تنطلق اليوم في العاصمة القطرية الدوحة القمة العربية الحادية والعشرين، وسط تساؤلات مزمنة عن مدى قدرة نظامنا العربي على استعادة عافيته، التي أصيبت بالوهن جراء توحش الخلافات العبثية وتلك العابرة للقارات والمفروضة على دولنا القطرية، الأمر الذي جعل الحديث عن حرص حقيقي على الأمن القومي العربي من قبيل الحديث عن العنقاء والخل الوفي.
فمنذ نهاية حقبة السبعينات من القرن الماضي تفرقت السبل بأقطار وطننا العربي، تحت وطأة توقيع معاهدة أول صلح عربي بين مصر وإسرائيل. وزادت رعونة الرد العربي من رقعة الشقاق، وفاقم من المأزق محاولة البعض المدفوعين بطموحات قطرية لتوظيف الشعار والحلم القومي لخدمة أهدافهم الصغيرة بتوارث الدور المصري، بل وعزل مصر ونقل مقر الجامعة العربية من القاهرة إلى تونس.
والمتأمل لدرس تلك الفترة يدرك حجم الملهاة العربية التي تنشغل في أحيان كثيرة بالخلافات الهامشية والتناقضات الثانوية، وتتجاهل مخاطر التناقض الرئيسي. بمعنى مباشر تركز الحكومات والنظم القطرية العربية على خلافاتها البينية الصغيرة، وتغض الطرف وتدفن العيون في الرمال حتى لا ترى الخطر الرئيسي المتمثل جهارا في العدو الأجنبي الرابض على الحدود والقاطع لكل طريق يربط المشرق بالمغرب العربي.
والحاصل أن مرحلة القطيعة العربية مع مصر صبت في قناة تقوية ودعم نفوذ العامل الأجنبي، وجعلت التدخل الأميركي والغربي أعمق مما كان، ليس داخل مصر وحدها، بل في معظم عواصم القرار العربي. فلقد استفادت أميركا وبالمثل إسرائيل من مرحلة عزل مصر، ولم تضيع أي فرصة لتوسيع قاعدة أنصارها وتوابعها في كل المجالات الإعلامية والسياسية والاقتصادية، بل وخلقت أطراً وطوائف اجتماعية مرتبطة عضوياً بأجهزة المعونة ووكالة التنمية الأميركية.
وفى باقي العواصم العربية، وظفت أميركا كل إداراتها ووكالاتها الاستخبارية والعسكرية والإعلامية والاقتصادية لربط تلك الدول بدولاب المصالح الأميركية الإقليمية والدولية. ظهر ذلك جلياً في إغراق العراق في حربي الخليج الأولى والثانية. يرتبط بذلك نجاح إسرائيل غير المسبوق في اختراق جدار المقاطعة العربية، خصوصاً عبر دول (الهامش) أو دول (المحيط) بعد أن تراجع دور دول «المركز».
على أن ابرز نجاحات الغرب وإسرائيل من مرحلة القطيعة العربية وعزل مصر، ارتفاع نبرة المصلحة «القطرية» على حساب المصلحة القومية، وتراجع مفهوم الأمن القومي العربي الشامل لصالح الأمن القطري الضيق، دون أن يتنبه العرب إلى انه لا وجود حقيقي لأمن دولة صغرت أو كبرت في غياب الأمن القومي. فلقد استبيحت حدودنا الوطنية والقومية وأشعلت صراعات داخلية وأوقظت أقليات على نداء اجتبى يحرضها على الانسلاخ عن الوطن الأم أو محاربته وإضعافه، بزعم نيل استقلال مسموم لن يستفيد منه سوى العدو وعملائه.
غايته، ونحن نترقب اليوم مؤتمر القمة العربية في الدوحة، نأمل أولاً في التئام عقدها بحضور كل الدول العربية، وان يكون التمثيل على مستوى القادة، حتى لا يتكرر مشهد قمة دمشق. فمستوى التمثيل يعكس جدية جهود المصالحات العربية التي تكللت بقمة الرياض الرباعية التي جمعت قادة السعودية وسوريا والكويت ومصر. كما انه يضع القمة أمام استحقاق المصالحة أو على الأقل إدارة الخلافات.
والشاهد أن مستوى الحضور في أي قمة عربية يشير بالضرورة إلى حيوية النظام العربي وقدرته على مواجهة التحديات والتصدي للمخاطر الخارجية والداخلية. وفى الفترة الحالية يواجه العرب تحديات جوهرية تهدد أمنهم القومي، لدرجة تشطب فيها كلمة«الاستقلال» من قاموسهم السياسي لصالح أعدائهم الذين يتسترون خلف شعارات براقة عن العدالة والحرية. وهي حرية تطلق يد القاتل الإسرائيلي وتجعل منه جلاداً وقاضياً.
