لا يختلف اثنان على أن الأزمة المالية ـ الاقتصادية الطاحنة والمفتوحة، بقدر ما هي عالمية؛ بقدر ما تحتاج إلى تعاون دولي للتغلب عليها. خاصة على مستوى الكبار والمقتدرين. العقدة أن كل طرف، خاصة من أصحاب المواقع الممتازة في النظام المنهار؛ يريد التعاون مفصّلاً على قياساته.

فهذا الأخير يقتضي تنازلات ومشاركة وضبط، في القرار والمرجعيات والمواقع القيادية المالية. الذين ما اعتادوا على مثل هذه الصيغة، يصعب عليهم تجرّعها. لذلك تلفّ المعالجات وتدور ولا تقترب من صلب الموضوع. وهنا يكمن مأزق قمة العشرين. حتى الآن، طروحاتها ومعالجاتها لم تغادر بعد مرحلة تقديم الإسعافات الأولية. وحده الاقتراح الصيني، باعتماد عملة دولية للاحتياط، بدل الدولار، يصدرها صندوق النقد الدولي؛ يمكن أن يندرج في خانة الخطوات النوعية بل الجذرية، لصياغة نظام مالي عالمي جديد؛ يعيد بناء الثقة اللازمة للخروج من دوّامة الأزمة، قبل أن تؤدي إلى تفريخ كوارثُ أخرى أشدّ وأعتى.

مضى على الانهيار المالي في أميركا، مع تداعياته العالمية؛ أكثر من ستة أشهر. التعاطي معه، حتى الآن، بقي في حدود إدارة أزمة؛ وليس التصدّي لها. بدليل أنه أدّى إلى ركود اقتصادي شامل عميق، يهدّد بالانزلاق إلى كساد كبير؛ حسب بعض التحذيرات. وحتى هذه الإدارة بقيت رهينة التخبط والخلافات في المقاربة. واشنطن، اكتفت بحزمات تحفيز وضخ سيولة في المصارف وتعويم لبعض المؤسسات والشركات الكبرى. جرعات ما كان لها جدوى.

المشكلة بقيت مكانها. لا بل تفاقمت: البطالة ارتفعت، العجز صارت أرقامه فلكية. في الآونة الأخيرة جاءت الإدارة بمشروع لتعزيز الرقابة والضبط. خاصة على المؤسسات التي حصلت على دعم حكومي كبير. ومع أنها ليست من الوزن الثقيل، إلاّ أن الاعتراض عليها يتعاظم. خاصة من جانب خصوم أوباما من المحافظين، الذين أقاموا الدنيا؛ بزعم أنه ينوي تأميم القطاع الخاص وضرب اقتصاد السوق.

الاتحاد الأوروبي، هو الآخر في حالة تخبّط. لا كان في وسعه اعتماد سياسة واحدة. ولا دعم الضعفاء من أعضائه. كل دولة فيه تعمل على حماية نفسها. إجمالاً، هو على غير توافق مع واشنطن. ليس متحمساً لخيار المزيد من سياسات التحفيز، الذي تعوّل عليه إدارة أوباما؛ لأنه يؤدي إلى عجز هائل في الموازنة. الأوروبيون يفضلون «إعادة بناء طراز رأسمالي، أكثر تنظيماً وتضامناً» على حدّ تعبير الرئيس ساركوزي. أي إعادة ضبط النظام المالي وتزويده بصمامات أمان.

في هذه المعمعة، دخلت الصين على الخط من موقع أقوى؛ ولو أنها لم تسلم من أذى الأزمة. حاكم مصرفها المركزي، طرح مؤخراً فكرة العملة الكونية، من باب ابدأ التخوّف على استثمارات بلاده الهائلة في سندات الخزينة الأميركية، تريليون دولار. لكن الصين تهدف أيضاً، من مبادرتها، أن يكون لها دور رائد وموقع متميز، في النظام الجديد؛ الذي دخل مرحلة المخاض. واشنطن لا تسلّم بسهولة، بنهاية زمن القطبية المالية. لكن الواقع على الأرض يقضي بالمشاركة.

حتى بعض الخبراء الأميركيين، ومنهم بريجنسكي، ينصحون بذلك. وبالذات مع الصين. الاقتصاد العالمي ما زال في نفس الدوّامة: المصارف لا تمنح القروض ما لم تر علامات الانتعاش الاقتصادي. الاقتصاد، بدوره لا ينتعش ما لم تنفتح أمامه قنوات التسليف. لا بدّ من الاعتراف بأن «رأسمالية الكاوبوي» انتهت. وقبل العمل على هذا الأساس لا تبدو طريق المخرج سالكة.

vic_shal@hotmail.com