر إلى تأييد «الحركة التصحيحية» وعارض بقوة عودة الرئيس ولد الشيخ عبد الله، لكنه عاد ليعارض أيضا مقررات «المنتديات الديمقراطية» التي دعت إليها الحكومة وشارك فيها أكثر من 1500 من مختلف المكونات السياسية والاجتماعية والمدنية والنقابية الموريتانية على مدى أسبوع كامل (27/12/2008 ـ 200913)، وأقرت من بين أمور أخرى إجراء انتخابات رئاسية خلال خمسة أشهر، وعلى هذا الأساس تم تحديد السادس من يونيو المقبل موعدا لانتخابات رئاسية جديدة، كما عارض «التكتل» ترشح أي من العسكريين لهذه الانتخابات.
وخلال الأشهر الماضية ظهرت عدة مبادرات محلية لحل الأزمة، لكنها قوبلت بالرفض أو اللا مبالاة. كما شهدت الساحة الموريتانية وساطات خارجية، كان أبرزها وساطة الزعيم الليبي معمر القذافي الرئيس الدوري للاتحاد الإفريقي، وبتكليف من مجموعة الاتصال الدولية بشأن موريتانيا التي تضم الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي والمنظمة الدولية للفرانكفونية وتجمع دول الساحل والصحراء إضافة إلى الاتحاد الإفريقي. وزار القذافي موريتانيا في إطار هذه الوساطة وكاد يتوصل إلى إطار للحوار بين الأطراف المتنازعة، إلا أن تصريحا أدلى به قبيل انتهاء الزيارة التي استمرت ثلاثة أيام، اعتبرته الجبهة المناوئة «انحيازا للعسكريين وأجندتهم الأحادية» المتمثلة في انتخابات يونيو، وأعلنت «الجبهة» انتهاء الوساطة وفشلها، كما رفضت وساطة جديدة عرضها بعد ذلك الرئيس السنغالي عبد الله واد.
ماذا بعد؟
لعل هذا هو السؤال الذي ما زال يلح على أذهان الكثيرين خارج موريتانيا، كما كان السؤال الأبرز بين الموريتانيين أنفسهم في الفترة الأولى بعد الانقلاب. فقد أثارت ردود الفعل الدولية الأولية والتهديد بعقوبات قلق ومخاوف كثير من الموريتانيين، خاصة الموقف الأكثر تشددا من الاتحاد الإفريقي الذي علق عضوية موريتانيا، وموقف الاتحاد الأوروبي الذي أدان الانقلاب وأمهل زعماءه حتى 20 نوفمبر 2008 لإعادة الوضع إلى ما كان عليه، كما نددت واشنطن ودعت «لعودة الحكومة الشرعية الدستورية المنتخبة ديمقراطيا على الفور».
غير أن موقف فرنسا، المستعمر السابق و«المفوض الغربي» في الشأن الموريتاني، ظل ملتبسا ومتذبذبا بين الرفض العلني والقبول الضمني. ففي أول رد فعل رسمي صرح وزير الخارجية برنارد كوشنير بأن «فرنسا شديدة الاهتمام باستقرار موريتانيا، ومن المبكر لباريس أن تتحدث عن الوضع السائد..»، لكنها عادت بعد هذا التصريح فجمدت مساعداتها التنموية لموريتانيا.
وظل الموقف الفرنسي على هذا «الغموض المتعمد»، إلى أن أطلق الرئيس ساركوزي في 28 مارس الماضي تصريحا قال فيه إن «الانقلابات في إفريقيا لا يمكن التعامل معها بصورة واحدة، بل تدرس كل حالة على حدة»، مستغربا «عدم خروج أي مظاهرة في موريتانيا منددة بالانقلاب العسكري، أو وجود أي نائب في البرلمان يرفض الحركة التي قادها الجيش».
وقد أثار هذا التصريح وعلى هذا المستوى، امتعاض المناوئين للانقلاب الذين انتقدوا التصريح وطالبوا فرنسا بتوضيح موقفها. وتزامن تصريح ساركوزي مع مشاركة الجنرال ولد عبد العزيز على رأس الوفد الموريتاني في القمة العربية المنعقدة في الدوحة يوم 30 مارس، وفي القمة العربية اللاتينية التي أعقبتها، وهو ما اعتبره البعض قبولا عربيا ضمنيا بالواقع الجديد في موريتانيا.
أما على المستوى الداخلي، فإن استمرار تماسك «الجبهة» المناوئة يبدو الآن محل شك، رغم التقارب الذي حدث مؤخرا بينها وبين حزب التكتل «نصف المعارض». فالجبهة تواجه عدة تحديات، لعل من أبرزها:
1 ـ تزايد القبول الدولي، وخاصة الفرنسي، بالواقع القائم، والفتور الذي بدأ يشوب مواقف بعض الأطراف التي أظهرت تشددا من قبل، خاصة وأن الجبهة اعتمدت إلى حد كبير في جهودها وتحركها لإفشال الانقلاب، على مواقف «المجتمع الدولي» والمنظمات الإقليمية.
2 ـ انسحاب بعض الشخصيات من الجبهة، وحدوث بعض التباين تجاه وساطة القذافي وتصريحاته، خاصة داخل حزب «التحالف الشعبي» الذي يضم جناحا من «الناصريين» المحسوبين تقليديا على ليبيا.
3 ـ تناقض المنطلقات الأيديولوجية بين مكونات المعارضة واختلاف مصالحها على المدى البعيد.
4 ـ تصلب مواقف مختلف الأطراف، وتمسك كل منها بمطالبه الحدّية ورؤيته الخاصة للأزمة وسبل حلها.
5 ـ التأييد الشعبي الواسع للجنرال ولد عبد العزيز والنهج الذي اتبعه حتى الآن، سواء على المستوى الداخلي أو في ما يخص العلاقة مع الإسرائيليين، وإصراره على إجراء الانتخابات الرئاسية وإعلانه الترشح لخوضها.
لكل ما تقدم، ولاعتبارات أخرى داخلية وإقليمية ودولية أيضا، يبدو السيناريو الأقرب للاحتمال والواقعية، أن تجرى الانتخابات في موعدها المقرر (6/6/2009) ويفوز فيها الجنرال ولد عبد العزيز، لعدم وجود منافس حقيقي حتى الآن على الأقل، مع حدوث اصطفافات وتصفيات تعيد خلط الساحة السياسية الموريتانية، قد يكون الأكثر تضررا منها حزبا «التكتل» و«التحالف الشعبي»، وربما حزب «تواصل»، ما لم تحدث تطورات ومفاجآت تعيد الوضع كله إلى نقطة الصفر.. وربما إلى ما دون ذلك.
عبدالله إسحاق
