قمة الذكرى الستين لتأسيس «الناتو»، كشفت عن حلف مرتبك. من جهة هو مشدود لتوسيع رقعته. ومن جهة أخرى، حذر في توسيع دوره. منذ نهاية الحرب الباردة وزوال الخصم الذي قام أصلاً للوقوف بوجهه؛ وهو يبحث عن هوية واستراتيجية ووظيفة؛ فقدها كلها مع الغياب السوفييتي. خلال الفترة الانتقالية، خاصة في عهد بوش الابن، انشغل الحلف بالتمدّد الاستفزازي. وصل إلى تخوم روسيا. بعد 11/9 بدأ يطلع إلى خارج المسرح الأوروبي. أول محطة كانت في أفغانستان.

وبذلك دخل في طور الانتفاخ، بالحجم وبالوظيفة. وهنا يكمن خطر مزدوج. فمثل هذه الحال محكومة بأن تنتهي إما إلى افتعال حروب ومواجهات؛ وإما أن تؤدي إلى إطلاق سباق تسلّح جديد وبالتالي حرب باردة أخرى، مع كل ما يرافق ذلك من عودة إلى المحاور والتكتلات واحتدام النزاعات الإقليمية والدولية.

«حلف الأطلسي»، اليوم هو غير الذي قام عام 1949؛ تحت شعار الحفاظ على السلم والأمن في أوروبا. من اقتصاره على أوروبا الغربية وواشنطن، في البداية؛ إلى ناد يضم 28 دولة، تشمل معظم دول حلف وارسو السابق. هذا التوسّع، المجافي للمنطق والمنافي للمسوغات الأساسية التي نهض عليها الحلف؛ كانت وراءه مدرسة حقبة الحرب الباردة، في واشنطن.

خاصة رموزها من المحافظين. كان شعارها، أن الولايات المتحدة كسبت الحرب وبالتالي عليها أن تقوم بكل ما يلزم لضمان حصر الدب الروسي في بلاد الصقيع؛ من خلال عدم تمكينه بعد اليوم من استعادة قوته، لئلا يتمكّن من التغلغل ثانية في القارة الأوروبية. المضمر في هذا التعليل، أنه لا بدّ من تقزيم حجم روسيا وردها إلى مستوى دولة عالمثالثية. قدراتها العسكرية الضاربة، حاولت واشنطن تعطيلها بشبكة الدرع الصاروخية الواقية؛ التي برّرتها بوجود خطر صاروخي إيراني مزعوم يهدّد أوروبا.

ومن هنا عملت واشنطن، أيام بوش، على دفع وتحريض دول أوروبا الشرقية، من أجل الانتساب للحلف. تكاد كامل الحدود الروسية مع القارة، تصبح مطوّقة بالحلف. التأزم ضرب أطنابه. وكان اجتياح جورجيا، رد موسكو غير المباشر على الاقتحام الأطلسي. أجواء الحرب الباردة، عادت تلوح من جديد. لكن مع مجيء أوباما، انخفض منسوب التوتر. خطاب الإدارة الجديدة، بانفتاحه وإشاراته المغايرة لخط بوش، لاقى الترحيب.

على هذه الخلفية، عقد «الناتو» قمته الستين. قبل أسابيع كانت فرنسا ساركوزي، قد تراجعت عن القرار الديغولي، واستعادت مقعدها في قيادة الحلف. أبرز ما دارت حوله النقاشات كان موضوع أفغانستان ومطالبة واشنطن لشركائها بالمساهمة في خطة أوباما الجديدة هناك.

الحلف ومفهوم استراتيجيته الجديدة وكذلك علاقته مع موسكو وزيادة توسيعه؛ كلها بقيت ضبابية ومفتوحة. الأوروبيون ما كانوا متحمسين لدور أكبر في أفغانستان. اعتمدوا صيغة وسط، رمزية أكثر مما هي قتالية وازنة.

وكان «الناتو» قد ارتضى القيام بمهمة حراسة شواطئ غزة لصالح إسرائيل. يبدو وكأنه أخذ يتحول إلى شرطي، إلى جانب، أو بالنيابة عن، واشنطن. هذه الأخيرة تجرّه إلى التضخم كما إلى خارج مداره؛ مع أن هذا المدار فقد حيثيته. لم يعد في أوروبا عدو يبرر «الناتو». فقد هذا مسوّغه. وعلامات الارتباك التي رافقت قمته، دليل على ذلك. مكانه الصحيح، صار في إحالته على التقاعد. يلزمه قرار من الطراز الديغولي، على أعمق وأوسع. مواصلة نفخه، وصفة لحروب ساخنة أو باردة.