بعد حالة من السجال واللغط والجدل عقدت القمة العربية في دورتها العادية الحادية والعشرين بالعاصمة القطرية «الدوحة»، والتي جاءت كعادة القمم العربية السابقة لها،في أجواء مشحونة وخلافات عربية - عربية وتهديدات خارجية متمثلة في استمرار الصلف والتعنت الإسرائيلي المدعوم أميركيا.
يضاف إلى ذلك تعمق وتجذر مشكلة دارفور وتلاحق توابعها خاصة بعد صدور مذكرة المحكمة الجنائية الدولية بتوقيف الرئيس السوداني عمر البشير، بالإضافة بالطبع إلى القضية الفلسطينية باعتبارها بندا دائما على جدول أعمال القمة العربية منذ نشأتها، وإن كانت الخلافات الفلسطينية - الفلسطينية وجهود المصالحة بين الأشقاء الفلسطينيين تمثل متغيرا جديدا في هذه القمة كما جاءت قمة الدوحة كذلك أيضاً في ظل خلافات عربية شديدة التعقيد، ورغم ما قيل عن جهود المصالحة وما تم في هذا الصدد سواء من خلال اجتماع القمة المصغر الذي عقد على هامش القمة الاقتصادية والتنموية والاجتماعية بالكويت في شهر يناير الماضي والذي ضم قادة كل من مصر والمملكة العربية السعودية وسوريا وقطر والكويت والبحرين في محاولة للمصالحة بين كل من مصر والسعودية من جانب وسوريا وقطر من جانب آخر.
خلافات لم تحسم
ورغم القمة الرباعية التي عقدت بالعاصمة السعودية «الرياض» والتي ضمت العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز والرئيسين المصري حسني مبارك والسوري بشار الأسد بالإضافة لأمير دولة الكويت الشيخ صباح السالم الصباح وتغيب قطر بسبب ما قيل عن تحفظات مصرية، وما تبع ذلك من اجتماع ضم وزراء خارجية ورؤساء أجهزة المخابرات في مصر والسعودية وقطر،إلا أن هذه المساعي لم تساعد في حسم الخلافات العربية- العربية ورأب الصدع في الصف العربي.
وبرزت مظاهر الخلاف بشدة خلال القمة وخاصة في ظل تغيب الرئيس المصري حسني مبارك وتخفيض حجم التمثيل المصري لأدنى مستوى له خاصة في الاجتماعات التحضيرية للقمة، وهو الأمر الذي سيطر على أعمال وأجواء القمة وانعكس أيضاً على طريقة تعامل القطريين مع المصريين المشاركين بالقمة من رسميين وإعلاميين.
وربما كانت المصالحة السعودية - الليبية، والتي سيطرت على أجواء قمة الدوحة،بين الزعيم الليبي معمر القذافي باعتباره عميد الحكام العرب وقائدا أمميا وإمام المسلمين، حسب وصفه لنفسه، والعاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز هي «أبرز حسنات القمة»، على الرغم من أن البعض حاول قلب الآية وتصوير موقف الزعيم الليبي على العاهل السعودي على أنه مصالحة وما أعقب ذلك من جهود أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني للمصالحة بينهما، إلا أنها على كل الأحوال كانت خطوة على الطريق الصحيح لتنقية الأجواء العربية ؟ العربية،رغم أن البعض فسر سعي القذافي لتصفية خلافاته مع السعودية إلى استضافة ليبيا للقمة العربية العام القادم 2010 ورغبة ليبيا في ألا يتكرر ما حدث في قمة دمشق والدوحة من مقاطعة الدول العربية الكبرى لها، وليس رغبة حقيقية في المصالحة.
في البداية، يؤكد الأمين العام المساعد لجامعة الدول العربية لشؤون فلسطين والأراضي المحتلة السفير محمد صبيح أن القمة العربية كانت فرصة جيدة لإظهار المواقف العربية في الكثير من القضايا وتوجيه عدد من الرسائل المحددة واتخاذ عدد من القرارات التي من شأنها دفع العمل العربي المشترك.
وقال:إن رسالة القادة العرب كانت واضحة وحاسمة أولا فيما يتعلق بمبادرة السلام العربية، وأكدت أن انتظار المبادرة على الطاولة لن تبقى طويلا وأن العرب لن ينتظروا إلى ما لا نهاية حتى تقتنع إسرائيل باختيار السلام وهي رسالة تؤكد على أن صبر العرب على التعنت والصلف الإسرائيلي له نهاية، وكذلك التأكيد على التمسك العربي بإحالة مرتكبي جرائم الحرب خلال الاعتداءات الإسرائيلية الأخيرة على قطاع غزة، كما أن القمة أكدت دعمها لجهود المصالحة الوطنية بين الفصائل الفلسطينية، معربا عن اعتقاده في أن يكون للقمة العربية دور كبير في التأثير على مواقف الفصائل الفلسطينية.
دعم موقف البشير
وتابع صبيح: كما أن القادة العرب أكدوا خلال القمة دعمهم لموقف الرئيس السوداني عمر البشير ورفضهم التام لقرار المحكمة الجنائية الدولية وتأييدهم لجهود المصالحة التي تقوم بها قطر برعاية الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية والاتحاد الإفريقي لحل الأزمة في دارفور والتقريب بين الخرطوم والفصائل المختلفة في إقليم دارفور، وكذلك دعم الدول العربية لجهود الإغاثة في الإقليم.
وأشار صبيح إلى أن قمة الدوحة اتسمت بأنها كانت قمة المصالحة العربية رسخت المصالحة القطرية - السورية مع المملكة العربية السعودية، كما أنها نجحت في إذابة الجليد بين طرابلس والرياض بعد أن شهدت القمة المصالحة بين الرئيس الليبي معمر القذافي والعاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز، مشيرا إلى ما أكدت عليه القمة من ضرورة توحيد الصف العربي والارتفاع فوق مستوى الخلافات وعودة اللحمة للصف العربي.
ولفت إلى أن القمة العربية جاءت في ظروف بالغة الخطورة ومتغيرات عديدة على المستويين الإقليمي والدولي وهو ما يفرض على الأمة العربية الكثير من التحديات لعل من أبرزها الحكومة الإسرائيلية التي ظهرت ملامحها قبيل القمة وتوجهاتها اليمينية المتطرفة التي يترأسها بنيامين نتانياهو ويتولى حقيبة وزارة الخارجية فيها أفيجدور ليبرمان والتي ظهرت بوادرها الفعلية في التصريحات التي أعقبت أداء اليمين الدستورية للحكومة الإسرائيلية وكذلك التحديات الماثلة في قرار توقيف الرئيس السوداني باعتباره سابقة خطيرة في النظام العربي وعدد من التهديدات الخارجية والمخاطر الداخلية.
قمة مثل بقية القمم
وبدوره، يرى رئيس وحدة النظم السياسية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية الدكتور عمرو الشوبكي أن القمة العربية التي عقدت في العاصمة القطرية الدوحة، لم تضف جديدا كما هي العادة، مضيفا: «شاهدنا غياباً رئاسيا مصريا للعام الثاني على التوالي، وتابعنا طرائف، ملك ملوك أفريقيا، العقيد معمر القذافى، ورأينا لقاء المصالحة الباهت بين العاهل السعودي والزعيم الليبي برعاية قطرية.
و تابع: استمعنا إلى نفس بيانات الشجب والإدانة لسياسات إسرائيل التوسعية، رغم أنها مازالت تتوسع، وأصغينا لهتافات العرب للبشير، ورفضهم الحصار المفروض على السودان، تماما كما فعلوا مع صدام حسين، ورغم ذلك سقط نظامه واحتلت العراق وانقسمت مذهبيا ونفسيا، وهم مازالوا يرفضون ويشجبون، أو يدعمون ويؤيدون دون أي تأثير.
وشدد الشوبكي على أن قمة الدوحة كانت قمة عربية مثل باقي القمم، لا المعتدلون فيها نجحوا في تحقيق ما وعدوا به شعوبهم من سلام ورخاء، ولا الممانعون أنجزوا وحاربوا إسرائيل على سبيل السهو أو الخطأ من أجل تحرير أرضهم المحتلة منذ عقود.!
مصالحات شكلية
أما مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير صلاح فهمي،فيقول:إن القمة العربية بالدوحة جاءت كما توقعنا وتوقع الكثيرون من أن القمة لن تختلف كثيرا عن القمم السابقة لها وهو ما حدث بالفعل فلم تختلف القمة عن سابقتها في شيء يذكر فلا قرارات قادرة على إصلاح أحوال الأمة العربية المتردية ولا مواقف حازمة من الأزمات العربية حتى المصالحات التي يقال أنها تمت خلال القمة هي مصالحات شكلية ما لبثت أن تذروها الرياح.
وأضاف: للأسف الشديد الأمة العربية لم يعد لها ثقل عالمي أو وزن سياسي خاصة وأن العالم لاينظر ولا يهتم بدول أو تجمعات إقليمية إلا إذا فرضت نفسها على المجتمع العالمي، غير أن الدول العربية حسب قوله تتسابق في إهدار عناصر قوتها وتسعى إلى ما فيه فرقتها ويشتت شملها، على الرغم من المحاولات التي ظهرت خلال القمة لإضفاء أجواء المصارحة والمقاربة بين القادة العرب.
وانتقد فهمي تغيب مصر عن القمة العربية وربطها المصالح العربية رغم خطورة الأوضاع في المنطقة بعلاقاتها مع دولة مثل قطر، مؤكدا أن مصر دولة كبيرة ولها دور أساسي يختلف عن باقي الدول العربية تاريخيا وجغرافيا وسياسيا وهو ما يحملها مسؤوليات أكبر ويحتم عليها عدم الدخول في خلافات وخصومات مع أي دولة عربية وأن تكون معول بناء وتجميع ووحدة الأمة العربية.
غياب قضايا محورية
ومن جانبها،أكدت الخبيرة بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية الدكتورة أماني الطويلة أن قمة الدوحة العربية لم تتعاط مع مسألتين أساسيتين، الأولى وتتعلق بالتهديدات التي برزت في الآونة الأخيرة للأمن القومي العربي واستخدام القوات الجوية في ضرب أهداف مباشرة داخل الأراضي السودانية، أما المسألة الثانية فتتعلق بتجاهل مستجدات أمن البحر الأحمر وخاصة فيما يتعلق بظاهرة القرصنة البحرية والمعالجات الدولية لهذه الظاهرة والتي اشتملت تعاطي مجلس الأمن مع الظاهرة وذلك في إطار 6 قرارات صدرت عن مجلس الأمن في الفترة من يونيو إلى ديسمبر 2008 تحت مظلة البند السابع حيث أجاز البعض منها التدخل العسكري المباشر من جانب الأساطيل البحرية خارج نطاق البحر الأحمر وهي أمور تهدد الدول العربية المشاطئة بالبحر الأحمر.
وأضافت: أنه فيما يتعلق بالسودان فقد قدمت القمة دعما كبيرا للسودان وللرئيس البشير الذي شارك في القمة وإن كانت القمة رفضت الاستجابة لطلب البشير فيما يتعلق بالمطالبة بإلغاء قرار المحكمة الجنائية الدولية بتوقيفه على اعتبار أن جامعة الدول العربية لاتملك هذا الحق.
ولفتت أيضاً إلى الموقف العربي من الوضع في الصومال وإعلان القمة دعمها للرئيس الصومالي شيخ شريف شيخ أحمد ودعمها لحكومة الصومال وهو ما يصب في دعم المحاولات المتكررة لتحقيق استقرار هذه الحكومة أملا في قيادة الجهود الرامية لتحقيق الاستقرار وبناء الدولة الصومالية وبسط سيطرتها وإحكام قبضتها على كل شبر في الصومال.
مفاجآت مهمة
وعلي العكس يرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق وأستاذ القانون الدولي بالجامعة الأميركية الدكتور عبد الله الأشعل أن القمة العربية بالدوحة كانت من أنجح القمم العربية منذ عام 1964 وأن ذلك كان لعدة اعتبارات ومنها المشاركة العربية الواسعة وعلى أعلى مستوى حيث شارك في القمة 17 قائدا ما بين رئيس وملك وأمير وهو ما لم يحدث من قبل حيث لم يتغيب عن القمة سوى مصر لاعتبارات غير مفهومة.
وأضاف الأشعل: أن جميع القضايا الشائكة كانت موضوعة على جدول الأعمال وتم مناقشتها باستفاضة، وكذلك فقد كانت هناك مفاجآت أضافت للقمة أهمية كبيرة منها المصالحة الليبية -السعودية وحضور الرئيس السوداني عمر البشير للقمة وتحديه لقرار المحكمة الدولية بتوقيفه.
وأشار إلى أن هذا النجاح للقمة العربية كان مفيدا وانعكس بصورة إيجابية في اليوم التالي على القمة العربية اللاتينية والتي كانت أفضل بكثير من القمة السابقة والتي عقدت عام 2005 بالبرازيل.
وحول عدم تعرض القمة للموضوع الإيراني، قال الأشعل: إن الموضوع الإيراني كان مطروحا على أجندة القمة ولكنها ارتأت تأجيل الكلام عن الخطر الإيراني نظرا لحساسية الموقف من ناحية ووجود انقسام عربي حوله من ناحية أخرى». وتابع قائلا «وعموما أنا من أنصار الحوار العربي -الإيراني ولكن على العرب أن يعرفوا أولا ماذا يريدون من هذا الحوار».
إضاءة
يرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق وأستاذ القانون الدولي بالجامعة الأميركية الدكتور عبد الله الأشعل أن القمة العربية بالدوحة كانت من أنجح القمم العربية منذ عام 1964 وأن ذلك كان لعدة اعتبارات ومنها المشاركة العربية الواسعة وعلى أعلى مستوى حيث شارك في القمة 17 قائدا ما بين رئيس وملك وأمير وهو ما لم يحدث من قبل حيث لم يتغيب عن القمة سوى مصر لاعتبارات غير مفهومة.
القاهرة - «البيان»

