في مثل هذا اليوم من عام 1968، اغتيل المناضل الأميركي الأسود مارتن لوثر كينغ زعيم حركة الحقوق المدنية السلمية في الولايات المتحدة. سقط قتيلاً في ريعان شبابه وهو في التاسعة والثلاثين من العمر. ويقول الكاتب الأميركي مايكل فريدمان الذي تناول حياته وانجازاته في العديد من المقالات، ان الأطباء الذين فحصوا جثة كينغ قالوا إن قلبه الذي أرهقه حمل هموم السود لفترة طويلة. كان قلب رجل في الستين.

كينغ الأسطورة التي لا تموت، من أهم المناضلين ضد التفرقة العنصرية في العصر الحديث. نضاله جاء سليماً، إذ تتلمذ على أفكار ومبادئ اللاعنف التي أطلقها زعيم الهند الخالد المهاتما غاندي. وكان كينغ قد سافر إلى نيودلهي عام 1959 حيث تعمق في دراسة أثر غاندي الذي وصفته أرملته كوريتا سكوت كينغ بمعلم كينغ السياسي. والمناضل الإفريقي الكبير نلسون مانديلا الذي عاصر نضاله قال عند تكريمه بجائزة نوبل للسلام عام 1993 أن كينغ كان سلفه الذي سبقه في بذل جهود حل مشكلة العنصرية والكرامة الإنسانية بعدل وإنصاف.

مارتن لوثر كينغ المولود عام 1929هو ابن قسيس شهير في أتلانتا بولاية جورجيا. حصل في السادسة والعشرين من عمره على شهادة الدكتوراه في اللاهوت من جامعة بوسطن. وكان وقتها راعياً لكنيسة مونتغومري بالأباما. وفي عام 1955، شهدت أميركا أبشع حادث عنصري غير مجرى حياة كينغ النضالية. إذ اعتقلت الأميركية السوداء روزا باركس لأنها رفضت أن تخلي مقعدها لراكب أبيض في أتوبيس تابع لبلدية المدينة. ورد السود بمقاطعة أتوبيسات مونتغومري احتجاجاً على نظام الفصل العنصري بين ركاب الأتوبيس. وتزعم كينغ تنظيم حركة المقاطعة وقادها، وبرز كزعيم قومي عندما قررت المحاكم الفيدرالية أن الفصل العنصري في الأتوبيس غير دستوري.

وفي عام 1957، كان كينغ من بين مؤسسي مؤتمر القيادة المسيحية الجنوبية، وهو تحالف من القساوسة السود والكنائس الذين تعاهدوا على النضال من أجل السود دون اللجوء إلى العنف. وأصبح كينغ قوة محركة في المؤتمر، وتميز وقتها بكريزما جماهيرية، جعلت الجميع يقتنعون برسالته الإنسانية، واستطاع جمع التبرعات لصالح السود، ونجح في تكوين التحالفات مع البيض المناهضين للعنصرية.

وبالتعاون مع مؤتمر القيادة المسيحية الجنوبية، نظم كينغ عدة احتجاجات سلمية ضد مؤسسات الفصل العنصري. وفي مايو عام 1963، شهدت الولايات المتحدة حادثاً عنيفاً ضد السود. إذ أطلق مفوض الشرطة في برمنغهام بولاية الأباما الكلاب البوليسية وخراطيم الضغط العالي للمياه على المتظاهرين المسالمين الذين كان معظمهم من طلبة المدارس.

وقد أثارت مشاهد ذلك الحدث موجة من السخط والاشمئزاز في أنحاء الولايات المتحدة. واعتُقل كينغ خلال المظاهرة. وفي زنزانته كتب رسالته البليغة الشهيرة بعنوان «رسالة من سجن برمنغهام». قال فيها، ان الذي يخالف قانوناً جائراً كي يستنفر ضمير مجتمعه، يكون في الواقع معبراً عن أسمى احترامه للقانون، شرط أن يتصرف علناً وبنية حسنة وباستعداد لتقبل العقوبة.

وفي أغسطس من نفس العام، عاشت أميركا يوماً سيبقى في ذاكرة التاريخ. إذ نظم الزعماء الأميركيون السود مسيرة إلى واشنطن للمطالبة بالمساواة. وهناك أمام ما يقرب من نصف مليون مؤيد للحقوق المدنية وبالتحديد عند نصب محرر العبيد الزعيم الأبيض أبراهام لنكولن التذكاري في واشنطن، ألقى مارتن لوثر كينغ خطاباً تاريخياً مازال يعتبر من أقوى وأبلغ الخطابات في التاريخ الأميركي.

وقد تعلمت أجيال متعاقبة من طلاب المدارس سطوراً من خطابه الذي حمل اسم «لدي حلم»، تمنى فيه أن يأتي اليوم الذي لا يحكم فيه على الناس بلون بشرتهم بل بما تكنه طبيعة شخصياتهم. وبالفعل، بدأت الأمور تتجه لصالح السود ففي 2 يوليو 1964، وقع الرئيس الأميركي ليندون جونسون على قانون الحقوق المدنية. الذي يعد أهم انجاز في تاريخ البيت الأبيض بالنسبة للسود منذ انطلاقة لينينكولن لتحرير العبيد.

وفي ذلك العام نال كينغ جائزة نوبل للسلام، وكان قبلها قد اختارته مجلة تايم الأميركية ليحصل عل لقب رجل العام وهو أول أسود يحمل اللقب. ولكن لم تهدأ الأمور بعدها، ففي عام 1965 ردت الشرطة بقسوة في الأباما ضد مسيرة كبرى تطالب بالحقوق الانتخابية مثل البيض. ولكن كانت نتيجة هذه المسيرة إيجابية، إذ أقر تشريع حقوق التصويت وأصبح قانوناً سارياً في 6 أغسطس 1965.

لم تتوقف مسيرة كينغ السلمية من أجل حقوق السود، كان يسعى إلى القضاء على الفقر بينهم. وكانت آخر انجازاته زيارة مدينة ممفيس بولاية تنيسي ليعلن تأييده لإضراب بدأه عمال النظافة السود، وهناك اغتالته رصاصة قاتلة في يوم الرابع من ابريل 1968. مات كينغ، وبقي حلمه الذي صار حقيقة أكدتها الانتخابات الرئاسية التي أتت بالرئيس باراك أوباما إلى البيت الأبيض محققاً فوزاً ساحقاً على منافسه «الأبيض» الجمهوري جون ماكين.

ومشاهد تتويج أوباما في العشرين من يناير، تؤكد أن أميركا أخرى قد ولدت، والأب لهذا المولود الجديد هو مارتن لوثر كينغ الذي يكرمه الشعب الأميركي بالاحتفال بعطلة قومية يوم الاثنين الثالث من يناير من كل عام، للتأكيد أن حلمه لم يمت، بل وبعد العشرين من يناير 2009، صار واقعاً يفخر به كل من ينبذ العنصرية المقيتة.