ربما لم يكن يتصور أن ينتهي به وضعه إلى تلك الحالة التي تنال في نظر كثيرين من صاحبها، حتى لو على المستوى المعنوي، فتاريخه السياسي والعسكري كان يفترض أن يضعه في مرتبة تستحق ما قدمه، إنه الرئيس السوداني عمر البشير الذي وجد نفسه بين عشية وضحاها مطلوباً أمام أكبر منصة قضائية دولية هي المحكمة الجنائية، في سابقة هي الأولى من نوعها بشأن حاكم على رأس منصبه.
ولأن الحدث جلل، ودلالاته ذات تأثير كبير وخطير على مستقبله فقد حاول الرئيس البشير البالغ من العمر 65 عاماً وينحدر من إحدى أكبر القبائل في شمال السودان استقباله برباطة جأش وتمريره باعتباره حدث عادي، غير أنه يبدو أن التوفيق خانه..
لقد راح البشير يتابع الإعلان عن مذكرة توقيفه عبر التليفزيون، اتجه بعدها بكل هدوء وأريحية لصلاة العصر ثم ارتدي زيه العسكري لحضور حفل تخريج ضباط طيارين، غير أن كل ذلك لم يفلح على ما يبدو في احتواء الموقف، أو حتى التواري بالقضية إلى مرتبة ثانوية في الاهتمام الإعلامي العالمي.
قد تكون مؤامرة على السودان، كما يؤكد الكثيرون ممن يرفضون مذكرة الاعتقال وموقف المحكمة ككل المشكوك في ولايتها، تصادف أن استحكمت حلقاتها في ظل توليه الرئاسة، غير أن القدر يبدو أنه أراد أن يضيف إليه صفة جديدة ، فهو الرئيس الأطول حكما في تاريخ السودان، والرئيس الذي شهد حكمه المعارك الأكثر شراسة في صراع الجنوب والشمال وهو الصراع الأطول في القارة الإفريقية، ضد الجيش الشعبي لتحرير السودان، والرئيس الأول المطلوب أمام محكمة دولية خلال ممارسة مهام منصبه.
بالنسبة لرجل حياته حافلة بالأحداث والتطورات، قد لا يكون صدى قرار المحكمة الجنائية الدولية عليه، كما هو صداه بالنسبة لشخص غيره لم يخض غمار الأخطار والحوادث، فالبشير الذي قاد انقلابا ضد الصادق المهدي في يونيو 1989 كان يعلم أن حياته قد تكون ثمن فشله، والبشير الذي عاش القسط الأكبر من حياته بين ثكنات الجيش حيث التحق بصفوفه في سن مبكرة قد لا يبالي بما يترتب على القرار من أخطار تتضاءل أمام ما واجهه خلال حياة عسكري، غير أن مشكلة القرار أنه يمس بمكانته كرئيس وزعيم كان يسعى لتحقيق دور يضاف إلى رصيده في تحقيق الوحدة والرخاء لبلاده.
وبعيدا عن القضية محور الحكم، دارفور، والتي يصعب الوصول إلى قول فصل بشأنها، في ضوء اختلاط المعلومات وزيف الكثير من المعلومات التي تقدمها مؤسسات منحازة ضد السودان، فإن الجميع يتفق على أن «سودان البشير» يواجه مأزقاً لا سابق لدولة أن عاشته، فإما أن تسلم رأس الحكم فيها وهو أمر تأباه وترفضه مختلف فصائل الشعب السوداني سواء تأييدا لرئيسها أو رفضا لما تراه غطرسة قوى دولية، وإما المواجهة المحفوفة بالمخاطر.
تنعكس حقيقة هذه الرؤية في التعامل «البشيري» مع قرار المحكمة والذي رغم محاولة التزامه الهدوء، إلا أنه خرج عن هدوئه، فقيام الرئيس بخمس زيارات خارجية خلال أقل من شهر من قرار المحكمة قد يراه البعض يعبر عن ثقة بالنفس، إلا أنه يمكن قراءة الوجه الآخر له باعتباره يعبر عن توتر في مواجهة الموقف.
وإذا كان البشير ذو الميول الإسلامية قد صادف ما يعتبره غدر أقرب المقربين إليه ممثلا في رفيق رحلة الانقلاب حسن الترابي، فإنه يبدو يواجه غدرا ثانيا من رفقاء آخرين لم يقدموا المساندة الكافية التي كان يأملها في مواجهة مذكرة الاعتقال.
السؤال الذي من المؤكد انه يقض مضجع الرئيس البشير ومعه كل الحق هو : ما العمل؟. لقد فعلوها مع صدام وقد يفعلونها معي، كحلقة ثانية في سلسلة تمهد لثالث تعد له العدة قريبا.
وإذا كان التسليم مرفوضاً والاعتقال القسري خلال رحلة جوية مهينا، فلا بد من طريق ثالث، وتلك هي المعضلة التي لا بد ألا ينام السودانيون كافة وليس البشير وحده قبل ان يجدوا الحل المناسب لها.
مصطفى عبدالرازق
