لماذا لا يجرب المتضررون من الأزمة الاقتصادية، سواء كانوا دولا أو شركات أو أفرادا، مقاضاة الولايات المتحدة الأميركية لمسؤوليتها المباشرة عن الأزمة الاقتصادية التي تجتاح العالم منذ أشهر؟ فهي بدأت من أسواقها ومنها انتقلت إلى دول العالم كافة.
إن الشواهد التي تكشفت أشارت إلى أن مؤسسات وأجهزة الدولة الأميركية كانت على علم ببدايات الأزمة قبل أشهر عديدة من الإعلان الرسمي عنها، ذلك الإعلان الذي تم مع سقوط بنك (ليمان براذرز) في منتصف سبتمبر الماضي.
وهو ما يعني أن الولايات المتحدة تكتمت على الأزمة رغم حدوثها بأسواقها، ولهذا أخذ العالم على غرة، فكانت الخسائر مروعة. وليس من المستبعد أنها استهدفت من تكتمها عدم تمكين الدول الأخرى من التحوط لإنقاذ نفسها، كي لا تسقط وحدها، وإنما لتأخذ الجميع معها، وهذا ما حدث.
وعلى الرغم من مسؤوليتها عن الأزمة كما أقر بذلك الرئيس باراك اوباما، فان الحلول التي وضعتها الولايات المتحدة استهدفت بالدرجة الأولى إنقاذ الأسواق الأميركية، من دون أن تضمن تعويض المتضررين من خارجها، حتى ان الحلول التي تم إقرارها في مؤتمر قمة العشرين لن تعوض أكثر المتضررين من الدول والأفراد والشركات مباشرة عن خسائرهم.
لقد أنفقت الولايات المتحدة حتى الآن نحو1.7 تريليون دولار، منها نحو835 مليار دولار في خطة الإنقاذ الأولى قبل رحيل الرئيس جورج دبليو بوش عن الحكم، ونحو 878 مليارا في خطة الإنقاذ الثانية التي يطبقها حاليا الرئيس باراك أوباما. ومن المقرر إنفاق نحو تريليون دولار أخرى لشراء الأصول السامة بالشركات الأميركية. في حين أن إجمالي الخسائر العالمية من الأزمة تقدر بنحو خمسين تريليون دولار حسب تقديرات بنك التنمية الآسيوي، والرقم قابل للارتفاع.
لقد تحمل العالم العربي وحده حتى الآن من هذه الكارثة العالمية نحو 350 مليار دولار خسائر مباشرة. ويقدر الدكتور أحمد جويلي الأمين العام لمجلس الوحدة الاقتصادية الخسائر العربية المتوقعة من الأزمة خلال الفترة المقبلة بنحو تريليوني دولار.
وإذا ما تحدثنا عن الخسائر الفردية المباشرة لرجال الأعمال العرب ممن يشتبكون مع الأسواق العالمية فان خسائرهم قدرت بنحو عشرين بالمئة من إجمالي ثرواتهم المستثمرة في الخارج، بل ان جريدة الشروق الجديد المصرية كشفت، في 13 مارس الماضي، ان خسائر أسرة ساويرس المصرية وحدها قدرت بنحو 28 مليار دولار من إجمالي 35 مليارا كانت تملكها. ويمكن القياس على ذلك أيضا لكثير من رجال الأعمال الآخرين.
وهكذا فان الأزمة كانت مدمرة، بل ان أحد المفكرين الاقتصاديين الغربيين وصف عنفها وتأثيراتها بقوله (لن تفلت منها قرية على وجه الأرض)، وهذا ما يحدث الآن بالفعل.
كل هذه الأسباب قد تعزز البحث عن طريقة لمقاضاة الولايات المتحدة الأميركية للحصول منها على تعويضات مالية عن الخسائر الناجمة عن الأزمة، ويمكن تحقيق ذلك بطرق أبواب المحاكم الدولية ومنظمة التجارة العالمية أو غرف التحكيم القانونية الدولية أو المحاكم الوطنية في كل دولة، صحيح أنه لا توجد سوابق دولية في هذا الميدان، ولكن لا بأس للمتضررين من دراسة وتجربة هذا الطريق، لعل وعسى يحصلون على جزء من حقوقهم التي ابتلعتها ماكينة الخسائر الأميركية.
