من بين المحاور بالغة الأهمية التي تفرض نفسها بشأن الحديث عن مستقبل السلام على صعيد الصراع العربي الإسرائيلي في ظل حكومة نتانياهو ذلك المتعلق بطبيعة العلاقات بين مصر وإسرائيل في ظل هذه الحكومة، وهي الأهمية التي تنبع من الدور الذي تلعبه مصر على صعيد مساعي الدفع قدما بالمفاوضات على أمل الوصول إلى حل نهائي بشأن مختلف القضايا التي تشكل جوهر الصراع، بغض النظر عن التباين بشأن تقييم هذا الدور.
من التصورات الأولية التي تطرح في هذا الصدد أن هذه العلاقات ستشهد مرحلة من التوتر والشد والجذب على خلفية عدد من الأبعاد يأتي على رأسها تعيين أفيغدور ليبرمان وزيرا للخارجية الإسرائيلية والذي تبدي القاهرة استياء من مواقفه في ضوء فجاجتها والنيل منها بشكل أقرب إلى الوقاحة. ومن الأمثلة البارزة على ذلك التصريحات السابقة الشهيرة لليبرمان بضرب السد العالي، وتلك المتعلقة بحديثه غير اللائق بشأن الرئيس مبارك بسبب عدم قيامه بزيارة إسرائيل.
البعد الثاني يتمثل فيما هو معروف عن نتانياهو من التشدد في مواقفه بشأن طبيعة السلام الذي يجب التوصل إليه سواء مع الفلسطينيين أو سوريا، وهى مواقف لا تحقق في منظور القاهرة المطالب العربية التي تقوم على أساس انسحاب إسرائيل من كافة الأراضي المحتلة في مقابل التطبيع معها.
والسؤال: هل يتواصل موقف القاهرة الذي أبدته تجاه حكومة نتانياهو التي شكلها منذ أكثر من عقد خلال عام 1996 على نحو يصل بالعلاقات بين الدولتين إلى مزيد من التأزم؟ أم أن مصر ستحاول أن تمنح نتانياهو الفرصة باعتبار ما أدلي به هو نفسه من تصريحات خلال حملته الانتخابية بأنه قد تغير والكثير من مفاهيمه نحو مزيد من الاعتدال؟
تكشف المواقف الأولية لنتانياهو ورفيق دربه ليبرمان عدم صحة وجود تغييرات في مواقفه على نحو يشير إلى أن مسارات التفاوض معه خلال فترة حكومته ستدخل مرحلة صعبة. فلقد دشن نتانياهو حكمه بالإعلان عن مجموعة من المواقف تتراجع بالآمال في إمكان تحقيق تقدم خلال حكمه ويأتي على رأسها تجاهله لحل الدولتين والذي يمثل الأساس الذي من المفترض ان المفاوضات مع الفلسطينيين تدور حوله. وفي الإطار ذاته عزز ليبرمان هذه التوجهات المتطرفة بالإعلان عن أن بلاده غير ملزمة بأي اتفاق ما عدا خريطة الطريق والتأكيد في الوقت ذاته على رفض اتفاق أنابوليس.
على صعيد محاولة رصد موقف القاهرة، نشير إلى أن موقف ليبرمان الأخير المشار إليه لقي انتقادا كبيرا من مصر فيما أشار إلى أول تصادم دبلوماسي مع رؤى حكومة نتانياهو حيث وصفته الخارجية المصرية بأنه يشكل أول انتكاسة لجهود السلام في ظل الحكومة الجديدة.
غير أن إشارات أخرى تصدر من مصر تشير إلى رغبتها في فتح صفحة جديدة مع نتانياهو على نحو لا يعكر صفو «السلام البارد» بين البلدين وبما يحافظ على دورها كوسيط نزيه ـ بغض النظر عن التحفظات التي ترد على تبني القاهرة لمثل هذا الدور ـ في العمليات التفاوضية بين إسرائيل والفلسطينيين أساسا. ومن ذلك مبادرة الرئيس مبارك إلى تهنئة نتانياهو وهى لافتة قد لا تتجاوز اللياقة الدبلوماسية، وإن كان قد تم تطوير هذه اللافتة إلى توجيه دعوة رسمية لنتانياهو لزيارة مصر.
من ناحية ثانية فإن تصادف الأزمة التي تصاعدت وتيرتها بين مصر وحزب الله على خلفية إعلان القاهرة اعتقال خلية للحزب استهدفت تزويد المقاومة الفلسطينية بالسلاح والقيام بأعمال تخريبية ضد الأفواج الإسرائيلية في سيناء، يمثل مكاسب غير مباشرة لنتانياهو من المؤكد ان القاهرة لم تكن تقصد تحققها، بغض النظر هنا عن حق مصر في الحفاظ على أمنها القومي وضبط الأوضاع على أراضيها.
يجعلنا ما سبق نشير إلى أن علاقات مصر مع إسرائيل في ظل حكومة نتانياهو تبقى على المحك وأنه قد يكون من الصعب تحديد مسار محدد يمكن لها أن تسير فيه، وإن كنا نؤكد أن مبدأ «التوتر المحكوم» هو الذي سيحكم علاقاتها مع تل أبيب بشكل أكبر مما كان عليه الوضع مع الحكومات الإسرائيلية السابقة للعديد من الأسباب:
1- المواقف المتشددة التي ستلتزمها حكومة نتانياهو من ناحية.
2- رغبة القاهرة عدم الوصول بالأوضاع مع تل أبيب إلى مرحلة الأزمة على خلفية ما تراه مصالحها الخاصة والمصالح العربية القومية.
3- حرص أي حكومة إسرائيلية على التهدئة مع مصر إيمانا بمحورية دورها وحرصا على عدم فتح جبهات توتر هي في غنى عنها في المرحلة الحالية.
