أمام العرب وولاة أمور الفلسطينيين فرصة للنيل من إسرائيل وتقديم رموزها من القتلة وسافكي الدماء إلى العدالة الدولية للقصاص من جرائمهم التي أسقطنا الكثير منها من قبل بالتقادم والتراضي. فرصة العرب، يدعمها الآن الغرباء، وبالتحديد من يعبرون عن ضمير المجتمع الدولي، الذين يرفضون الصمت على الجرائم التي ارتكبت في غزة في وضح النهار.
بين أيدينا وثيقة اتهام صريحة أعدها المحقق الأممي ريتشارد فولك مبعوث الأمم المتحدة الخاص بأوضاع حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية. وثيقته أو تقريره يقول ان القضية الأساسية ليست استخدام إسرائيل للقوة المفرطة، بل انتهاكها للقانون بدخول قواتها إلى غزة. وهذا العمل حسب تعبيره يرقى إلى مستوى جريمة حرب. ووصف العزل القسري الذي تعرض له أهالي غزة بأنه جريمة ضد الإنسانية.
وقال انه من خلال العبارات التي كتبها الجنود الإسرائيليون على جدران المنازل التي اقتحموها في غزة ومنها «سنقتل كل العرب والعربي الطيب هو العربي الميت» وغيرها من رسائل التهديد المفزعة والموجهة للمدنيين الفلسطينيين تعني بوضوح أن الجنود الإسرائيليين، تلقوا من قادتهم الحرية للهجوم على المدنيين. فولك ليس أول مسؤول دولي يشير إلى جرائم الحرب الإسرائيلية.
من قبله كشفت مفوضة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان نافي بيلاي عن الانتهاكات في غزة. والصليب الأحمر الدولي أيضاً فضح ممارسات جنود الاحتلال ضد الجرحى. يضاف إلى ذلك، تقرير دولي يتهم إسرائيل صراحة باستخدام الأطفال الفلسطينيين كدرع بشري في غزة. فقد كشفت راديكا كوماراسوامي الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة الخاصة بحماية الأطفال في مناطق النزاع المسلحة، ان القوات الإسرائيلية أجبرت طفلا في منطقة تل الهوى في غزة على المشي أمام جنود إسرائيليين يتعرضون لإطلاق النار في القطاع وطلبوا منه الدخول في أحد المباني قبل أن يدخله الجنود.
من لا يكفيه تقرير فولك أو كوماراسوامي، هناك الأهم وهو اعترافات جنود الاحتلال الإسرائيلي بجرائمهم. اعترافات أكدت أن ثقافة الجيش الإسرائيلي قائمة على نزع صفة الإنسانية في التعامل مع الفلسطينيين. صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية نشرت شهادات جنود اعترفوا بأن قناصا منهم أطلق النار على أم فلسطينية وطفليها الصغيرين، وان قائد وحدة أمر جنوده بقتل امرأة مسنة. وهناك مجموعة إسرائيلية تحمل اسم «كسر جدار الصمت» وتتألف من جنود سابقين في الجيش الإسرائيلي كشفت أدلة عن السلوك الإسرائيلي خلال الحرب. كانت أوامر قادتهم لهم «أطلق الرصاص، ولا تلق بالاً للعواقب، دع الأخلاق جانبا، فعلينا أن نؤدي عملنا».
لقد ارتكب جنود الاحتلال جرائمهم بأوامر من قادتهم، وبفتوى أعدها الحاخامات اليهود وكانت توزع عليهم، تطالبهم بالقتل وفحواها يقول «نحن الشعب اليهودي، جئنا إلى هذه الأرض بمعجزة، وبات علينا أن نحارب الأغيار ونطردهم بشتى الطرق لأنهم يقفون في طريق سيطرتنا على هذه الأرض المقدسة».
الوثائق الدولية التي تدين الدولة العبرية، ومعها أيضا شهادات واعترافات الجنود الإسرائيليين الموثقة في الصحف الإسرائيلية، كلها تعزز مصداقية أي تحرك عربي جاد لنقل ملف جرائم الحرب في غزة إلى المحكمة الجنائية الدولية التي سيكون عليها أن تنفي عن نفسها تهمة تطبيق سياسة المعايير المزدوجة. ولكن للأسف.. أصحاب الشأن مشغولون بحواراتهم العسيرة التي تستهدف المصالحة وإعادة ترتيب وترميم البيت الفلسطيني المتصدع. حوارات تبدو حتى الآن وكأنها تدور في حلقة مفرغة.
