لم ننتج إلى الآن خطاباً دينياً متسامحاً ومتلائماً مع روح العصر ومتطلباته ولم نقدم نموذجاً إسلامياً حداثياً على مستوى الفكر والممارسة. هذه رؤية للدكتور عبدالحميد الأنصاري أستاذ الشريعة في جامعة قطر قد تكون مقبولة في سياقها العام، غير أن متابعة الإطار الفكري الذي يمثله صاحبها وإسهاماته تجعلنا نتوجس خيفة مما قد تخفيه من أهداف، وتجعل منها خطاباً ليس لنقد الذات أو حتى جلدها وإنما سلخها.. الاتجاه الذي يتنامى لدى بعض كتابنا من «المتلبرين العرب».. سواء كانوا ينطلقون من خلفيات علمانية أم من واجهة إسلامية.
ولعل المتابعة المتأنية والرصيد الدقيق لما يقدمه الدكتور الأنصاري تؤكد ما نقول، فالرجل على صعيد هذه الرؤية تحديداً في حديثه عن غياب التسامح على صعيدنا الإسلامي يغفل كثيراً عن كونه في مظهره المعاصر رد فعل لموقف مماثل على الصعيد الغربي.. إلى الحد الذي يمكن معه وصف ما يجري على الجانب الآخر الغربي تحديداً باعتباره نوعاً من التمييز العنصري وتعزيز أجواء الكراهية والأمثلة كثيرة وليس هنا مجال سردها وتمتلئ بها كتابات غربية أساساً وليس عربية ما ينفي عن الرأي الذي نقدمه شبهة عقدة الشعور بالاضطهاد.
وأما على أصعدة أخرى، فهو يقدم ما قد يبدو للكثيرين الغريب من القول، وإن كان لا يبدو له كذلك، ومجمل أفكاره تدور في الفلك الأميركي، وهو لا ينكر ذلك، بل يشعر بالفخر له، وهو صاحب مقولة تتسم بجرأة يحسد عليها حيث يؤكد أنه ليس لديه مانع أن يكون عميلاً أميركياً إذا كان هذا لمصلحة بلده ومن منطلق وطني. ولأن مفهوم المصلحة الوطنية ذاته مفهوم مطاط، فإن ذلك يتيح مساحة حركة كبيرة لأصحاب مثل هذا المنطق.
على خلفية هذه النظرة للمصلحة أو العمالة.. حيث تتلاشى الفروق هنا.. يشرعن الأنصاري مثلاً للوجود الأميركي في العراق باعتبار أنه موجود بناءً على طلب الحكومة الرسمية، متغافلاً عن أن هذه الحكومة أقيمت بعد الغزو وليس قبله. وينفي عنه صفة الاحتلال موازياً بينه وبين ما يشير إليه بشأن الوجود الأميركي في الخليج وهو منطق مغلوط وزائف حيث ان طبيعة الوجود بالغة الاختلاف، بغض النظر عن الموقف النهائي من هذا الوجود ككل. كما أنه يتغافل عن القضية الأساسية التي بنت عليها الإدارة الأميركية مبرراتها للغزو وهي أسلحة الدمار الشامل التي ثبت عدم وجودها ما يستدعي محاكمة رموز الإدارة الذين قاموا على هذه العملية.
يحاول الأنصاري على الصعيد ذاته في مسعى لتسويق الاحتلال الأميركي للعراق تبرئة الولايات المتحدة من الإرهاب هناك فيما بعد الغزو رغم أنها السبب الرئيسي فيه بشهادة الكثير من الرموز الأميركية حيث لم يكن العراق يشهد مثل هذه العمليات قبل الغزو.
ولأن الأمر يعبر عن منظومة فكرية متكاملة ومتسقة لدى الدكتور الأنصاري وليس مجرد موقف عابر من قضية ما فإن كتاباته تشير إلى موقف معاد للظاهرة الدينية في مجملها على نحو يحاول معه تشويه بعض القضايا ولذلك نجده يروج مثلاً لمقولة غربية مفادها أن الإسلاميين يخشون الانتخابات، مروجاً للمقولة التي يكررها المستشرق برنارد لويس المعادي للإسلام كثيراً في كتاباته أنهم يعتمدون شعار «رجل واحد صوت واحد مرة واحدة». من الغريب أن الأنصاري يستشهد بتجربة الإنقاذ في الجزائر التي تدحض ما يقول واستخدمت من قبل الكثيرين للإشارة إلى زيف الغرب في دعواه بشأن مساندة التطور الديمقراطي في العالم الإسلامي. هذا غيض من فيض يكشف أننا أمام كاتب يراعي المصلحة الوطنية وفق فهم يتمتع بسمعة سيئة لدى الكثيرين!
