على خلاف التوقعات استطاعت قمة العشرين التي عقدت في العاصمة البريطانية لندن في الثاني من ابريل الجاري تهدئة الخواطر العالمية الناجمة عن الأزمة الاقتصادية. فقد اتخذت العديد من القرارات التي كانت تتطلع إليها العديد من الدول، واستطاعت بقراراتها نقل الاقتصاد من غرفة الإعدام إلى غرفة الإنعاش، حتى إن الملياردير حورج سوروس الذي وصف القمة قبل انعقادها بأنها (قمة حياة أو موت) اعتبر نتائج القمة نقطة تحول عالمية لان الحكومات تحركت مجتمعة لمواجهة الأزمة في القمة.
وكانت القمة قد توصلت إلى عدة قرارات تجاه الأزمة الاقتصادية حسبما جاء في البيان الختامي الصادر عنها على النحو التالي:
* إنفاق خمسة تريليونات دولار لمواجهة الأزمة حتى العام2010. وزيادة موارد لصندوق النقد الدولي إلى 750 مليار دولار بما يساوي ثلاثة أضعاف موارده السابقة. كما تقرر أن يقوم الصندوق ببيع بعض احتياطاته من الذهب لتمويل الدول الأكثر فقرا.
* تقديم 250 مليار دولار لدعم وتمويل التجارة العالمية، وبذلك تكون القمة قد خصصت مليار دولار للمؤسسات الاقتصادية الدولية.
* وضع قواعد جديدة لمراقبة عمل الأسواق والمؤسسات والأدوات المالية، وصناديق التحوط والاستثمار بما يضمن الشفافية ويمنع مستقبلا تكرار عمليات التلاعب منعا لتكرار الأزمة الحالية، وإلزام البنوك ببناء احتياطي من رأس المال تحسبا لأي أزمات.
* مواجهة الدول التي تمثل ملاذات مالية آمنة وتساعد على عمليات التهرب الضريبي وغسيل الأموال، واتخاذ إجراءات ضد الدول غير المتعاونة.
تحولات عالمية
هذه القرارات وصفتها المستشارة الالمانية انجيلا ميركل بأنها (تسوية تاريخية لأزمة استثنائية). كما تعد تحولا عالميا مهما على الصعيد الاقتصادي العالمي على عدة مستويات :
(1) تمثل هذه القرارات انعطافة تاريخية مهمة في مسار النظام الرأسمالي خاصة النموذج الأميركي منه، فالرأسمالية الأميركية على خلاف الأوروبية كانت ترفض دوما تدخل الدولة في إدارة النشاط الاقتصادي أو مراقبة الأسواق امتثالا لمقولة (السوق يصحح نفسه)، لكن الأزمة الحالية كشفت فساد هذا الاعتقاد اذ أثبتت أن الأسواق هي من يصنع الأزمة وتعجز عن حلها أو تصحيحها. وحتى المؤتمر الماضي لقمة العشرين الذي عقد في واشنطن في الخامس عشر من نوفمبر الماضي كانت الولايات المتحدة ترفض أي رقابة على الأسواق وتتمسك بعدم تدخل الدولة فيها، بل ان الرئيس السابق جورج دبليو بوش ضحى بنجاح المؤتمر آنذاك في مقابل تمسكه بالحرية المطلقة للأسواق.
أما هذه المرة فان الولايات المتحدة بقيادة الرئيس باراك أوباما استجابت للمطالب العالمية الخاصة بفرض الرقابة. وكان كل من الاتحاد الأوروبي والدول اللاتينية بشكل خاص أكثر تشددا في المطالبة بها. ووصف رئيس الوزراء البريطاني هذه الخطوة بأنها انتهاء لـ (توافق واشنطن) الذي كان يقوم على منح الحرية التامة للأسواق وعدم التدخل في عملها.
(2) بدء تراجع هيمنة الولايات المتحدة على إدارة الاقتصاد العالمي. فقد استطاعت كل من الصين وروسيا والاتحاد الأوروبي فرض رؤاهم على الولايات المتحدة بشأن الإصلاحات الضرورية المطلوب إدخالها على النظام الاقتصادي العالمي بما فيها سبل الخروج من الأزمة وإعادة تنظيم صندوق النقد الدولي.
وكانت واشنطن قد جوبهت قبل المؤتمر بضغوط من كافة الاتجاهات. فقد هدد الرئيس الفرنسي نيكولاي ساركوزي بانه سينسحب من أعمال القمة ما لم يشعر منها بجدية التعامل مع الأزمة. كما اتهم الرئيس البرازيلي لولا دي سيلفا الولايات المتحدة بأنها المسؤولة عن هذه الأزمة، ووصف من أسماهم بالجنس الأبيض أصحاب العيون الزرقاء بأنهم المتسببين فيها، فيما يدفع العالم ثمنها، وودعاهم إلى تحمل المسؤولية في علاجها.
وفي ذات الوقت دعت الصين إلى عملة عالمية جديدة بديلة عن الدولار، وساندتها في ذلك روسيا. وكانت كل من الصين وروسيا والبرازيل والهند قد أصدرت بيانا على هامش اجتماعات وزراء مالية دول العشرين الذي عقد في لندن في منتصف مارس الماضي رفضوا فيه الرؤى الأميركية داعين إلى رؤى بديلة، مع دعوتهم لها لتبني دور أكثر شفافية في التعامل مع الأزمة، ومطالبين بإعادة تنظيم حقوق التصويت في صندوق النقد الدولي، ومؤكدين أنهم لن يساهموا في تمويل الصندوق ما لم تتحقق مطالبهم.
وقد أشار البيان الختامي لقمة لندن في بنده العشرين إلى تعديلات في نظام الكوتا الخاص بالصندوق بحلول يناير المقبل. وهذه القضية بالتحديد تعني انتهاء الانفراد الأميركي المطلق بقرارات الصندوق منذ العام 1945، وهو ما سينعكس بدوره على عمليات وشروط الاقتراض، بل من المتوقع أن يغير الصندوق من فلسفته الاقتصادية المهيمنة كمرابي بشع يحرس النظام الرأسمالي إلى مؤسسة تقوم بضبط ومراقبة النظام الاقتصادي العالمي بما يضمن الاستقرار ويحد من الفساد والتلاعب في الأسواق.
وهذه الخطوة تستدعي إعادة تنظيم هياكل الصندوق وقوانينه ومهامه بما يحوله إلى مؤسسة تعمل لخدمة البشرية وليس لاستنزاف الضعفاء لصالح الأغنياء. فهذا الدور هو ما لعبه الصندوق على مدى أكثر من ستين عاما. ومن المتوقع أن تنعكس أيضا قرارات القمة أيضا على منظمة التجارة العالمية على ضوء ما تم الاتفاق عليه بشأن مواجهة الإجراءات الحمائية، لكن هذه السياسة سوف تلحق الكثير من الضرر بالدول الأكثر فقرا ذات البنى الصناعية الضعيفة.
قيادة العشرين
(3) دشنت قمة لندن مجموعة العشرين عمليا قائدا اقتصاديا للعالم فالأزمة أثبتت فشل مجموعة الثماني الصناعية في التعامل معها وحدها. ويعكس تشكيل مجموعة العشرين توازنا دوليا جديدا، فالمجموعة تضم دولا تنتمي إلى كافة القارات والتكتلات بل ومختلف المدارس الاقتصادية والحضارات الإنسانية، وهي تؤذن بانتهاء هيمنة اقتصاد الجنس الأبيض (الأميركو- أوروبي) على العالم. وتبعا للقرارات التي تم الاتفاق عليها في القمة فان استمرار هذا التكتل هو الضمانة لتطبيقها.
وتكشف نتائج مؤتمر لندن أن التكتل الذي ضم الدول المناهضة للهيمنة الأميركية أمكنه تعديل بعض الموازين. ونجاح هذه الوصفة الدولية اقتصاديا قد يقود إلى تعديل مماثل على المستوى السياسي العالمي في تشكيلة المؤسسات الدولية، خاصة مجلس الأمن. فقد أثبتت التجربة أن الولايات المتحدة الأميركية صارت أضعف ولم يعد بإمكانها الانفراد بالعالم وهذا ما سيقود إلى نتائج سياسية جديدة.
(4) من المتوقع أن تحد إجراءات الرقابة المالية والتضييق على الملاذات الآمنة في حال تفعيلها جديا إلى الحد من عمليات النهب المالي التي تتعرض لها معظم دول العالم الثالث على أيدي نخبها السياسية والعسكرية والاقتصادية، تلك النخب التي احترفت نهب وتهريب وغسيل الأموال. فالقرارات التي اتفقت عليها القمة ستقود فيما بعد إلى إلزام الدول كافة بإصدار تشريعات مناهضة لجرائم الأموال.
كما ان ما تم يعد بداية عالمية للتخفف من مبدأ سرية الحسابات المعمول به في بلاد الملاذات. وكانت هذه القضية محل خلاف شديد بين فرنسا والصين التي اتهمها الرئيس ساركوزي بأنها العقبة الرئيسية في الوصول إلى التنظيم المالي قبل القمة، بسبب الموقف الرافض من وضع قائمة سوداء للملاذات وتعد الصين من المستفيدين من وجود هذه الملاذات من خلال جزيرة هونج كونج التي تستحوذ على نحو مئتي مليار دولار، وتسبقها كل من سويسرا بنحو تريليوني دولار ولوكسمبورغ بنحو تريليون دولار وبريطانيا بنحو تريليون وسبعمئة مليار دولار، وسنغافورة بنحو نصف تريليون.
ويوجد نحو نصف تريليون في بعض الاسواق المالية الأميركية خاصة في نيويورك، وتستحوذ هذه الملاذات وفق إحصاءات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية على ما يزيد على سبعة تريليونات دولار. وهو ما يمثل تحديا لمدى مصداقية الدول الكبرى في التعامل مع الأزمة من واقع الالتزام بمعيار تطبيق الإجراء المتفق عليه بشأن الملاذات. وكانت الولايات المتحدة قد بدأت أولى الخطوات ضد هذه الملاذات عندما غرمت بنك (يو.بي.اس) السويسري في شهر فبراير الماضي مبلغ 780 مليون دولار لتسوية قضية تهرب ضريبي، كما اضطر البنك للكشف عن أسماء نحو 300من عملائه، مما اعتبر تحولا جوهريا في مبدأ سرية الحسابات المعمول بها في البنوك السويسرية.
مخاوف مستقبلية
ليس من المنظور أن تؤتى هذه القرارات نتائجها سريعا لأن الأزمة تعمقت في الأسواق وفي بنية الاقتصادات العالمية برمتها فلم ينج منها أحد. هذا الخطر هو ما ساهم في تقديم التنازلات المتبادلة من أطراف القمة للوصول إلى الحلول التي تم الاتفاق حولها. ووفق تقارير المؤسسات الدولية فان حالة الركود ضربت كافة الأسواق مما ساهم في ازدياد حالات الإفلاس ورفع معدلات البطالة مع اللجوء إلى إجراءات تسريح العمالة، مما أدى إلى تراجع الإنفاق والنمو العام. وحسب دراسة صادرة عن منظمة العمل الدولية فان نحو 51مليون شخص سوف يفقدون أعمالهم على مستوى العالم خلال العام الجاري بسبب الأزمة.
وفي الولايات المتحدة ارتفع عدد العاطلين الى13 مليون شخص، بعدما خسر الاقتصاد الأميركي نحو 740 ألف وظيفة خلال مارس الماضي ليصل عدد من خسروا وظائفهم منذ بدء الأزمة إلى نحو 5 ملايين، وذلك على الرغم من إجراءات التحفيز الاقتصادي. وفي منطقة اليورو بلغ عدد العاطلين نحو 13.5 مليونا، فيما يصل العدد على مستوى القارة الأوروبية الى19 مليونا. ولم تكن بقية دول مجموعة العشرين بعيدة عن الأزمة بنسب متفاوتة.
وقد أدت هذه الأزمة إلى تهديد استقرار العديد من الدول مثل فرنسا واليونان وروسيا، فقد شهدت إضرابات وتظاهرات. وحذرت بعض التقارير من أن حوالي95 دولة على مستوى العالم مهددة باضطرابات اجتماعية. كما حذرت تقارير صادرة عن منظمة التجارة العالمية بأن الركود الناجم عن الأزمة سيؤدي إلى تراجع التجارة الدولية بنسبة 10% في اكبر تراجع لها منذ الحرب العالمية الثانية. وتوقع صندوق النقد الدولي بان يسجل الاقتصاد العالمي انكماشا في العام الجاري بنحو 2% على اقل تقدير.
هذه التحذيرات تعكس قتامة الوضع الاقتصادي الذي آل إليه العالم وتكشف أيضا أن الخروج من الأزمة يحتاج إلى وقت. وعلى حد قول بين برنانكي رئيس مجلس الاحتياطي الأميركي فان حالة الركود في الولايات المتحدة مستمرة حتى العام 2010. ولكن جان كلود تريشيه رئيس البنك المركزي الأوروبي قال ان 2010 (قد يكون عام انتعاش اقتصادي معتدل)، وهو ما يخالف توقعات أخرى كشف عنها فرانك شتاينماير نائب المستشاره الألمانية الذي حذر بأن الأزمة ستظل محسوسة لعدة سنوات مقبلة، وهو ما يعني عدم امتلاك معلومات مؤكدة حول موعد الخروج من هذه الأزمة.
الدول الفقيرة
وعلى الرغم من دائرة التمثيل الواسعة التي اتسمت بها قمة العشرين إلا أن الدول الفقيرة لم تمثل في المؤتمر، بل يمكن القول إن كل شيء تم بمعزل عنها، كما أن البيان الصادر لم يقدم لها سوى عبارات مطاطة. وتمثل هذه الدول الأغلبية العالمية بل إنها الأكثر تضررا من الأزمة لعدم امتلاكها بنى اقتصادية قوية أسوة بالدول المتقدمة ومن ثم فان معاناتها تظل الأشد. وقد ضاع صوتها وسط الصراعات التي سبقت المؤتمر، فالدول الكبرى انشغلت بقضاياها حول الملاذات والحمائية وإعادة تنظيم صندوق النقد، و لم تتحدث عن الالتزام باستمرار الجهود الدولية لمكافحة الفقر سواء السابق منه على الأزمة أو الناجم عنها، مما عقد جهود الألفية التي وضعتها الأمم المتحدة عام 2000 والخاصة بمكافحة الفقر على مستوى العالم.
وتهدف الألفية إلى تخفيض عدد الفقراء من نحو3. 1 مليار إلى النصف. وكان العام2008 قد شهد انكسار هذه الجهود بسبب ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة، حيث عاد نحو مائة مليون شخص إلى الفقر بعدما غادروه. وجاء العام الحالي محملا بالأزمة التي ساهمت في العصف بالفقراء الحاليين وإدخال أشخاص جدد إلى دائرة الفقر والجوع الجهنمية، خاصة مع ازدياد أعداد الذين تضرروا بفقدان وظائفهم. ويعد فقيرا وفق معايير الأمم المتحدة كل من يجني أقل من دولارين في اليوم.
ولم يتحدث باسم الدول الفقيرة سوى الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون الذي حث على استمرار المساعدات للقضاء على الفقر. ومثلما تتحمل الدول العشرين جانبا من المسؤولية، فان الدول الفقيرة تتحمل الجانب الأكبر، ذلك لأنها لم تكشف حجم الأزمة الاقتصادية التي تضربها، ولم تتحرك جديا لكشف حجم المعاناة الإنسانية لديها، ولم تناقش الحلول العالمية بما يكفي، ولم تعبئ قواها وشعوبها باتجاه القمة أو المؤسسات الاقتصادية الدولية، على الرغم من أن الأزمة تهدر عليها نحو 750 مليارا من التنمية الضائعة حسب تقديرات معهد التنمية الخارجية البريطاني.
كما لم يصدر عن هذه الدول الفقيرة سوى بيان يتيم باسم مجموعة ال24 المنبثقة عن مجموعة ال77 تبناه صندوق النقد الدولي قبل يوم واحد من اجتماع القمة، فجنت هذه الدول على نفسها وعلى فقرائها، فيما كان الأغنياء يقتسمون النفوذ والسلطة والثروة في العالم.
إضاءة
تمثل مجموعة العشرين منتدى اقتصاديا يضم الدول الصناعية الكبرى و دول الاقتصادات الناشئة الأعلى في الناتج القومي في كل من قارات العالم الست. وكانت المجموعة قد تكونت في العام 1999، في العاصمة الألمانية برلين بهدف التعامل مع الأزمات الاقتصادية العالمية.
وهذه الدول هي: الولايات المتحدة وكندا والمكسيك ( أميركا الشمالية) والبرازيل والأرجنتين( أميركا اللاتينية) جنوب إفريقيا (القارة الأفريقية) المملكة العربية السعودية وتركيا وإندونيسيا وكوريا الجنوبية والصين واليابان وروسيا والهند( آسيا) ورئاسة الاتحاد الأوروبي وألمانيا وايطاليا وفرنسا وبريطانيا( أوروبا) واستراليا، إلى جانب صندوق النقد والبنك الدوليين.
أحمد الكناني
