بدا واضحاً في السنوات القليلة الماضية عودة روسيا لممارسة دور فعال ومؤثر على الساحة الدولية، حيث بات سؤال العلاقات مع روسيا والتقارب منها محل خلافات بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين، ووصلت درجة الخلافات حد طرح السؤال موخراً في الأيام القليلة الماضية حول الخيار بين موسكو وواشنطن في مسألة الأمن الأوروبي، حيث يؤيد كبار الأوروبيين التعاون مع روسيا، بينما لا يؤيد الخيار الأميركي سوى بريطانيا وبولندا ودول البلطيق الثلاثة الصغار (لاتفيا وليتوانيا واستونيا).
أما على الساحة الأسيوية فيبدو التفوق الروسي واضحا والغياب الأميركي أوضح، وخاصة في علاقات موسكو مع الصين والهند وإيران ومعظم دول أسيا، كما لا يخفى على أحد التغلغل الواضح لروسيا في أميركا اللاتينية، وليس أدل على ذلك من جولة الرئيس الروسي ميدفيديف هناك في نوفمبر الماضي والمناورات البحرية التي أجراها الأسطول الحربي الروسي لأول مرة في تاريخه في بحر الكاريبي مع الأسطول الفنزويلي، ومؤخرا دعوة رئيس فنزويلا هوجو تشافيز روسيا لاستخدام قاعدة عسكرية على أراضي بلاده .
الساحة العربية
أما على الساحة العربية فيظل سؤال الدور الروسي محل جدل وربما استغراب ودهشة من الكثيرين، هذه الساحة التي توليها موسكو اهتماماً كبيراً وتسعى بجدية وحماس للتواجد فيها ولعب دور فعال في قضاياها وأحداثها، لكن سعيها لا يحرز نتائج إيجابية ملموسة، وعلى الرغم من أنه لا يختلف اثنان على أن التحرك الروسي في المنطقة العربية هو في الغالب لصالح العرب ودعما لقضاياهم.
إلا أن الغريب في الأمر أن معوقات تفعيل الدور الروسي تأتي من العرب أنفسهم وليس من خصومهم. والغريب أيضاً أن المعوقات تأتي من العرب «القدامى» أي الدول العربية التي كان لها علاقات قوية وتعامل مباشر مع الاتحاد السوفييتي السابق، بينما تتعامل الدول العربية التي لم يكن لها علاقات وتعاملات مباشرة مع الاتحاد السوفييتي، وهم ما يسمونهم في روسيا «العرب الجدد» بفاعلية وواقعية أكثر على أساس تبادل المصالح والمنفعة المشتركة.
ومن الأمثلة الواضحة على ذلك دول مجلس التعاون الخليجي التي انفتحت في علاقاتها مع روسيا الاتحادية الجديدة بعيداً عن الأيديولوجيات والشعارات السياسية وبعيداً عن التحالفات والمساومات والتنازلات، هذه الدول التي استوعبت الظرف التاريخي والتغييرات المتسارعة في موازين القوى السياسية والاقتصادية و«الأمنية» على الساحتين الدولية والإقليمية فرأت ضرورة فتح قنوات ومجالات تعامل واسعة مع روسيا الجديدة على أسس المصالح المتبادلة والمنفعة المشتركة واحترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وهي المبادئ التي تقيم عليها روسيا الحديثة علاقاتها الخارجية مع جميع دول العالم الآن.
الجمعية الخيرية
مازال العرب «القدامى» الذين يزعمون أن لديهم الخبرة السياسية الطويلة في التعامل مع روسيا يتعاملون معها حتى الآن بمفاهيم قديمة من رواسب الحرب الباردة وصراع القطبين متصورين أنها مازالت هي «الجمعية السوفييتية الخيرية» التي تعطي بلا مقابل وتساعد وقت السؤال والحاجة وتقبل الصدود والإهمال وحتى «الإهانة» أحيانا.
ومع هذا تظل تعطي، مثلما حدث العام 1971 عندما طردت مصر «السادات» الخبراء السوفييت ومع ذلك لم تتخل عنها موسكو في حرب أكتوبر1973، وها نحن الآن نرى الجزائر التي أعفتها موسكو من ديون تتعدى السبعة مليارات من الدولارات تخل بالتزاماتها مع روسيا وتعيد لها في نهاية العام الماضي الطائرات من طراز ميج ـ 29 التي اشترتها منها العام 2006 بحجة عدم صلاحيتها، ثم ينكشف بعد ذلك أن الجزائر خضعت لضغوط غربية.
وخاصة من فرنسا التي طلبت منها إعادة الطائرات لروسيا وشراء طائرات فرنسية من طراز «رافال» التي هي أقل كفاءة من الطائرات الروسية بكثير، وفي نفس الوقت تلغي الجزائر اتفاق الغاز الذي عقدته شركة «سوناطراك» الجزائرية مع شركة «غابروم» الروسية عام 2006، مما أكد أن إعادة الطائرات ليس لعدم صلاحيتها ولكن لأسباب أخرى ونتيجة تدخلات وضغوط خارجية، وكعادتها لم تعترض روسيا واستعادت طائراتها، وفي فبراير عام 2008 توجه الرئيس الجزائري بوتفليقة إلى موسكو في زيارة مفاجئة ذكرت مصادر روسية أنها استهدفت إصلاح ورأب الصدع الذي شاب علاقات الدولتين على خلفية هذه القضية.
حتى حماس
أما على صعيد سوريا صاحبة التاريخ الطويل في العلاقات مع موسكو، والتي أعفتها روسيا أيضاً في العام الماضي من ديون تزيد على 14 مليار دولار ودعمتها بالسلاح اللازم لها في ظل التهديدات التي تواجهها فإنه يبدو أن هناك توجهات جديدة تفرض نفسها بشأن مسار سياسة دمشق لجهة تعزيز دور واشنطن في عملية المفاوضات بشأن المسار السوري الأمر الذي انعكس في تصريح الرئيس بشار الأسد لصحيفة الراية القطرية العام الماضي وأشار خلاله إلى أنه لا يرى ضرورة لعقد مؤتمر دولي لأزمة الشرق الأوسط في موسكو ويرى أن أوراق الشرق الأوسط كلها في يد واشنطن.
كما سافر الزعيم الليبي القذافي في زيارة استعراضية لروسيا في نوفمبر الماضي، وصمم على نصب خيمته في حديقة قصر الكريملين، واستقبل بترحيب بالغ بعد أن أعفت روسيا ليبيا من ديون بلغت 5,4 مليارات دولار، وقيل ان ليبيا ستعقد صفقات شراء سلاح واتفاقات مشاريع سكك حديدية ومشاريع في الطاقة مع روسيا، ولكن شيئا من هذا كله لم يحدث، حتى الفلسطينيين الذين تدعمهم روسيا دائما سواء منهم السلطة الفلسطينية أو المقاومة الفلسطينية.
وعلى رأسها حركة حماس التي استقبلت موسكو قادتها في مارس عام 2006 في الوقت الذي كانت دول العالم كله ترفض التعامل معهم بما فيها معظم الدول العربية، لم يتفاعلوا بجدية مع انعقاد المؤتمر الدولي للشرق الأوسط في موسكو وتهربوا منه وذهبوا يلقون جميعا بأوراقهم على طاولة الحوار والمفاوضات تحت رعاية أميركية وإسرائيلية، والأمثلة كثيرة على تراجع العرب القدامى عن التعامل المباشر مع روسيا في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية.
دول الخليج
ويأتي العرب الجدد بفكر جديد وعلى أسس ومبادئ جديدة ليعيدوا الثقة لدى روسيا في التعامل مع العرب عموما، وتأتي زيارة العاهل البحريني الملك حمد بن عيسى آل خليفة في ديسمبر الماضي لروسيا لتعكس الرؤية الواقعية للدور الروسي المهم على الساحة الاقتصادية الدولية، وخاصة في ظل الأزمة المالية العالمية، وأيضاً رؤية ثاقبة ووعي بالدور الروسي المهم في الأمن الإقليمي وخاصة الأمن الخليجي بحكم العلاقات الوطيدة بين موسكو وطهران.
وباعتبار أن روسيا الحليف الأكبر، وربما الوحيد لإيران، لتضع هذه الزيارة التاريخية لأول حاكم خليجي لروسيا في تاريخها أسسا جديدة ليس فقط في التعاون في المجالات الاقتصادية والصناعية والمالية والنووية السلمية وغيرها، ولكن أيضاً لتفتح المجال لتفعيل الدور الروسي المهم والحيوي والضروري للعرب قبل غيرهم من أجل إصلاح الخلل في التوازنات الإقليمية في المنطقة.
وإذا كانت زيارة ملك البحرين حمد بن عيسى آل خليفة لروسيا تعد أول زيارة لحاكم دولة من دول مجلس التعاون الخليجي لروسيا في تاريخها، فقد كان العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز زار روسيا في سبتمبر 2003 عندما كان وليا للعهد قبل توليه الحكم في السعودية، وكانت زيارة أيضاً تاريخية حيث أرست دعائم تعاون متين بين المملكة العربية السعودية وروسيا في مختلف المجالات، وبعدها انطلقت العلاقات السعودية الروسية إلى آفاق واسعة أثارت قلقاً كبيراً لدى العديد من الدوائر الغربية وخاصة في واشنطن، باعتبار أن روسيا والسعودية هما أكبر دول العالم إنتاجاً وتصديراً للنفط، كما تطور التعاون الروسي مع دولة قطر بشكل ملحوظ، وخاصة في قطاع الغاز.
حيث أصبحت قطر إحدى ثلاث دول مع روسيا وإيران ضمن مجموعة الدول المصدرة للغاز والتي تسعى فيما بينها لتشكيل منظمة لمصدري الغاز على غرار أوبك النفطية. كما تطورت العلاقات بين روسيا ودولة الإمارات العربية المتحدة في مجالات عديدة، ومنها استيراد التقنيات العسكرية الحديثة، وأيضاً في مجالات التجارة والسياحة حيث يقيم في الإمارات أكبر جالية روسية في المنطقة يزيد عددها على أربعين ألف فرد يعملون في مختلف المجالات، وتأتي زيارة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي لروسيا منذ أيام قليلة لتعكس مدى التطور الكبير في العلاقات بين البلدين باعتبارها أول زيارة لمسؤول إماراتي على هذا المستوى لروسيا.
وكان رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين قد زار الإمارات في العاشر من سبتمبر عام 2007 عندما كان رئيسا لروسيا، وكانت أيضاً أول زيارة لرئيس روسي لدولة الإمارات، وعلى ما يبدو أن العلاقات الروسية ـ الإماراتية سوف تشهد في المستقبل القريب قفزة كبيرة في العديد من المجالات الاقتصادية والتجارية، خاصة وأن دولة الإمارات تحظى باهتمام كبير من قبل المستثمرين الروس.
الأردن وتعاون نووي
وقد ظهرت المملكة الأردنية الهاشمية التي لم تكن لها علاقات بارزة مع الاتحاد السوفييتي السابق في عهد العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني كأنشط الدول العربية في التعامل مع روسيا، وتعدت زيارات العاهل الأردني لموسكو السبع زيارات حتى الآن كان آخرها في أغسطس الماضي، وأثمرت هذه العلاقات عن مجالات تعاون واسعة الآفاق خاصة في مجال التصنيع العسكري، حيث أصبحت المملكة الأردنية بفضل هذا التعاون وفي سنوات قليلة من الدول المنتجة للسلاح بالتعاون والتصنيع المشترك مع الشركات الروسية، وظهر هذا الإنتاج في المعارض والأسواق، ومنها راجمات الصواريخ «هاشم» والمركبات الشبيهة بسيارات «هامر» الأميركية وغيرها من الأسلحة الخفيفة والثقيلة التي جعلت من الأردن أول دولة عربية منتجة للسلاح.
وخطت العلاقات الأردنية ـ الروسية منذ أيام قليلة في السادس والعشرين من فبراير الماضي خطوة جديدة وهامة للغاية بتوقيع اتفاق تعاون نووي بين البلدين في المجالات السلمية، هذا الاتفاق الذي أثار جدلاً كثيراً في الوقت الذي تتصاعد فيه مشكلة البرنامج النووي الإيراني الذي تشرف على بنائه وتنفيذه الشركات الروسية.
كما يأتي في توقيت تتهرب فيه بعض الدول العربية الكبيرة، وخاصة منها الدول صاحبة العلاقات الطويلة مع الاتحاد السوفييتي، من التعاون النووي مع روسيا في المجالات السلمية وتذهب للتعاقد مع شركات أميركية لبناء محطات نووية بتكلفة أعلى بكثير وبمواصفات أقل جدوى، ولا شك أن ما تفعله المملكة الأردنية يثير اهتمام وتساؤلات الكثيرين، خاصة وأن العلاقات بين الأردن والولايات المتحدة وبريطانيا متميزة أكثر بكثير من أية دولة عربية أخرى، ألأمر الذي يطرح التساؤل المهم: لماذا يتردد العرب في التقارب مع روسيا، ومما يخافون؟
مغازي البداوري


