الغريمان أحدهما بريطاني والثاني أميركي. رحل الأول عن الدنيا في عام 1946 ورحل الآخر إلى الآخرة في عام 2006. مع ذلك ينتمي الاثنان إلى جيل سبق عاش وعمل وأنتج وحقق الشهرة والمال أيضاً منذ سنوات النصف الأول من القرن العشرين. السؤال المطروح هو: لماذا يستعيد العالم في اللحظة الراهنة اسم كل من هذين الغريمين؟ وبالمناسبة: الأول اسمه جون مينارد كينز والثاني اسمه ميلتون فريدمان.

خمسون عاما فصلت بين رحيل الرجلين: الإنجليزي والأميركاني عن دنيا الأحياء.. لكن يبقى السؤال الثاني مطروحا وبإلحاح شديد: لماذا هما غريمان.. وما سبب هذه المنافسة إلى حد التعارض بل التناقض بين الرجلين؟ نحن نكتب هذه السطور من أميركا حيث عاد الاسمان يترددان على كل لسان سواء في ميديا الإعلام أو في دوائر الأكاديميا أو على مستوى دنيا المال والأعمال في وول ستريت.

عاد اسما الرجلين إلى دوائر الضوء وبؤرة اهتمام الناس، لا من باب استدعاء الذكريات ولا تقليب دفاتر الماضي.. الزمن الجميل كما يقول المصريون.. ولكن لأن الأزمة المالية أصبحت مستحكمة، وما زالت تداعياتها ؟ أو فلنقل عقابيلها السلبية ؟ تتسع وتنداح مثل بقعة الزيت فوق سطح ورق مصقول.. اندلعت شرارتها الأولى في الخريف الماضي من جنبات «وول ستريت» ذلك الشارع بل هو الزقاق المكدس الصغير في ضاحية مانهاتن ؟ فإذا بالشرارات تتحول إلى ألسنة من لهيب يكاد يهدد الاقتصاد العولمي كله ولا يكاد ينجو منه بلد أو مؤسسة اقتصادية أو نظام تمويلي في الشرق أو في الغرب.

بحث عن المرجعية

وعندما تشتد الأزمة بالناس. يلتمسون على الفور مرجعيات موثوقة يستفتونها ويسبرون آراءها ويحاولون الركون إليها. ولكل من هذين الغريمين حكاية بوصفه مرجعية عاشت وعلّمت وبشرّت وترددت آراؤها ردحا من عمر الزمان. وقد تشكل التناقض بينهما من خلال حقيقة جوهرية تقول بالتالي:

جون كينز عاصر مرحلة الكساد الفادح الكبير الذي ألّم بالعالم في عقد الثلاثينات. وفي غمار تلك المرحلة الصعبة في اقتصاد الغرب بأميركا وأوروبا.. حيث زادت معدلات البطالة وعزت الأقوات واضطربت أحوال الاقتصاد ؟ طرح كينز مقولته الجامعة الشهيرة في عام 1936 تحت العنوان التالي: النظرية العامة (في التشغيل والفوائد والنقود). أساس هذه النظرية هو التركيز على أن للدولة ؟ الحكومة دورا مهما، بل تزداد أهميته كلما اشتدت الأزمة الاقتصادية. ويتمثل هذا الدور أولا:

* في ترشيد أداء المؤسسات المالية

* في وضع وتفعيل قواعد اللعبة المالية ؟ الاقتصادية ومراقبة تنفيذها بوصفها لوائح وتنظيمات تحول دون آفة الفساد والتربح والاحتكار.

* في تبني مشاريع قومية كبرى.. (سدود عملاقة.. جسور هائلة.. شبكات شاسعة من الطرق السريعة الخ.

* في دعم المؤسسات الكبرى لا سيما تلك التي تطرح منتجاتها أو تقدم خدماتها إلى عامة المواطنين.

من هنا يحفل قاموس كينز الإنجليزي بمصطلحات وتعابير من قبيل: تدخل الدولة.. دور الحكومة في ضخ الأموال وحماية الأسواق من خطر الانهيار.. وضع النظم.. فرض الحماية.. مراقبة العملية الاقتصادية.. استخدام أدوات الإدارة الاقتصادية.. مثل الضرائب بين زيادتها أو تخفيضها..

ميلتون فريدمان

على النقيض تماما يقف الغريم.. الآخر.. وهو الاقتصادي الأميركي الشهير ميلتون فريدمان. عندما وقعت أزمة الكساد الرهيب في الثلاثينات كان الفتى اليافع ميلتون قد بلغ العقد الثالث من عمره (من مواليد 1912).. وحين كان يعد للماجستير في جامعة شيكاغو.. كانت سياسة التدخل التي اعتمدها الرئيس روزفلت وقتها تتلخص في شعار شهير هو:

* الصفقة الجديدة (نيو ديل). وكان طبيعيا أن يتأثر فريدمان بأطروحات سلفه الإنجليزي كينز. ولكن مع عقدي الخمسينات والستينات أعاد ميلتون تفسير أفكار الاقتصادي البريطاني.. ومعها بدأت مواقفه تتحول من موقع النصير إلى موقع المنافس.. ومن ثم المفنِّد بل والغريم.

دعه يعمل.. ويمر أيضا

رفض ميلتون فريدمان فكرة تدخل الدولة أو إسناد أي دور للحكومة.. قال إن الأساس هو السوق.. نادى بتكريس سياسة «دعه يعمل، دعه يمر» التي يرجع أساسها ؟ كما هو معروف ؟ إلى الثورة الفرنسية الكبرى.. وهي سياسة الحرية الاقتصادية المطلقة.. على أساس أن الذي يعمل.. والذي يمر هو قانون العرض والطلب الذي يسهر على تفعيله وترشيد حركته وتصحيح مساره.. عنصر سبق وأن وضع له آدم سميث ؟ وهو مؤسس الاقتصاد الرأسمالي (ت 1790) وصفا صار معروفا وهو: اليد غير المنظورة.

تلك هي الأسس التي تقوم عليها أفكار ميلتون فريدمان.. وتعرف باسم المدرسة النقدية أو مدرسة شيكاغو في الاقتصاد (نسبة إلى الجامعة الشهيرة التي كان فريدمان أستاذا بها على مدار سنوات). والحاصل أن مدرسة الحرية المطلقة للتجارة والمال والأعمال. أو فلنقل مدرسة ترك الحبل على الغارب لآليات السوق الرأسمالية وقوانين العرض والطلب انتعشت وازدهرت على مدار عقدي السبعينات والثمانينات.. بل تحوّل هذا الانتعاش إلى حالة من انتفاخ الأوداج سياسيا واقتصاديا حين عاشت الرأسمالية في أميركا وغرب أوروبا سكرة الانتصار على المنافس الاشتراكي الذي كان يجسده النظام السوفيتي وسائر نظم شرقي أوروبا. بهذا الفوز الرأسمالي كان افتتاح عقد التسعينات: يومها أصدر المفكر الأميركي الياباني الأصل فوكوياما ؟ كتابه عن «نهاية التاريخ» معلنا انتصار الرأسمالية المؤزر على الاشتراكية.

وجاءت أزمة الاقتصاد

لكن المشكلة أن التاريخ لم ينته.. بل جاء خريف عام 2008 مؤذنا بأزمة.. رهيبة أصابت الرأسمالية الفائزة المنتشية بسكرة الانتصار.. وما زال العالم خائفا يترقب عواقب هذه الأزمة وقد انشبت مخالبها في اقتصاديات كوكبنا.. فيما تشير الأحداث إلى الإقلاع عن أفكار فريدمان في الحرية الاقتصادية المطلقة.. لحساب العودة إلى المرجعية المنافسة الأخرى.. وهي أفكار كينز مع شيء من تقنين الحرية.. وإسناد دور للدولة الرشيدة لكي تدخل السوق مستثمرا وصاحب عمل وعنصرا مسؤولا عن تفعيل النظم والضوابط ومنع الانحراف والفساد والاحتكار.

إدارة أوباما تحاول

في أميركا.. يلاحظ المراقبون.. من أهل السياسة وأكاديميا الاقتصاد أن إدارة أوباما في حالة استعادة لأفكار وإجراءات «الصفقة الجديدة».. بكل ما تنطوي عليه من تدخل الدولة لصالح المجتمع ؟ وخاصة جموع الفقراء والعاطلين والمستضعفين بعضهم يشجع هذا الاتجاه وبعضهم ينتقده لدرجة أن تنشر نيوزويك مؤخرا على صدر غلافها عبارة تقول:

- لقد أصبحنا جميعا اشتراكيين (!)

وعندنا في كل حال.. المسألة ليست رأسمالية أو اشتراكية.. ولا هي انتصار لصالح كينز أو لحساب فريدمان المسألة هي أن نعي العبرة المستفادة ونضع أقدامنا ؟ تحت وهج الأزمة ؟ على الطريق الصحيح.

محمد الخولي