قبل انعقاد قمة الدوحة العربية الحادية والعشرين، وجهت إسرائيل رسالة ملغومة إلى جميع القادة العرب، تذكرهم بيدها الطولى القادرة على ضرب أي هدف تختاره على الساحة العربية. وكشفت إسرائيل بطريقة فجة عن شن غارة جوية على قافلة شاحنات داخل السودان في يناير الماضي.
الغارة التي نفذتها طائرات مقاتلة من طراز (اف 15، واف16) بدعم من مروحيات وطائرات تجسس بدون طيار، وطائرات التزود بالوقود، بررتها إسرائيل بان الشاحنات كانت تنقل صواريخ إيرانية من طراز (فروج) إلى حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في قطاع غزة.
واستندت إلى معلومات زودها بها عملاء يرجح انهم من بعض حركات متمردي دارفور التي تقيم علاقات مع إسرائيل (سرية وعلنية) وتتخذ من تل أبيب مقراً لنسج خططها لتمزيق السودان. بل ويجاهر قادتها بأنهم يقفون في خندق واحد مع العدو الصهيوني لأنه حسب هرطقاتهم وأراجيفهم الكيان الوحيد في المنطقة المدافع عن حقوق الإنسان والمؤمن بثقافة رفض التمييز!
الحاصل، ان رسالة إسرائيل الملغومة قبل يومين من قمة الدوحة، تزامنت مع مرور 26 عاماً على توقيع أول معاهدة سلام مع دولة عربية مركزية. تلك المعاهدة التي عرفت بمعاهدة (كامب ديفيد) بين الرئيس الراحل أنور السادات ورئيس الوزراء الإسرائيلي وقتها مناحم بيجين (زعيم منظمة شتيرن الإرهابية الصهيونية) وصاحب السجل المتخم بالمذابح ضد الفلسطينيين في دير ياسين وكفر قاسم إبان حرب 1948 لاغتصاب فلسطين.
ولا يخفى مغزى التوقيت وأهدافه على أي مراقب محايد، فإسرائيل أرادت حسب كلمات رئيس حكومتها المنتهية ولايته ان تثبت للعرب انها قادرة على القيام بعمليات ضد أعدائها حيثما تريد، بصرف النظر عن تباعد الحدود. ويدق هذا التصرف وتبريره جرس الإنذار للعرب بأن مسيرة السلام وفقاً للرؤية الإسرائيلية الأميركية يعنى في الأساس فرض الأمر الواقع وإجبار العرب على الإذعان لمقتضيات أمن تل أبيب.
المثير للدهشة، غياب أي رد فعل عربي، على سبيل التنديد الإنشائي والاستنكار البلاغي، حتى ان السودان لم يتحرك بروتوكولياً لتقديم احتجاج أو شكوى إلى مجلس الأمن. ربما لاستغراقه في محنة قرار المحكمة الجنائية الدولية بتوقيف الرئيس عمر البشير. والأدهى ان الجامعة العربية لم تعر الغارة اهتماماً يظهر خطورة الجنوح الإسرائيلي لممارسة سياسة العقاب على أي دولة عربية، دون التفات لأي رد فعل عربي أو دولي، وكأنها مطمئنة لحالة العجز المزمن التي تعاني منها نظمنا.
والشاهد، ان الغارة الإسرائيلية، وما سبقها من حرب إبادة على غزة، وغارة على سوريا، وحرب على لبنان تثبت باليقين القاطع ان إسرائيل لم تتخل بعد 26 عاماً من توقيع اتفاقية كامب ديفيد عن عقيدتها التوسعية التي ترى في مجمل رقعة الوطن العربي مجالاً حيوياً لمصالحها وأمنها. فضلاً عن حقها (المزيف) في ضرب أي دولة عربية ومنعها من تطوير أي قدرة عسكرية ترى فيها تهديداً لأمنها.
على جانب التل العربي، يبدو المشهد عبثياً، فهناك أوهام مسيطرة على النخب الحاكمة في إمكانية تحقيق السلام مع إسرائيل وفقاً للرهان الأميركي. يفاقم من خطورة هذه الأوهام الإصرار على تبني نهج التفاوض، وإسقاط حق المقاومة. وهو النهج الذي لم يثمر سوى حروب اقتصادية وعسكرية وتخريبية وغارات التهمت الكثير من مناعة نظامنا العربي.
