عوكر.. ربما تكون أكثر مناطق العاصمة اللبنانية بيروت حصانة أمنية. ولكن رغم مناعتها وقوة تحصيناتها، إلا أن شبح وقوع عملية تفجيرية ظل يطاردها طويلا... فهذه المنطقة التي تقع في بيروت الشرقية هي موقع السفارة الأميركية. ولم يكن هذا المكان هو أول مسكن للسفارة. فعوكر هي آخر محل إقامة لها حتى الآن. انتقلت السفارة إليه في أعقاب يوم دام يوصف بأنه كان بداية أيام سوداء عاشها الأميركيون في لبنان خلال عقد الثمانينات من القرن الماضي.
هذا اليوم، هو الثامن عشر من أبريل عام 1983. يوم سيء بالفعل للإدارة الأميركية وحزين ومفجع للشعب الأميركي الذي كثيرا ما يدفع ثمن سياسات حكامه التي تتعارض في بعض الأحيان مع اتجاهات المجتمع الدولي.
في ذلك اليوم تعرضت السفارة الأميركية لعملية انتحارية مثيرة. إذ انفجرت شاحنة محملة بالمتفجرات في مدخل السفارة وأدت إلى تدمير معظم المبنى، وقتل 63 شخصاً من بينهم 17 أميركيا، كما أصيب 112 شخصاً، منهم 40 أميركياً. وقيل ان الانفجار وقع خلال اجتماع إقليمي بالسفارة بمشاركة مسؤولين من الاستخبارات الأميركية (سي آي ايه) ولذلك فقد كان بين القتلى الأميركيين ثمانية من عناصر آل «سي آي ايه». وكانت السيارة المفخخة التي دمرت المبنى محملة بحوالي 180 كيلو جراما من المتفجرات. وطبقا لتقارير الاستخبارات الأميركية، تمت سرقتها قبل عام واحد من السفارة وكانت تحمل شارة السفارة واستطاع سائقها لهذا السبب من الدخول بسهولة إلى مرآب المبنى.
وقتها، ألقيت مسؤولية هذا العمل على جماعة لم تكن معروفة وكانت تسمي نفسها »الجهاد الإسلامي«. واتجهت أصابع الاتهام إلى أهم القادة العسكريين لحزب الله عماد فايز مغنية الذي قتل في فبراير الماضي في عملية تفجيرية في دمشق، ذلك المقاتل الذي تصدر قائمة المطلوبين للولايات المتحدة وكانت واشنطن حددت مكافأة قدرها 5 ملايين دولار لمن يساعد في القبض عليه.
هذا الحادث التفجيري الذي أثار الذعر في الأوساط السياسية الأميركية، ترجمه المحللون والمراقبون على أنه من نتاج المواقف الأميركية التي اتخذتها واشنطن في ذلك الوقت تجاه الأحداث المفجعة التي عاشها لبنان والتي بدأت فصولها الدامية مع الغزو والاجتياح الإسرائيلي للأراضي اللبنانية في بدايات صيف 1982، والذي التزمت واشنطن تجاهه الصمت، بل ويرى البعض أنه تم بمباركة أميركية، قدمها للإسرائيليين وزير الخارجية الأميركي في ذلك الوقت الكسندر هيج.
وهناك شبه إجماع أيضاً بين المراقبين على أن حادث تفجير السفارة، جاء كرد فعل على مجزرة صبرا وشاتيلا التي تعرض لها اللاجئون الفلسطينيون في سبتمبر 1982، أي بعد ثلاثة شهور من الاجتياح الإسرائيلي لبيروت. بعد حادثة التفجير تم نقل البعثة الدبلوماسية الأميركية إلى منطقة عوكر، ولكن لم تنج السفارة في الموقع الجديد من الأذى، فقد تعرضت في 20 سبتمبر 1984 لهجوم انتحاري آخر أسفر عن سقوط 11 قتيلاً و58 جريحًا، ولم تسلم بعدها منطقة عوكر من التهديدات. مما اضطر الأميركيون إلى إغلاق السفارة في سبتمبر في 1989، وتمّ ترحيل الموظفين الأميركيين، بسبب التهديدات الأمنية. ثم أعادت السفارة فتح أبوابها، في نوفمبر 1990.
وخلال العقد المنصرم ـ كما تشير مصادر السفارة عبر الانترنت- شهدت السفارة عملية العودة التدريجية إلى معاودة أنشطتها الاعتيادية. وتسارعت تلك العملية عام 1997، عندما ألغى وزير الخارجية الأميركي الحظر على استعمال جوازات السفر الأميركية للسفر إلى لبنان. وفي نفس العام، عيّنت الوكالة الأميركية للتنمية الدولية مديرًا أميركيًّا لها في لبنان. وفي عام 1999، تمّ تعيين مستشار للشؤون العامّة في لبنان بعد غياب دام 14 سنة ؛ وكذلك مستشار للشؤون الاقتصادية والتجارية. أما القسم القنصلي، فقد قام بتوسيع خدماته تدريجيًّا، لتشمل المواطنين الأميركيين وطالبي تأشيرات السفر اللبنانيين.
ورغم كل تلك التوسعات»الدبلوماسية«، يخيم على السفارة في عوكر شبح التفجيرات والعمليات الانتحارية. ففي الآونة الأخيرة، قيدت السفارة تحركات موظفيها وطالبت رعاياها في لبنان توخي الحيطة والحذر وتفادي أماكن التجمعات العامة. وذلك في أعقاب مصرع ثلاثة أشخاص وإصابة 21 آخرين، إثر انفجار قنبلة في طريق إحدى مركبات السفارة شمالي بيروت في مارس العام الماضي.
وقد تردد في الآونة الأخيرة أن السفارة الأميركية، قررت إقامة خط جوي بين الخارج والسفارة في عوكر عبر طائرات هليكوبتر، تحت ذريعة تأمين الحاجيات واللوازم. وخلال العدوان الإسرائيلي الإجرامي على غزة في يناير الماضي، شهدت السفارة تظاهرات طالبت بطرد السفيرة الأميركية ميشال سيسون من لبنان احتجاجا على العدوان. وحاولت عناصر من القوى الأمنية منع المتظاهرين من اجتياز الشريط الشائك الموضوع أمام السفارة، فرد المتظاهرون برشق العناصر الأمنية بالحجارة، مما دفع القوى الأمنية إلى استعمال خراطيم المياه والقنابل المسيلة للدموع لتفريق المتظاهرين. ورغم ما قد يواجه الأميركيون وسفارتهم في بيروت من متاعب أمنية، إلا أن البيت الأبيض يتمسك بمواقفه غير المتوازنة تجاه لبنان، وينظر إليها العديد من اللبنانيين على أنها تدس أنفها في شؤون وطن الأرز
حسن صابر
