في وسط العواصف العاتية التي تثيرها الأزمة المالية الراهنة.. ترتفع أصوات.. خبيرة وعاقلة أيضا.. ومن مواقع شتى من خارطة عالمنا وتقول: إذا أردت الاستثمار الناجح والعائد الطائل فلا تقصد المواقع التقليدية في أوروبا أو أميركا.. واسمع نصيحة واحدة: عليك بأفريقيا. هذه النصيحة لا تكتمل في تصورنا إلا بأن تتلوها نصيحة أخرى.. لغوية هذه المرة.. وتقول بدورها: عليك أيضاً بتعلم «الماندرين» اللغة المستخدمة في عموم الصين. وعندنا أن النصيحتين متكاملتان..
لماذا؟
لأنهما ببساطة تحيلان إلى نجمين صاعدين بقدر ما أنهما واعدان في دنيا المال والأعمال، وكذلك لأنهما يشقان طريقهما في تؤدة وبغير سند من جلبة الدعاية وصخب الإعلان. صحيح أن وتائر صعود الصين أصبحت موضعا لتحليلات ودراسات وتوقعات شتى من أنحاء العالم، لكن الأصح أن هناك من مراقبي ساحة الاقتصاد السياسي في العالم من بات يفرد للصين مكانا متميزا بل هي مكانة خاصة في مصفوفة العلاقات الدولية.
الصعود وتوقعات زكريا
والشاهد أن سبق إلى تأكيد هذا الصعود الصيني الكاتب الأميركي من أصل هندي «فريد زكريا» في كتابه المهم الذي صدر في مثل هذه الأيام من العام الماضي تحت عنوانه الشهير: «عالم ما بعد أميركا»
وفي الكتاب يوضح «فريد زكريا» أن حقبة ما بعد أميركا، وهي بالتحديد حقبة تجليّات ما بعد بوش، فضلا عن سنوات تأتي من هذا القرن الواحد والعشرين ؟ من شأنها أن تشهد 3 أقطاب اقتصادية ومن ثم سياسية في عالمنا وهذه الأقطاب هي:
أميركا.. ثم الصين (في موقع الغريم المنافس) وتليهما الهند (في موقع الصديق الحليف)
لكن الأصح كذلك أن تتوقع مجلة «الإيكونومست» البريطانية في دراسة منشورة في أحدث أعدادها الصادرة (22/3) عن نظرة الصين إلى عالم اليوم، طبعا في ضوء الأزمات المالية ـ الاقتصادية التي استبدت بمقاديره. وفي الدراسة توقعت الإيكونومست وجود قطبين بغير ثالث يسيطران في رأيها على مداولات مؤتمر قمة مجموعة العشرين في لندن.. هذان القطبان هما أميركا + الصين، ولدرجة أن تطلق المجلة الإنجليزية وصف «مؤتمر الاثنين» (بغير ثالث) ـ على ذلك الجمع الذي ضم 20 دولة بالتمام والكمال.
إلى هذا الحد أصبحت بيكين تمارس تأثيرا بالغ الفعالية على أحوال العالم.. إلى الحد الذي لم تعد تصلح معه تقاليد التهذيب الأسيوي المتوارثة من فلسفة كونغوشيوس وتقضي بأن تشق طريقك في صمت ولو مصطنع، وأن تحقق أهدافك ولكن بغير جلبة بعيدا عن الأضواء. وعبر الثلاثين سنة الأخيرة ظلت العاصمة الصينية تردد القول بأنها تمثل دولة نامية وشعبا متواضعا يحاول أن يتطور.. وأنها ؟ بعد إذنكم ؟ مجرد لاعب متواضع على الساحة العالمية.
لكن ها هي النغمة المنبعثة من الصين تتغير جذريا في الآونة الأخيرة.. لدرجة أن يعلن رئيس وزرائها «ون جيباو» أن بلاده تمثل «قوة عظمى».. وأنها يساورها القلق إزاء نهج الإنفاق المسرف الذي تتبعه أميركا خاصة وقد بلغت الديون المستحقة للصين في عنقها نحو تريليون دولار.
هيلاري وساركوزي
لا عجب أن لاحظ المراقبون أن الجماعة في الصين استقبلوا هيلاري، وزيرة خارجية أميركا في زيارتها الأخيرة للصين بوصفها تمثل ندا متساويا وقطبا متكافئا.. فيما أدرجت نفس الجماعة الرئيس الفرنسي ساركوزي في قائمة الصين السوداء لأنه تجاسر على استقبال خصمهم التاريخي في التبت وهو الزعيم الروحي الدلاي لاما.
في مجال السياسة الخارجية تحرص الصين، بذكاء أسيوي نراه مزيجا من الدهاء والخبث ـ على أن تنأى بنفسها عن دوامة المشاكل العاتية والمعقدة أيضاً التي تواجه العلاقات الدولية. ويتجلى هذا الأسلوب في موقف الصين من قضايا إقليمية في الشرق الأوسط مثل إيران والسودان. وهي ترفع في ذلك الشعار الأثير والعتيد الذي يقول بحرصها على عدم التدخل في الشؤون الداخلية لأطراف أخرى.
لكن الصين تتدخل بالفعل في أفريقيا.. وهذا ما ينقلنا إلى الجزء الثاني من طروحات هذا الحديث. تعرض مجلة تايم الأميركية (عدد 23/3) 10 محاور تتعلق في رأيها بعشرة متغيرات راهنة تطرأ على عالمنا المعاصر.
من هذه المحاور ما يتعلق تحديدا بالصورة المتغيرة للقارة الأفريقية.. لم تعد أفريقيا مقترنة بتلك الصورة النمطية المقولبة الجامدة التي تظهر فيها جحافل من أطفال جوعى أو أدغال تفتك بها الصراعات الأهلية أو قرى مكتوب على أهلها علامات الفقر والتعاسة.. إن أفريقيا تشهد تحولات تجعل منها موقعا مرتقبا واعدا ومرغوبا للعمل والإنتاج والاستثمار. تحفل أفريقيا حاليا باتجاهات فكرية وكتابات واعية صدرت مع مطالع عام 2009 الحالي بأقلام خبراء ومفكرين أفارقة وكلها تجمع على أمر جوهري يقول بالفم المليان:
- أيها السادة.. أفريقيا لا تريد المعونة ولا التبرعات.. ولا مدفوعات الإحسان الخيرية.. إن المعونة تصيب الشعوب بالتواكل ومد اليد انتظارا لعطايا الآخرين.. أفريقيا تريد الشراكة في استثمار مواردها الطبيعية الثرية وفي تشغيل طبقة عاملة ومنتجة من أبنائها.
طرف دولي واحد وبارز أدرك هذه الحقيقة وخطط لتلك الشراكة.. وهذا الطرف اسمه الصين. بهذا تجاوزت الصين خلال السنوات الأخيرة النظرة الغربية التقليدية نحو أفريقيا.. وفي هذا تقول التايم أيضاً في إيجاز بليغ: فيما انشغلت قوى الغرب العظمى بآفة الفقر في أفريقيا.. جاءت الصين لتنشغل بثراء الموارد البكر التي حظيت بها القارة السمراء. وهكذا بدأت الصين تنبني جسور تواصلها مع أطراف أفريقيا شتى.. وعلى حد تعبير وزير خارجيتها «يانغ جيشي»: جئنا لتحقيق مصلحة الطرفين.
البيزنس على رأس الأجندة
والمعنى أن الصينيين قدموا إلى أفريقيا لا ليقدموا معونات.. بل جاءوا ليقيموا مشروعات.. الأجندة هنا هي البيزنس.
هذه الأجندة ترجمت بنودها إلى حقائق تجسدها المعلومات التالية:
إن التجارة بين الصين وأفريقيا زادت بنسبة 30 في المئة خلال سنوات العقد الماضي.
بلغ حجم هذه الزيادة أكثر من 106 مليارات دولار بالتمام والكمال في عام 2008 وحده.
إن بيكين تحرص على تنويع علاقاتها وأنشطتها الاقتصادية فيما بين دول شتى في القارة ما بين استخراج النحاس في زامبيا.. إلى تعدين الكوبالت في الكونغو إلى إنتاج البترول في أنغولا.. وفي كل من هذه المواقع وفي غيرها تتولى الصين إنشاء مرافق البنية الأساسية التي تمسّ الحاجة إليها في تلك الأرجاء.. بما في ذلك السدود والطرق المعبدة والمدارس والمستشفيات.
هذه المنجزات هي التي دخل بها ممثل الصين مؤتمر أبريل الذي اختتم أعماله أمس الأول في عاصمة الإنجليز.. وبفضلها يسمع المجتمعون صوته.. بل ويصغون إليه في اهتمام وتقدير.
بقلم ـ محمد الخولي


