قد يكون من المبكر الحكم على سياسات الرئيس الأميركي باراك أوباما تجاه العالم الإسلامي، ووعده العام بالتغيير، في ضوء أن الرجل لم يتجاوز في ممارسته لمهام منصبه أكثر من سبعين يوما، غير أن المتابعة المتأنية لمواقف الإدارة الأميركية حتى الآن تشير إلى وجود نهج للتخلي عن إرث الرئيس السابق بوش في كثير من المناحي.
الأمر ليس مجالا للتهليل لحدث هنا أو تصريح هناك وإنما هو محاولة للرصد الدقيق لمجريات تحول لا شك أنه سيكون له تأثيره على مستقبل العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب بشكل عام إذا ما سار على الوتيرة التي نراه بها. ولاعتبارات ضيق المساحة نعرض لما نراه واحدا من أبرز مؤشرات هذا التحول على النحو الذي يمكن أن يكون معبرا عن فلسفة الإدارة الجديدة وهو التخلي عن مصطلح «الحرب على الإرهاب»، والذي استخدمه بوش فيما بعد هجمات سبتمبر وأصبح مصطلحا أساسيا على صعيد الاستخدام العالمي حتى من قبل الكثيرين في العالم الإسلامي ذاته.
وفي ذلك الصدد فقد انخرط مسؤولو الأمن القومي في إدارة أوباما في عقد جلسات للتوصل إلى توصيفات مختلفة للجهود التي تبذلها الحكومة الأميركية لمواجهة تنظيم القاعدة ومجموعات أخرى على شاكلتها في أفغانستان والعراق وباكستان. ورغم الدلالة الرمزية لهذا التحول، إلا أنه لا يجب إنكار تأثيره الكبير على تقويض مساعي تعزيز صور نمطية سلبية عن الإسلام والمسلمين تضاف إلى تلك القائمة بالفعل والتي تعتبر ميراث قرون وعقود من الاحتكاك الذي اتسم في مراحل مختلفة منه بالعداء.
وللتوضيح نشير إلى أن خطورة المصطلح أنه على المدى الطويل كان سيرادف بين المسلم ـ أو المسلم المتشدد أو الجهادي، كما يحلو لكثيرين في الغرب توصيف فئات معينة من المسلمين ـ والإرهاب على النحو الذي يجعل منهما وجهان لعملة واحدة. في معرض التدليل على ما نذهب إليه نذكر المقولة الشهيرة لمتشدد أميركي هو دانييل بايبس يقرر فيها: «ليس كل المسلمين إرهابيين، لكن كل الإرهابيين مسلمون»، وهو ما يقصر بالتالي صفة الإرهاب على المسلمين.
الأمر ليس تفكيرا بالتمني، أو حتى خداعا للنفس، فما يجب أن ندركه أن ذلك التحول يعكس تفاعلات داخلية أميركية بالأساس قد لا يكون لنا الفضل الأكبر بها، في ضوء ما قد تعكسه من رؤية للإدارة الجديدة بشأن المصالح الأميركية تتجاوز محاولة خطب ود العالم الإسلامي.
غير أن في الأمر تحول يؤكد زوال حقبة المحافظين الجدد الذين سيطروا على مقدرات الحكم خلال فترتي بوش الابن. وليس أدل على ذلك من التلاسن الذي وصل حد الهجوم الجارح المتبادل بين أوباما ونائب الرئيس الأميركي السابق ديك تشيني، حيث انتقد الأول بحدة أسلوب الثاني معتبرا أنه لم يجلب لأميركا سوى الاحتقار وليس الأمن، رداً على انتقادات تشيني لسياساته بأنها ستجعل الولايات المتحدة أكثر عرضة للهجمات.
وإذا كان أوباما قد حاول التزام اللباقة، فقد كان المتحدث باسم البيت الأبيض أكثر صراحة حينما راح يصف نائب الرئيس السابق بأنه جزء من «جماعة تآمرية جمهورية».. وهى لغة تعكس بدون شك نهجين بالغي الاختلاف في التعاطي مع القضية محور مصطلح الحرب على الإرهاب وغيره من سياسات عززت أجواء التوتر بين أميركا والعالم الإسلامي.. هل من أمل في تغيير أكبر؟ لعل وعسى والأيام هي الفيصل.
