على خلاف ما يعتقده الكثيرون، ليس بالضرورة ان تنتهي الأزمة الاقتصادية العالمية، التي تضرب الدول النامية في العمق، بالطريقة التي بدأت بها، أي أنها لن تنتهي فيها بمجرد انتهائها في الدول المتقدمة، لأن الأزمة بالنسبة للدول الضعيفة تشكل ضربة مزدوجة، عالمية ومحلية، وبالتالي فان اقتصاداتها تعاني أكثر من المتقدمة التي بدأت منها الأزمة، ثم انتقلت إلى العالم.
ولقد أصابتني الدهشة، وأنا أستمع إلى مسؤول عربي رفيع يتحدث عن الأزمة بقوله ليس معقولاً أن تترك الدول المتقدمة الأزمة فلابد أن تعمل على علاجها. وهو ما يعني أن هذا المسؤول لا يعرف ماذا يفعل حيال الأزمة التي ضربت بلده، وأنه في انتظار الحلول الخارجية من دون تحرك حقيقي على المستوى الوطني، ربما دون أن يدري أنه يغامر ببلده اقتصادياً وسياسياً، لأن الحلول العالمية لن تحل مشكلته مباشرة. فالدول الكبرى التي تتصدى للأزمة تسعى لحل مشكلاتها بالدرجة الأولى على حساب جميع الاقتصادات النامية.
يضاف إلى ذلك أن دول العالم المتقدم غير قادرة حتى هذه اللحظة على وضع استراتيجية عالمية يمكن أن يركن إليها هذا المسؤول وغيره ممن احترفوا التبعية الاقتصادية والسياسية للقوى الكبرى، ومن هنا يكون رهانه على الحلول القادمة من وراء الحدود وهم مدمر.
عندما ضربت الأزمة الاقتصادات النامية كانت الآثار موجعة، لأن هذه الاقتصادات تلعب دور الضحية في الساحة الدولية منذ ما قبل الأزمة، فهي قد عانت ومازالت من تخبط الأسواق العالمية على مستوى أسعار الطاقة والغذاء، إلى جانب معاناتها مع المديونية والبطالة والفساد المالي والسياسي في إطار الأزمات الهيكلية التي تعاني منها في الأصل. ومن ثم فمن الخزي استمراء دور الضحية الاقتصادية عالمياً، خاصة، ان هناك تحذيرات دولية بأن 95 دولة سوف تدفع الثمن من استقرارها السياسي بسبب الأزمة، ومن بينها دول عربية.
ومنذ أيام اتهمت منظمة التجارة العالمية الاتحاد الأوروبي بالتأثير سلباً على حركة التجارة العالمية من خلال اتباع سياسات ذات طبيعة حمائية داخل نطاق الاتحاد، وفي ذات الوقت تجري حرب اقتصادية بين ضفتي الأطلسي على صعيد العملات الدولية والتبادل التجاري، كما تبدي الصين تخوفات علنية على استثماراتها داخل الولايات المتحدة، فيرد عليها الرئيس باراك أوباما برسالة تطمين.
وهناك تحذيرات من تراجع المساعدات التي تقدمها الدول المتقدمة إلى النامية، وأن هذا التراجع مرشح للاستمرار طوال مدة الأزمة التي لا يعلم مداها إلا الله وحده، فإذا كانت هذه الأجواء هي ما يحكم العلاقات الدولية الآن، فان الصغار لا شك يراهنون على الوهم ان تصوروا بأنهم موجودون على خريطة الإنقاذ العالمية من جانب أي طرف. وعليهم بدلاً من انتظار ما لن يأتي أن يتحركوا سريعاً في إطار عربي وغير عربي للبحث عن استراتيجيات حقيقية وفعالة للخروج من الأزمة، فالقوى الكبرى مشغولة بنفسها أولاً وأخيراً، وإذا كانت هناك استعانة ببعض الدول النامية في تجمعات اقتصادية دولية فذلك لمصلحة الأقوياء وفقط.
الخوف أن تظل هذه الدول الضعيفة في انتظار الحل الآتي من الخارج، فإذا جاء بعد سنوات، فإنها تكون غير قادرة على الاستفادة منه لأن الأزمة ستكون قد حطمتها اقتصادياً، بما لا يمكنها حتى من التقاط الثمرة، لأن الانتظار السلبي سيأتي على كل ما لديها من قوة وقدرة.
