قد يفاجئك صوت عامل البناء سعيد وهو يدندن بأغانيه الهابطة التي لا معنى لها أثناء جلوسه اليومي هو ورفاقه على أحد أكتف الأرصفة التابعة لشارع أيدون في محافظة أربد. ولكن عليك أن تكون أكثر تفهما لرجل يشدو بصوت لا علاقة له بالغناء في شارع عام. هذا الشارع الذي يكاد يئن من طول جلوس سعيد وزملائه العمال الـ 18 عليه نتيجة معاناتهم من البطالة على مدار 8 أشهر، قياسا مع آخر تاريخ اشتغلوا فيه «كعمال البناء»، أو على حد وصف سعيد: «لما كنا عمال بناء».
يقول: «هذا الغناء بدل البكاء» سعيد يبلغ من العمر 46 عاما، أما رفاقه فيتراوحون بين 18 إلى 45 تقريبا. وجميعهم من جنسية دولة عربية عرفت تاريخيا في الأردن بتخصص أبنائها في العمل في الإنشاءات. اليوم لا معدات ولا جرافات ولا رافعات طوب - يقول سعيد. وقد صدق فباستثناء بعض الغبار العالق على ملابسهم وآثار حروق الشمس التي طالت جلودهم أيام ممارستهم لمهنة البناء، لا يوجد اليوم ما يشي بأنه ورفاقه عمال بناء.
يقول نقيب المقاولين الأردنيين ضرار صرايرة: «إن هناك تراجعا حادا في أعمال قطاع الإنشاءات العمرانية في المملكة تعدت نسبته الـ 40 في المئة، مما أدى إلى زيادة نسبة البطالة العاملة في قطاع البناء إلى أكثر من 50% في القطاعات الخاصة».
التراجع ما زال مستمراً
وأضاف الصرايرة أن تراجع الحركة العمرانية الذي بدأ في العام 2008م وما زال مستمرا هو «الأول من نوعه وشدته» الذي تشهده في المملكة، مشيرا إلى أن السبب ـ يدركه الجميع ـ فهو الارتفاع السابق في أسعار النفط ثم تداعيات الأزمة المالية العالمية التي أثرت سلبا على الاقتصاد الأردني ومنها تأثيرها على أسعار مواد البناء المرتبطة بالأسعار العالمية، ثم تذبذبها.
يتذكر سعيد فترة ما قبل هذه المرحلة، ويشير إلى المبنى ـ قيد الإنشاء ـ الذي يجلس على الرصيف خلفه وهو يقول: «كنا نعمل هنا قبل أشهر قبل أن يطلب منا صاحب المبنى أن نتوقف عن العمل».
يقول مالك متجر لمواد البناء يدعى عبد الرحمن قواسمة «30» عاما: «لقد ارتفعت أسعار مواد البناء بصورة جنونية، وهو ما لم يكن العالم هنا يضعونه في حسابهم، فعجزوا عن إكمال ما كانوا قد بدأوه».
«لقد ارتفع سعر النحاس، ومواسير البلاستيك، والحديد، والدهان، والاسمنت، إضافة إلى أجرة عمال البناء.. كل شيء ارتفع سعره». يقول قواسمه ثم يضيف: «لقد بات ينافس سعر النحاس سعر الذهب بعد أن ارتفع 300%، وهذا هو حال الدهان، أما بالنسبة لأسعار البلاستيك وأنواع صناعاته البنائية فقد زادت بنسبة 200%». ويضيف: «لم يعد المال الذي بحوزة من يريد البناء يكفي فتوقف البعض فيما أضطر آخرون إلى التخفيف من إيقاع سرعة بناء عقاراتهم».
لا أرقام دقيقة ولكن
ورغم أن نقيب المقاولين لا يملك أرقاما دقيقة حول حجم الضرر الذي لحق بقطاع الإنشاءات الأردني، إلا أنه يشيرا إلى نموذج كان يفترض أن يكون شاهدا على النشاط العمراني في العاصمة وهي «منطقة العبدلي» إحدى ضواحي عمان، مكتفيا بالقول: إن حركة الركود العمراني في منطقة العبدلي أدت إلى توقف شركات استثمارية عن أعمالها العمرانية.
وحسب بيانات دائرة الأراضي والمساحة الأردنية فقد ارتفع حجم التداول في سوق العقار في الأردن، خلال العام الماضي 2008، بنسبة 7 بالمئة إلى 4,8 مليارات دولار، مقابل 9,7 مليارات دولار للعام الذي سبقه 2007. واستحواذ العاصمة عمّان على 69 في المئة من حجم التداول العقاري، إلا أن ذلك لا ينفي بحسب الخبراء والمشتغلين في القطاع أن الأمور على ما يرام. فالعام 2008 لم ينته حتى وضع الركود قدما في سوق العقار الأردني، بالتزامن مع تشدد البنوك والمصارف الإسلامية في منح التسهيلات اللازمة.
ولم تجد مديرة فرع أحد البنوك حنان فاخوري من كلمة تصف بها أحوال تجار ومالكي المحال مواد البناء جراء توقف التسهيلات المغرية التي كانت تقدم «لعابري الطريق» في الماضي إلا بالقول: «إنهم باتوا يشعرون بالضجر من قلة رواد تجارتهم».
وأوضحت الفاخوري أن نسبة التسهيلات البنكية بلغت 50% فقط سواء كانت (القروض الشخصية والقروض المتناقصة للتجار والكفالات البنكية والاعتمادات وغيرها)، مشيرة إلى أنها «للمرة الأولى التي يواجه فيها البنك مثل هذه الشكاوى حول الركود للحركة العمرانية، وأنه رافق كل ذلك عدم توفر السيولة المالية عند التجار والمواطنين العملاء في البنك».
منافسة في الأسعار
وهو ذات الرأي الذي حمله الدكتور مفلح الجراح مدير فرع أحد البنوك الذي قال: «إن البنك لا يزال يحتفظ بسياسته التمويلية الخاصة به المنسجمة مع أحكام الشريعة الإسلامية». وهو ما حذر منه الصرايرة عندما قال: «إن الركود بدأ يطال قطاع الإنشاءات والمقاولات المحلي بالفعل، مشيرا إلى أن أحد آثاره هي في المنافسة بالأسعار بين الشركات».
ويرى الصرايرة أن الحل الذي يمكن أن يخفف من ثقل الركود هو قيام الحكومة بزيادة مشروعاتها لتعويض النقص في مشروعات القطاع الخاص الأردني. ويبدو الأمر أكثر سوءا بالنسبة لمالك المكتب العقاري على الطعامنة، الذي أكد قيام زملائه في قطاع العقارات بإغلاق محالهم الخمسة العقارية المجاورة لبعض خلال عام 2008م ـ 2009م.
يقول الطعامنة إنه رغم انخفاض أسعار الشقق السكنية والأراضي والعقارات بشكل كبير هذه السنة، إلا أن الإقبال على شرائها أو حتى استئجارها ضعيف للغاية. فلا جدوى إذن من الإعلانات الورقية التي قام الطعامنة بإلصاقها على جدران مكتبه الخارجية، والتي تتضمن عرض خصومات على عمولته الشخصية البالغة 2% لتأجير أي من العقار و5% على إجراء عملية البيع. يقول: «ما زاد الطين بلة تورط البعض بأزمة البورصات الوهمية التي أدت إلى إفلاس الكثير منهم».
من كل ذلك لم يستوعب سعيد سوى الخلاصة التي كان عليه وعلى أسرته معايشتها وتضمنت «استمرار الغناء تحت ظلال العمارة قيد الإنشاء حتى إشعار آخر، أو على حد قوله «لما يفرجها الله».
عمان ـ لقمان اسكندر
