قلة نادرة من السودانيين تذهب في طريق تسليم الرئيس عمر البشير إلى محكمة لاهاي. الغالبية الأعظم من الشعب ترفض مذكرة التوقيف باعتبارها تدخلاً خارجياً في الشأن الداخلي. التضامن الوطني يتعزز دوماً في وجه أي عاصفة خارجية. باستثناء الدكتور حسن الترابي لم يجرؤ سياسي سوداني على المناداة بتسليم البشير. الخصومات المتراكمة بين النظام والمعارضة لم تدفع القيادات السياسية لجهة الركون إلى طرف خارجي بغية الثأر. حين تتصاعد نبرة وحدة الجبهة الداخلية في وجه الخارج يسهل رمي من يحاول كسر الوحدة بالخيانة. تجييش الشارع يجعل الغوغائية غالبة على العقلانية.

خيارات متعددة

رغم ذلك، من الصعب الرهان على التماسك الداخلي في حالة مضي النظام بالأزمة حد الاصطدام بالمجتمع الدولي. هذا الخيار يفضي بالوطن إلى سيناريوهات مأساوية. ما من دولة مجاورة لها نزعة المغامرة أو المصلحة في قطع طريق الرئيس السوداني أو اختطافه. من المؤكد أن تعود محكمة لاهاي بالقضية إلى مجلس الأمن في سبيل تحقيق أملها باستلام البشير.

أكثر السيناريوهات المحتملة قتامة، يتمثل في اتخاذ المجلس قراراً يطلب فيه من الأسرة الدولية التعاون لإلقاء القبض على البشير. تلك غاية أخرى تبدو بعيدة المنال. حتى في حالة وجود دولة مغامرة يمكن للرئيس السوداني البقاء داخل وطنه آمناً. عندها تصبح الأزمة أكثر تعقيداً، إذ يلجأ مجلس الأمن لاتخاذ سلسلة من العقوبات على الشعب السوداني. مثل هذا السيناريو يفضي إلى البند السابع الذي يخوِّل استخدام القوة لتحقيق مطلب محكمة لاهاي.

مجرد استهلال مثل هذا السيناريو يفتح أبواب الجحيم على السودان وشعبه. القوى السياسية السودانية الرافضة تسليم الرئيس تراهن على تفكيك الأزمة لا تأزيمها. الأحزاب تستشرف التحول الديمقراطي من أجل التداول السلمي للسلطة. مساندة النظام المطلقة تعني القبول بمصادرة الفرصة المتاحة للخلاص من الاستفراد بالحكم. للقادة السياسيين الرافضين تسليم البشير رؤى متباينة للخروج من المأزق الوطني.

الصادق المهدي، وهو أعلى المنادين صوتاً بين قادة المعارضة ضد تسليم البشير، يطالب بمحاكمته أمام قضاة سودانيين وأفارقة، محكمة هجين كما أسماها. سكرتير الحزب الشيوعي أكد غير مرّة رفض حزبه إفساح المجال أمام المتهمين بارتكاب جرائم دارفور للهروب من العدالة. الشيوعيون يطرحون الاستفادة من تجربة العدالة الانتقالية في جنوب إفريقيا والمصالحة في المغرب.

المعارضة السودانية تساند النظام علناً في وجه العاصفة الخارجية، لكنها ليست مستعدة للذهاب معه نحو الهاوية. رفضها تسليم الرئيس ينطوي على رغبة في وجود نظام متماسك على نحو ينجز التحول الديمقراطي. الجنوبيون يريدون طريقاً آمناً نحو تقرير المصير في توقيته. ثمة دول إقليمية وقوى دولية لها مصالح متباينة تود معها سوداناً مستقراً مثيراً للجذب لا القلاقل.

حول تماسك النظام

تماسك النظام نفسه في وجه العاصفة الخارجية الحالية، وعند تصاعدها، مسألة خاضعة للجدل. صحيح أن الإنقاذ صمدت تحت ضغوط خارجية في السابق. صحيح كذلك أنها في ظل تلك الظروف أحالت عدداً من الأحلام السودانية واقعاً. الصحيح كذلك، أن بعض تلك الإنجازات تم بفعل ضغوط خارجية. أكثر من ذلك الإنقاذ لم تعد تلك التي كانت، فقد فات زمن كان لديها عرّاب يؤشّر فيطاع. كما أن النظام لم يعد ذلك الذي كان. رجل النظام القوي لم يمس هو الذي كان. النظام لم يعد له رجل واحد قوي. الإنقاذ باتت تحت تأثير مراكز للقوى. إذا كان الخطاب الرسمي المتصاعد يحرِّض على استنفار للقوى، فثمة أصوات خافتة داخل الدولة تدعو لمعالجة الأزمة بالحكمة.

الخلاف العلني بين وزير الشؤون الإنسانية ووزارة العدل يقدم نموذجاً للتباين داخل السلطة تجاه القضية المحورية. الوزير قال علناً في نقده لوزارة العدل إن ذلك يعكس رؤية قلة معزولة داخل الحكومة.

انفعال وتوتر رسمي

اشتباك أحد مستشاري الرئيس مع مؤسستي إعلام ـ محطة فضائية وصحيفة ـ عربيتين يعكس نوعاً من الانفعال، إن لم يكن التوتر، على الصعيد الرسمي. هناك صامتون داخل المؤتمر يعتبرون أن ما تم إنجازه يشكل مكاسب للحركة الإسلامية وليس من صنع رجال. هناك خيول مكلوفة تعلمت الركض في مراعي الوطن في ظل الإنقاذ. هذه يهمها أمر المرعى وليس مصير الراعي. المؤتمر الوطني لم يعد مطلق السلطة في الخرطوم.

بعد نيفاشا داخل السودان تحت «الحكم الثنائي الوطني». للحركة الشعبية ـ الشريك الجنوبي ـ رؤية مغايرة لمقاربة الشريك الشمالي. عندما طلبت محكمة لاهاي اثنين من المسؤولين الشماليين رأت الحركة تسليمهما. منطق الحركة الجنوبية أن التعامل يتم على نسق المؤسسية، فالأفراد ذاهبون والبقاء للمؤسسة.

الحركة فقدت زعيمها المؤسس وقائدها الذي خرج بها من الغاب إلى أروقة صنع القرار السياسي وقمة السلطة وفضاء العمل الوطني والإقليمي والدولي. مات جون قرنق ولم تمت الحركة. قدر الحركة رهين باستمرار شراكتها مع المؤتمر الوطني لإنجاز تقرير المصير الجنوبي. هي تريد شريكاً قادراً على مواصلة المشوار دون عراقيل تربك أجندتها.

الحركة لم تكتف بالمناداة لمحاورة أبناء دارفور، بل بذلت جهداً من أجل توحيد فصائلهم. ربما هناك أكثر من عنصر ـ لا نقول قضية أو أجندة ـ مشترك بين الجنوبيين والدارفوريين. هناك منظرون سودانيون يزعمون أن للحركة سيناريو جاهزاً لمغادرة المأزق تسعى لاستقطاب أحزاب المعارضة من أجله وتكشف عنه في الوقت المناسب. بين هؤلاء المنظّرين متطرفون لا يستبعدون أن يباغت أحد مراكز القوى أو عدد منها ـ داخل النظام ـ الجميع بسيناريو. الرؤيتان لا تذهبان في طريق تسليم الرئيس، لكنهما لا تدفعان لجهة الاصطدام بالمجتمع الدولي.

هكذا يصبح الرهان على تماسك الجبهة الداخلية ضرباً من الإخفاق. مسرح تفكيك الأزمة مع لاهاي في الخارج لا في الداخل. الاعتماد على الحلفاء في الغرب أو الشرق لن يفضي إلى نتائج أفضل من الرهان على الجبهة الداخلية. في زمن العولمة تخضع العلاقات الدولية للمساومة الذكية. الدرس التمهيدي في السياسة الدولية يقول إنه لا توجد صداقات دائمة، بل مصالح دائمة. في عصر القطب الواحد لا تتجسّد المصالح في الاستثمارات المادية وحدها. الخارطة الاستراتيجية برمتها تندرج ضمن بورصة المساومات.

رفض الخرطوم دعوة إقليمية لعرض الأزمة على مؤتمر دولي لا يخلو من حكمة نافذة بغض النظر عن منطلقات الدعوة أو مبررات الرفض. حصر المسرح الخارجي أفضل من توسيعه. صحيح أن القضية توغلت في التدويل منذ فترة، لكن ما الذي سيكسبه السودان من مؤتمر من هذا الطراز؟

انشغال بالفروع

الأفضل من ذلك استرداد ملف الأزمة، ثم إعادة عرضه دولياً بحلول ناجعة. قضية توقيف الرئيس ليست سوى إحدى تداعيات أزمة دارفور. طرد منظمات الإغاثة الأجنبية ليس غير انشغال بالفروع. لا أحد يسائل النظام إزاء ما يراه دفاعاً عن السيادة الوطنية. مصدر المساءلة يكمن في توقيت القرار. من المؤكد أن النظام لم يقرأ حيثيات إدانة المنظمات المطرودة في بنود توقيف مذكرة الرئيس. تلك الخطوة صبت الزيت على نار صراع الإرادات في دارفور.

مختصر الدرس الفيزيائي البسيط أن لكل فعل ردّ فعل مواز له في القوة ومضاد له في الاتجاه. الخلاصة المبسطة للنجاح السياسي تتمثل في فن الممكن. صب الماء في طاحونة الإعلام المكرور من قبل الداخل والخارج، لن يعين على تفكيك الأزمة. معالجة قضايا دارفور ليست أكثر كلفة من تداعياتها على أبناء السودان قاطبة.

الخروج من الأزمة يتم فقط باللجوء إلى الحوار بين أبناء دارفور والقوى السياسية السودانية. الحوار بين الفصائل هو المدخل الآمن لتفكيك الأزمة. منبر الدوحة يشكّل الفرصة المواتية لتسريع الحل. استنفار القوى السياسية السودانية من أجل تجميع ـ توحيد ـ فصائل دارفور أفضل من تجاهلها. الاستعانة بالحلفاء في الخارج من أجل إطلاق هذا الحوار الجماعي أفضل من محاولة الرهان عليهم لخلق موازنة جديدة داخل مجلس الأمن تبدو مستحيلة في ظل موازين القوى. صدور مذكرة توقيف الرئيس ينطوي على فشل في إسناد الظهر إلى جدار خارجي.

الحديث عن خلل النظام الدولي وعلّة المنظمة الدولية وهيمنة قوى دولية بعينها على النظام والمنظمة الدوليين ليس بالكشف الجديد. نحن ـ العرب ـ نعاني الإجحاف منذ قيام الأمم المتحدة. أكثر من ذلك قاسينا من خروج القوى الكبرى على المنظمة الدولية ـ رغم علّتها ـ من أجل تحقيق مصالحها. ذلك درس لا يتطلب تذكيراً، إذ إنه ماثل أمامنا صباح مساء. من الخطل المسف محاولة تصوير الاصطدام بين السودان والمجتمع الدولي وكأنه مشروع فتح جديد في العلاقات الدولية. مفتاح السيادة الوطنية يتجسّد في النأي عن مهب رياح تحرش القوى الكبرى.

المؤشرات الصادرة من الخرطوم بعد قرار المحكمة الجنائية تكشف أن السودان ماضٍ في طريق الاصطدام بالمجتمع الدولي. ربما كان طرد منظمات الإغاثة حقاً مشروعاً للدولة، لكن ممارسته جاءت بالتأكيد في التوقيت الخطأ. من المهم معرفة الاستفادة من الدروس السابقة. بتلك الخطوة زادت الحكومة السودانية الأفق المفتوح في دارفور أمام صراع الإرادات. حركة العدل والمساواة رهنت عودتها إلى طاولة المفاوضات برجوع المنظمات الطريدة. واشنطن بدأت شحذ الآلة الدبلوماسية لفرض حظر جوي على دارفور. الدولة السودانية تعرف أكثر من غيرها مخاطر تلك الخطوة عند تحقيقها. ذلك إجراء لا ينقص سيادة النظام على الأرض فقط، وإنما يشل حركة قواته المسلحة تماماً. تجريد الجيش من أجنحته يعني اختلال موازين القوى على الأرض.

أسوأ من ذلك، فإن هذا التدبير الدولي ليس أكثر من تمهيد لإجراء أكثر قسوة على النظام السوداني. الخطوة المترتبة على ذلك ـ حسب التجربة ـ تتمثل في التدخل الدولي لحماية المدنيين. ربما من الأفضل التذكير بأن تحويل القوة الأوروبية المرابطة على الحدود الغربية للسودان إلى قوة دولية لا يتطلب أكثر من رفع راية المنظمة الدولية عليها. الجدل حول مجيء تلك القوة الأوروبية تحت البند السابع أو الحاجة إليه لن ينقذ السودان، بل يزيد الأزمة تأججاً

عمر العمر