بعد غد الاثنين وتلتئم القمة العربية الدورية الـ «21» بالعاصمة القطرية الدوحة، تأتي القمة العربية كعادة جميع القمم العربية منذ إنشاء جامعة الدول العربية عام 1945 في ظروف بالغة الصعوبة وأجواء عربية غير صحية بعد غد الاثنين خاصة في ظل الانقسامات التي زادت من حدة الانشقاق العربي وحجم الخلافات بين العواصم العربية وعودة سياسة المحاور من جديد إلى منطقتنا العربية وبروز محوري «الممانعة» و«الاعتدال»، وانقسام العرب بين مؤيد ورافض لهذا وذاك.

وعلى الرغم من الجهود الحثيثة التي سبقت القمة لإصلاح ذات البين ورأب الصدع في الصف العربي واستعادة اللحمة العربية التي ما تظهر إلا وتختفي، وما صاحبها من انعقاد قمة الرياض للمصالحة بين العواصم العربية الرئيسة الثلاث «القاهرة» و«الرياض» و«دمشق»، والسعادة التي صاحبت تلك الخطوة والتحليلات السياسية التي أعقبتها وهللت لها، إلا أنه يبدو أنها لم تكن كافية لردم الهوة بين الأنظمة السياسية المختلفة واكتفت كما قال البعض» بكسر الجمود في العلاقات بينهم وهي خطوة رآها البعض بأنها إيجابية وإن كان الكثيرون رأوها غير كافية».

كما أن العلاقات بين القاهرة والدوحة مستضيفة القمة لاتزال في أسوأ حالاتها على الرغم من اللقاء الذي جمع زعيمي البلدين بالكويت على هامش مؤتمر القمة العربية الاقتصادية والتنموية والاجتماعية التي عقدت شهر يناير الماضي بدعوة من العاهل السعودي وبمشاركة قادة الكويت والأردن وسوريا والبحرين، فما تزال حالة التوتر تسيطر على علاقة البلدين للدرجة التي خرجت تسريبات صحافية حول عدم مشاركة الرئيس المصري حسني مبارك في القمة وتخفيض مستوى التمثيل المصري في القمة، وإن كان لا يعرف حتى الآن إلى أي درجة سيتم تخفيض مستوى التمثيل في القمة.

في البداية أكد مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون العربية السفير عبدالرحمن صلاح الدين أن القمة تأتي في توقيت فارق في التاريخ الحديث للأمة العربية، معربا عن اعتقاده بأن العالم كله سينتظر رسالة واحدة من كل العرب تؤيد تمسكهم بالسلام وتؤيد مطالبتهم بسلام عادل، وتطالب أيضاً أن تجتمع كلمة المجتمع الدولي على تأييد استعادة الحقوق العربية المشروعة وأهمها إنشاء دولة فلسطينية، ذلك الحلم الذي تباعد بعض السياسات الإسرائيلية وخاصة سياسة المستوطنات بيننا وبينه، وقال: أعتقد أن جهود المصالحة التي سبقت القمة العربية ستكون داعمة له».

وأعرب عن أمله أن تنجح القمة في اتخاذ قرارات حاسمة ومحددة من القضايا العربية التي تحظى باهتمام عربي كبير على المستويين العربي والرسمي، مؤكدا وجود حرص عربي على إنجاح القمة وأن تكون خطوة للأمام في سبيل حل القضايا العربية المختلفة بما يحقق طموحات الشارع العربي. وحول مستوى التمثيل المصري في القمة، قال السفير عبدالرحمن صلاح الدين: إن هذا أمر تحدده القيادة السياسية وفقا لاعتبارات كثيرة ورؤي مختلفة، ولكن الأمر المؤكد أن مصر لا تتخلف عن أي تجمع عربي خاصة القمة العربية بغض النظر عن مستوى التمثيل، وهو أمر لم يتحدد بعد.

ملفات عديدة

وأشار صلاح الدين إلى أن هناك كثيرا من الملفات التي تشغل اهتمامات القيادة المصرية كما تشغل بال كل العرب وستفرض نفسها بقوة على القمة العربية المقبلة لعل أبرزها مسألة قرار المحكمة الجنائية الدولية بتوقيف الرئيس السوداني عمر البشير، بالإضافة للقضية الفلسطينية باعتبارها قضية العرب المحورية، وجهود المصالحة التي تقوم بها مصر بين الفصائل الفلسطينية المختلفة وتطور الأوضاع السياسية في العراق والتعاون العربي ـ العراقي وغيرها من الملفات الهامة.

وحول موقف الدول العربية من أزمة الرئيس السوداني، قال إنه موقف موحد وبرز في قرار الاجتماع الوزاري لمجلس جامعة الدول العربية بالقاهرة في 4 مارس الجاري والذي صدر عشية قرار المحكمة الجنائية الدولية والذي يعبر عن موقف عربي موحد يطالب بأن يتم تفعيل المادة آل 16 للاتفاقية المنشأة للمحكمة بواسطة قرار من مجلس الأمن ليتم تأجيل النظر في هذا الموضوع لمدة عام على الأقل، يتاح خلاله فرصة كافية لمختلف الأطراف للتوصل لسلام في دارفور وتحقيق تقدم نحو إحراز سلام شامل في الإقليم.

توقعات بالنجاح

ومن جانبه، يقول رئيس وحدة العلاقات الدولية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية الدكتور سعيد اللاوندي: أتصور أن تكون هذه القمة من أنجح القمم لأسباب كثيرة ربما من أهمها أنه منذ قمة الكويت الاقتصادية في يناير الماضي وهنالك تحركات مكثفة واتصالات بين مهندسي الدبلوماسية بين كل من الرياض والقاهرة ودمشق.

وتابع أن أغرب ما في قمة الكويت هذه أنها أظهرت الخلافات العربية ـ العربية في أوجها، وفي نفس الوقت ظهرت معها توجهات المصالحة وبرز معسكراً الممانعة والاعتدال، مشيراً إلى أنه من رحم هذه الخلافات، ترسخت بوادر المصالحة وبرزت دعوة عاهل المملكة العربية السعودية للمصالحة والمقاربة العربية.

وأضاف اللاوندي: ثم جاءت قمة الرياض المصغرة وحضرها قادة مصر والسعودية وسوريا والكويت وكان الشارع العربي يتمنى مشاركة أمير قطر ولكنه للأسف كان مرتبطاً من قبل بحضور قمة «إيكو» بالعاصمة الإيرانية طهران، مشيرا إلى أن كل هذه التحركات تعتبر مقدمة وتوطئة تمهد لقمة عربية دورية ناجحة بالدوحة.

الحوار الفلسطيني

وأعرب اللاوندي عن اعتقاده بأن يكون هناك اتفاقا حول القضايا المطروحة على القمة رغم وجود كثير منها مشتعلة ليس أقلها الحوار الوطني الفلسطيني الذي انتهت جولته الثانية بالقاهرة وفي انتظار بدء جولة ثالثة جديدة، ومذكرة التوقيف الصادرة بحق الرئيس السوداني وغيرها من الاستحقاقات الهامة.

وبدوره، قال الكاتب والخبير السياسي طلعت رميح: إن القمة المقبلة تتميز بأنها تتوفر لها إرادة من الطرف الذي تعقد القمة على أرضه، ووجود رغبة قوية لديه في صدور قرارات تعمق من تسوية الأوضاع الراهنة في المنطقة حيث السياسة الخارجية القطرية تتميز بالرؤية الواضحة فيما يجب أن يكون عليه الوضع وبالنشاط الدؤوب وبالهم العربي بصفة خاصة كما لاحظنا في الحالة اللبنانية والسودانية.

وأضاف: يمكن القول إن الظرف الضاغط على المنطقة العربية بتعدد أشكال الضغوط وأطرافها صار يدفع الأطراف العربية المتخالفة إلى تقليص حجم الاختلافات وإعلاء القدرة على مواجهة هذه التحديات. وتابع رميح: يبدو لي أن مواجهة الانتخابات الصهيونية ومجيء حكومة يمكن تسميتها بحكومة «المجانين في إسرائيل»، هو أمر ضاغط،كما أن تحرك الأطراف الإقليمية من خارج النظام الرسمي العربي ووصول تأثيرها لدرجة الاختلاف العربي في مواجهتها، هو أيضاً دافع لتعزيز حالة الاقتراب بين الأطراف العربية».

وأعرب عن اعتقاده بأن ما حدث للرئيس السوداني عمر البشير حتى الآن والتداعيات المرئية لفكرة إدخال المحكمة الجنائية الدولية السياسية الغربية للتحقيق في الشؤون الداخلية للدول، هو عامل إضافي مهم ومؤثر على قدرة الأطراف العربية على الاستمرار في حالة التحالف ولذلك أتوقع انطلاقا من توافر الدولة المضيفة صاحبة الرؤية والإرادة، والظرف الضاغط أن تتمكن القمة العربية من تخطي الكثير من العقبات التي تواجه الأمة،وقال: لعل الحوار الوطني الفلسطيني الذي تعرض لنفس الضغوط تقريبا وتقليص حجم الخلافات العربية المصطنعة يمكن أن يكون مؤشرا على النتائج المتوقعة للقمة».

وشدد رميح على أن الظرف العربي الآن أصبح مهيأً لتوفر هذه العوامل، بالإضافة للعوامل الأخرى التي تتعلق بالأزمة المالية وتأثيراتها واحتمالات الانسحاب الأميركي من العراق، مؤكدا أن وجود قضايا ذات صلة مؤثرة بين الحكومات والشعوب هي عوامل دافعة أكثر لاحتمالات النضوج العربي وزيادة الإرادة العربية على الأقل إلى ذات المستوى الذي كانت عليه قبل الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان عام 2006 في حدها الأدنى.

أما مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير صلاح فهمي، فيقول إنه من المؤسف حقا أن العرب لا يستطيعون التواصل،مضيفا: أن العالم كله يتغير ويتطور والأيدلوجيات تتغير وزعماء دول العالم ينحون خلافاتهم جانبا ويزيحون مشاعرهم الخاصة تجاه الآخرين جانبا حرصا على مصالح بلادهم». وتابع: أما القادة العرب فهم لا يجيدون لغة العصر هذه،وطالما استمرت هذه الحالة فلا يمكن أن يتغير شيء وهو ما يؤشر إلى فشل القادة العرب في التوصل إلى نتائج حقيقية وملموسة».

محورية دور مصر

وأضاف: أن مصر دولة كبيرة ولها دور أساسي يختلف عن باقي الدول العربية تاريخياً وجغرافياً وسياسياً وهو ما يحملها مسؤوليات أكبر ويحتم عليها عدم الدخول في خلافات وخصومات مع أي دولة عربية وأن تكون معول بناء وتجميع ووحدة الأمة العربية».

ورأى أن القمة العربية بالدوحة لن تختلف كثيراً عن القمم السابقة لها، وقال: إنه للأسف فالأمة العربية ليس لها وزن، والعالم لا ينظر ولا يهتم بدول إلا إذا كانت موحدة ومحترمة وقوية وذات ثقل سياسي واقتصادي، ولكن الدول العربية تتسابق في إهدار عناصر قوتها وتسعى إلى ما فيه فرقتها ويشتت شملها».

وبدوره، قال الناطق الرسمي باسم الأمين العام لجامعة الدول العربية المستشار عبد العليم الأبيض:إن قضايا المصالحة العربية وما يتعلق بها من جهود لإحداث نقلة نوعية في العلاقات العربية البينية من التوتر إلى الهدوء،وتداعيات مذكرة المحكمة الجنائية الدولية بحق توقيف الرئيس السوداني عمر البشير ستتصدر أجندة القمة العربية الدورية الحادية والعشرين بالدوحة نهاية شهر مارس الجاري والتي تنعقد في ظل ظروف إقليمية وعربية ودولية استثنائية.

وأكد الأبيض أهمية توحيد الصف العربي والتعامل مع التحديات الخارجية برؤية عربية موحدة، لافتا إلى أن نهاية عام 2009 سيحسم موقف العرب من مبادرة السلام العربية المطروحة من قبل الجانب العربي دون تجاوب فاعل من الحكومة الإسرائيلية. واعتبر أن الاختلافات هي إفراز طبيعي لوجهات النظر المتباينة في كيفية معالجة الأمور والقضايا، وهذا أمر مشروع، ولكن المهم هو ثقافة احترام رأى الآخر، والاحتكام إلى لغة العقلانية والموضوعية بدون شخصنة للمواقف أو إشهار سيف القطيعة أو الخصام.

وأكد ضرورة توحيد الصف العربي في مواجهة الحكومة الإسرائيلية الجديدة من أجل حشد الضغوط الدولية لتتوقف إسرائيل عن سياسة بناء المستوطنات والحصار المستمر لغزة وعمليات تهويد القدس والحفريات تحت المسجد الأقصى. وفيما يتعلق بأزمة دارفور،دعا الأبيض لضرورة التحرك لمحاكمة المتهمين في أزمة دارفور حتى نسد الباب على أعداء الأمة وأصحاب الأجندات الخارجية الذين ينسجون المؤامرات لتهديد استقرار الدول العربية.

وقال المستشار عبد العليم الأبيض: إن الجامعة العربية بدأت استعداداتها لدعم ومساندة العراقيين لسد الفراغ عقب انسحاب القوات الأميركية من العراق الذي سيتم بعد 19 شهراً حسب تصريحات الرئيس الأميركي الجديد بارك أوباما.

وأضاف: «أن زيارة الأمين العام للجامعة للعراق الأخيرة تأتى في هذا الاتجاه، وتحركات الجامعة العربية تهدف إلى جمع الشمل العراقي على أساس مصالحة عراقية تهدف لخلق مواطنة بدون تفرقة ما بين سني أو شيعي أو كردي أو تركماني».

القاهرة ـ «البيان»