يقول عاصي في أحد تعليقاته على بداية وتطور المشروع الموسيقي الرحباني: «في صغرنا كنا نحب تحويل الأحلام إلى مسرح غنائي.. كنا نحب تأليف أوبرا. وحين بدأنا عملنا الفني حاولنا تحقيق هذا الحلم، الذي لم يأتِ بالمعنى الحرفي للأوبرا، بل جاء في صيغة «ميوزيكال»، أي في صيغة مسرحية غنائية.
وكان ذلك في أول عمل مسرحي مع صباح ضمن مسرحية «موسم العز» التي قدمت في عام 1960. وكانت المسرحية الغنائية الأولى. لكن المسرح الغنائي بدأ معنا. وكان ذلك قبل المسرح الذي اقتصر في ذلك الوقت على تقديم حفلة واحدة في بعض القرى وفي مناسبات معينة». أما منصور فيقول في شرح عملية التأليف الموسيقي، موضوعاً وآلية، وصلة بالفلوكلور: «عالجنا الألحان الفلكلورية كما هي. ثم زدنا جديداً على الفلكلور كي نقربه من متناول العصر. فوضعنا أغان مستوحاة من الفلكلور في إطار الرسم الميلودي الفلكلوري. ووضعنا أغان حرة. كما أتينا بأغنيات عالمية شائعة. وقدمنا موجة الأغاني الراقصة التي غنَّتها فيروز بمرافقة الموسيقي العراقي منير بشير على العود. بل إننا وضعنا موسيقى جاز، وواجهتنا حملة عنيفة...».
ويقول الناقد الموسيقي السوري نجاة قصاب حسن في دراسة موسعة حول الظاهرة الرحبانية نشرت في مجلة «الطريق» اللبنانية: «عبقرية التلحين الموسيقي عند عاصي ومنصور هي معجزة البساطة الظاهرة. ويمكن القول، بعد حل مشكلة الهارسوني لأول مرة في تاريخ الموسيقى العربية وبعد معجزة التلحين البسيط في ظاهرة المتين البنيان في حقيقته، أن عاصي ومنصور استطاعا أن يدخلا على الموسيقى العربية جملة من التطورات الجوهرية». ثم يعدد الناقد هذه التطورات بثلاثة: تقصير الأغنية، تلوين مواضيعها، ابتداع لغة غنائية تستمد خصائصها من ضرورات اللحن. يقدم الناقد الموسيقي اللبناني نزار مروة رأيه في الظاهرة الرحبانية في عدة مقالات ودراسات، بدأها منذ مطالع الخمسينات حتى وفاته في مطالع التسعينات.
فهو يقول في مقال عن الأغنية الرحبانية نشر في الكتاب الذي صدر بعد وفاته بعنوان «في الموسيقى اللبنانية العربية والمسرح الغنائي الرحباني»: «دون انتقاص من قيمة الفنانين الذين كانوا ينتجون في الميدان الغنائي في لبنان في أوائل الخمسينات أو التقليل من مواهبهم، نستطيع القول باطمئنان: إن الأغنية الرحبانية إنما ظهرت منذ بداياتها الأولى متميِّزة ومختلفة عن السائد في الفن الغنائي آنذاك.
فربما لأول مرة تنشأ أغنية تؤكد على وحدة فنية متقنة بين النص واللحن على هذه الصورة. ولأول مرة يقوم توازن ما بين هذين العنصرين بهذا الشكل. ربما لم يكن ثمة وعي بتلك الوحدة أو ذلك التوازن، أو لم يكن في قصد الأخوين رحباني ونواياهما الفنية تحقيق تلك الوحدة وذلك التوازن.
لكن الموقف من طريقة كتابة النص الشعري ومن طريقة التلحين قد أخذ بيد الأخوين رحباني إليهما بصورة عفوية وطبيعية، ليحققا أغنية حديثة بأكثر من معنى، أغنية تنطوي على الكثير من الطرافة والتعبيرية والتكامل. بمعنى آخر: ثمة عصر جديد يتطلب لغة فنية مبتكرة وفناناً يرى إلى آفاق لم تكن مرئية من قبل لسبب بسيط هو أنه لا يمكن استباق الزمن في الغالب.
وتأتي الحركة الفنية بصورة طبيعية ومنطقية، تولد دون اصطناع أو تزييف... لنعد إلى المسرح الغنائي الرحباني.
وينبغي أن أنوِّه منذ الآن بخاصية إيجابية تلتصق به، منذ نشوئه حتى توصله إلى التماسك وإثبات الوجود على مستواه التاريخي وعلى مستوى قيمته الفنية.
هذه الخاصية تجعل من المسرح الغنائي اللبناني مسرحاً أصيلاً وظاهرة فريدة كما أسلفنا. فهو يستقي من الفن الشعبي ومن أفضل تقاليده. وهو ـ بالضرورة إذن ـ إنساني، جوهره دعوة إلى الجمال والخير. نجده أحياناً يفسِّر المعتقدات الشعبية المأثورة تفسيراً واقعياً مقدوداً من معدن الشعر، مثل تفسير حكايا الجن في مسرحية «جسر القمر».
وهو يصوِّر نهم الناس إلى المعرفة وكشف غوامض الطبيعة وأسرارها. ويسخر من تفاهة الروح العسكرية. ويعالج علاقات اجتماعية معقدة ويحلها لصالح المظلومين كما في «دواليب الهواء». بكلمة أنه مسرح غنائي شعري. لكنه قبل كل شيء مسرح واقعي».
اهتمام بالملاحظات البناءة
وجدير بالذكر أن علاقة خاصة كانت تربط بين نزار والأخوين رحباني. وكان نزار يمارس معهما فعل النقد، من موقع الصداقة ومن موقع المعرفة العميقة بالموسيقى. وأذكر في هذا السياق قصة طريفة عن هذه العلاقة رواها لي نزار، وأكدها لي منصور، ثم أكدها لي من جديد، حرفياً، أبناء منصور، غدي ومروان وأسامة. وهي تبين أمرين. الأمر الأول هو أن الأخوين رحباني كانا ينصتان باهتمام كبير إلى الملاحظات البناءة وإلى النقد الدقيق الذي كان يأتي من العارفين بالموسيقى.
والأمر الثاني هو عمق المعرفة بالموسيقى عند نزار وعمق العلاقة بينه وبين عاصي ومنصور. وملخص القصة هو أن نزاراً كان يحضر إحدى مسرحياتهما. وبعد الانتهاء من العرض ذهب نزار إلى عاصي ومنصور مبدياً إعجابه بالعمل. لكنه لفت نظرهما الى ان كل الإيقاعات الموسيقية تنتمي إلى الإيقاع المربع أي ز؟ُّوٍم ْمهٌِّيمْ فقال لهما: عليكما بالتغيير وتكسير الإيقاعات .
فما كان من عاصي ومنصور إلا أن تمسكا بذلك الانتقاد. وفي العمل التالي جاءت الإيقاعات متغايرة، ثلاثية وسداسية وسباعية، أي إيقاعات غير مربعة .ز؟ُّوٍم يْْمهٌِّيمْ وكانت تلك المسرحية «بياع الخواتم».
إلا أن جميع الذين كتبوا ترحيباً بالظاهرة الرحبانية أو نقداً لها، أو نقداً لجوانب منها، لم يستطيعوا إلاَّ أن يشيروا بتقدير كبير إلى ذلك التكامل الرائع بين عبقريتيّ الأخوين وثالثهما فيروز.
وكان من أبرز مظاهر الترحيب بالظاهرة أن عدداً من كبار أهل الموسيقى وأهل الغناء وأهل الشعر في لبنان والعالم العربي قد أقاموا علاقات صداقة وعمل مع الرحابنة، بدءاً بالشعراء الكبار سعيد عقل والأخطل الصغير وجورج شحادة وعمر أبو ريشة ونزار قباني وميشال طراد وجورج جرداق وأنسي الحاج وطلال حيدر وجوزيف حرب ورفيق خوري.
أما الموسيقيون الذين تعاملوا مع الرحابنة فكانوا من كبار أهل الموسيقى، وهم محمد عبد الوهاب وتوفيق الباشا وزكي ناصيف وفيلمون وهبي، الذي كان شريكاً لهما على امتداد حياته في الموسيقى وفي التمثيل.
وكان صبري الشريف من أكثر الذين رافقوا الرحابنة، ومن أكثر الذين ساهموا معهم في تطوير عملهم الإبداعي. كما كان الناقدان الموسيقيان نزار مروة ونجاة قصاب حسن، والناقد الأدبي محمد دكروب، من أقرب الناس إليهم خلال إعدادهم لأعمالهم الفنية.
رحيل عاصي
في 26 سبتمبر من عام 1972 أصيب عاصي بنزيف في الدماغ، أثار موجة من القلق عمَّت لبنان كله. لكن الطب أنقذه مؤقتاً. فعاد إلى عمله في التأليف الموسيقي، لكن ببطء، وبتوتر. ثم عاد النزيف من جديد بقوة أكبر، فوضعه في ما يشبه الغيبوبة، ابتداءً من عام 1980. زرته يومذاك بصحبة زياد في المستشفى. وبالاتفاق مع زياد حاولت مع الحزب الشيوعي الفرنسي تأمين علاج لعاصي في فرنسا.
لكن التقرير الذي أرسلناه لم يكن مشجعاً. وكان علينا جميعاً أن ننتظر حتى صباح السبت في الحادي والعشرين من شهر يونيو من عام 1986، ذلك الصباح الذي غاب فيه هذا الفنان الكبير، وخسرت الموسيقى العربية بغيابه واحداً من كبار المبدعين فيها. ويصف منصور تلك السنوات بكثير من التفاصيل، لكن بأسى كبير.
وكان على منصور أن يكمل، لكن بصعوبة بعد غياب عاصي، ما كان الأخوان ومعهما فيروز قد حولوه إلى ظاهرة فريدة في الموسيقى وفي الغناء وفي المسرح الغنائي. فأنتج عدداً من المسرحيات مع كوكبة من الفنانين اللبنانيين، ثم مع مروان وأسامة.
وكان آخر تلك الأعمال «عودة الفينيق». وحين أحس منصور بالتعب، في العمل من دون أخيه عاصي وشريكه التاريخي في الظاهرة أسرع في الرحيل. وكنت قد أقمت علاقة جميلة وحميمة مع منصور امتدت إلى عقدين من الزمن.
وكنت على موعد معه قبل الرحيل، في أعقاب صدور كتابيّ الأخيرين، وانطلاق مسرحية «عودة الفينيق». وحين كان عليّ أن أذهب إلى لقائه بعد شفائي من وعكة صحية، فوجئت برحيله، وفجعت، وغمرني، وغمر لبنان كله، حزن على رحيل هذا الفنان الكبير.
أذكر أنني زرت عاصي في صيف عام 1974 مع نزار مروة لأساله إذا كان بالإمكان مشاركة فيروز في احتفالات الذكرى الخمسين لتأسيس الحزب الشيوعي اللبناني ، التي جرت في أواخر شهر تشرين الأول من ذلك العام. اعتذر عاصي لأسباب لم أعد أذكرها، مذكِّراً بتاريخ قديم من العلاقة التي كانت تربطه هو ومنصور بالحزب الشيوعي اللبناني. يومها حدثني عاصي عن طرائف كثيرة في تلك المرحلة من حياته وحياة شقيقه منصور.
وذكر لي أنه ساهم في توزيع بيانات للحزب الشيوعي مع مناضلي الحزب. وقال بأنه هو ومنصور ظلاّ على علاقة صداقة وعمل مع عدد من مثقفي الحزب على امتداد نشاطهما الموسيقي. وأذكر أنني سألت عاصي في ذلك اللقاء عن رأيه في إمكان مشاركة زياد في الاحتفالات المشار إليها. وكان زياد قد بدأ يلحِّن أغان واسكتشات غنائية.
وكان عمله الغنائي الأول «سهرية» حافلاً بالأغاني التي أدَّاها جوزيف صقر، وشاعت في طول البلاد وعرضها. فقال عاصي بهدوئه المعتاد: لزياد شخصيته المستقلة. وهو الذي يقرر ما إذا كان سيشارك أم لا. وهكذا كان. فذهبنا إليه نزار وأنا واتفقنا معه على المشاركة في الاحتفالات بمسرحية «سهرية».
وكانت تلك بداية الصداقة مع زياد. وفي وقت لاحق تعرفت إلى فيروز وإلى ليال ابنة عاصي وفيروز وشقيقة زياد. وأذكر أن فيروز طلبت مني أن نؤمن لليال منحة دراسية في إحدى الدول الاشتراكية. فأمنا لها منحة إلى إحدى جامعات وارسو. لكن ليال لم تعش طويلاً، ولحقت بوالدها عاصي في أواخر الثمانينات.
في التعريف بفيروز
في أواخر الثمانينات طرحت فكرة ترشيح فيروز للحصول على جائزة «لينين العالمية لتعزيز السلم بين الشعوب». وكنت صلة الوصل بين فيروز، من خلال نزار مروة، وبين اللجنة العالمية المانحة للجائزة، من خلال اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفييتي. وتطوع نزار للحديث مع فيروز حول الفكرة.
وكتب تعريفاً بفيروز سلمني إياه، فأرسلته بدوري إلى اللجنة. إلا أن الجائزة كانت تلفظ أنفاسها، في تلك الفترة. مع اشتداد الأزمة التي كان يعاني منها الإتحاد السوفيتي، الأزمة التي انتهت بتفككه وانهياره. لذلك لم تؤد المباحثات التي قمت بها في موسكو، حول الجائزة إلى نهاياتها، رغم أن الفكرة كانت موضع ترحيب سوفيتي.
كان النص الذي وضعه نزار في التعريف بفيروز نصاً جميلاً وعميقاً يعطي لفيروز حقها في التقدير. يقول نزار، في سياق حديثه عن المسرح الغنائي للرحابنة، بأن صوت فيروز «كان إشارة إلى الأهمية الخاصة النوعية للفن الغنائي الجديد، جمالياً واجتماعياً، وإشارة إلى شرعية انتشار تذوق جديد.
صوت فيروز حصيلة تزاوج عنصرين: التدرب على أداء الخصائص الغنائية العربية (الشرقية) على نحو سليم، والتدرب على الأداء بالأساليب المتطورة. إن أداء فيروز للمقامات العربية الأصيلة وهب تأثرها بالأساليب المتطورة قيمة حقيقية متجددة، لأن التطور لم يأت بديلاً لشخصية الأداء العربي، وإنما أتى إضافة خلاقة.
لذا فصوت فيروز يمثل ثورة على الحزن الخارجي الذي يهيمن على الأغنية العربية، والمصرية بصورة خاصة، لأنه قطع علاقاته بكل استعارة من النحيب الكاذب الذي تبثه هذه الأغنية، وبالجراح الروحية البليغة التي تسيطر على الغناء العربي بوجه عام. صوت فيروز يقدم الأغنية اللبنانية في إطار تعبيري باهر وصياغات موسيقية تطل على ما هو أقرب إلى الابتهال والمناجاة العقلانية النبيلة».
ملحمة الرحابنة هي واحدة من أكبر الملاحم العربية في التأليف الموسيقي وفي الغناء وفي المسرح الغنائي وفي الشعر وفي استعادة الفلكلور الشعبي وفي تهذيبه وتطويره وإغنائه.
وسيظل يسجل التاريخ لعاصي ولمنصور دورهما في تلك الأعمال الخالدة تأليفاً موسيقياً وشعراً وإخراجاً، وفي المسرحيات الغنائية التي غنَّت فيروز في معظمها، وكانت البطلة الأساسية فيها. كما غنت فيها صباح، وغنَّى فيها وديع الصافي، وغنى فيها حتى آخر لحظة من حياته نصري شمس الدين، الرفيق الدائم للأخوين رحباني.
رحل عاصي، ثم رحل منصور. وبقيت فيروز لتكمل المشوار بصوتها الساحر وبحضورها المتألق. وبقي الياس والأبناء، يبدعون، كل منهم على طريقته، ويصنعون مجدهم، كل منهم على طريقته أيضاً. أما الظاهرة الرحبانية، برموزها الثلاثة، وبالشركاء الكبار في الموسيقى وفي الشعر وفي الغناء وفي التمثيل، فستظل في تاريخ لبنان الثقافي واحدة من مناراته الكبرى.
إضاءة
ملحمة الرحابنة هي واحدة من أكبر الملاحم العربية في التأليف الموسيقي وفي الغناء وفي المسرح الغنائي وفي الشعر وفي استعادة الفلكلور الشعبي وفي تهذيبه وتطويره وإغنائه.
وسيظل يسجل التاريخ لعاصي ولمنصور دورهما في تلك الأعمال الخالدة تأليفاً موسيقياً وشعراً وإخراجاً، وفي المسرحيات الغنائية التي غنَّت فيروز في معظمها، وكانت البطلة الأساسية فيها. كما غنت فيها صباح، وغنَّى فيها وديع الصافي، وغنى فيها حتى آخر لحظة من حياته نصري شمس الدين، الرفيق الدائم للأخوين رحباني.
بقلم: كريم مروة


