ما زالت تسيطر حالة من الجدل على الأوساط الطبية والفقهية والتشريعية في مصر حول نقل وزراعة الأعضاء البشرية وخاصة من الموتى حديثي الوفاة، ورغم خروج الكثير من الآراء الفقهية التي تؤيد نقل الأعضاء البشرية، إلا أن هذا لم يمنع ظهور آراء مضادة ترفض ذلك وتحذر منه ليس هذا فحسب بل حدثت خلافات حول تحديد الوفاة ومن يحددها وسط تحذيرات من انتشار تجارة الأعضاء البشرية وتجارة الموتي.
والغريب أنه لم يلبث أن اتفق الفقهاء وعلماء الدعوة الإسلامية على هذه النقاط الخلافية، إلا وثارت مؤخرا خلافات جديدة خلال اجتماع مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف والذي شهد الكثير من الخلافات والسجلات حاول الدكتور محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر ورئيس المجمع السيطرة عليها وإن كان فضيلته يقف وراء بعض هذه السجالات خاصة تلك التي حدثت بينه وبين رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الشيخ يوسف القرضاوي وآخرين.
سجال كبير
وقد شهد هذا الاجتماع سجالات شديدة بين شيخ الأزهر والشيخ يوسف القرضاوي حيث كان شيخ الأزهر قد ذهب إلى أن من نفذ فيه حكم بالإعدام في قضايا قتل أو هتك عرض ليس له حق في أن يكون له ولاية على جسده شرعا بعد إعدامه بتلك القضايا وبالتالي فيمكن أخذ أعضاء بشرية منه دون الحصول على موافقته أو موافقة أحد من أهله، على أن يكون ذلك النقل لإنقاذ حياة مريض وبدون مقابل، وهو ما رفضه الشيخ يوسف القرضاوي وآخرون ودار سجال كبير حول هذه القضية.
وقد أراد شيخ الأزهر أن يدعم ويحفز المواطنين على التبرع بالأعضاء البشرية ويزيل المخاوف حول استصدار تشريع يجيز التبرع والاستفادة من الأعضاء البشرية للموتي حديثي الوفاة حيث أوصى بالتبرع بكل أعضاء جسده بعد وفاته لما ينفع الناس ويذهب المرض والألم عن أي مسلم، وذلك وفق ما يراه الأطباء صالحا لغيره من المسلمين.
في البداية، أكد عضو مجمع البحوث الإسلامية الدكتور عبد المعطي بيومي أن اجتماعات المجمع شهدت نقاشا جادا لعدد من الموضوعات وخاصة حول مسألة نقل الأعضاء البشرية وحكم الشرع في مختلف نواحيها وجوانبها ورأي الشرع فيها وتم حسم النقاط الخلافية والتوصل فيها إلى أراء محددة.
إجازة نقل الأعضاء
وأشار إلى أن مجمع البحوث أجاز في المؤتمر نقل الأعضاء من الإنسان الذي يثبت موته موتا حقيقيا يقينيا طبيا وشرعيا، وأن يقر ذلك ثلاثة من كبار الأخصائيين بالإجماع على أن يكون التبرع بدون مقابل مادي ويحقق المنفعة للشخص الذي يستفيد منه، كما تم التأكيد على جواز أن يوصي الإنسان بموافقته على نقل أعضائه أو بعضها عند وفاته بما ينفع الآخرين، مشيرين إلى أنه يجوز التبرع بدون مقابل من المسلم العاقل البالغ لآخر، وفقًا لما يرضاه ويختاره بدون مقابل مالي، كما يجوز التبرع للأقارب وغير الأقارب وفقا لما تقتضيه المصلحة العامة.
ولفت إلى رفض علماء الدين بيع الإنسان أي جزء من أجزاء جسده، وأكدوا أن ذلك باطل ومحرم شرعا، فيما يجوز تبرع الحي بجزء من جسده لإنقاذ حياة شخص آخر أو لتحسين صحته وذلك وفق ما أقره جمهور الفقهاء الذين أكدوا أن أخذ جزء من جسد الحي أو الميت لإنقاذ حياة شخص آخر يجوز مع إقرار الأطباء ذوى الثقة الدينية والعلمية بذلك للتحقق من وفاته ومفارقته الحياة بشكل شرعي.
وحول الخلاف بين طنطاوي والقرضاوي حول أخذ أعضاء المحكوم عليهم بالإعدام بدون موافقتهم أو موافقة أهلهم، أكد بيومي أن قرار المجمع انتهي إلى أنه لابد من موافقة الشخص المحكوم عليه بالإعدام، وذلك على اعتبار أن أخذ أعضاء من جسده دون موافقته يعد إهدارا لكرامته الإنسانية خاصة وأن الحكم الصادر في حقه لا يسقط اعتباره كإنسان وبإعدامه فقد أدي ما عليه من الذنب، الأمر الذي يؤكد حديث الرسول صلي الله عليه وسلم عن المرأة التي زنت عندما تحدث في حقها بعض الصحابه فقال غاضبا، «لقد تابت توبة لو وزعت على أهل الأرض لوسعتهم» فهذا أمر ليس فيه جدال.
النقاط فوق الحروف
ومن جانبه، أشار رئيس لجنة الفتوى الأسبق بالأزهر وعضو مجمع البحوث الإسلامية الشيخ جمال قطب إلى أن علماء الدعوة الإسلامية وضعوا النقاط فوق الحروف بتأكيدهم جواز نقل الأعضاء البشرية وإنهائهم الجدل فيما يتعلق بموت «النخاع المخي» باعتباره موتا حقيقيا كما تم حسم نقل الأعضاء وعدم جواز بيعه بأي حال من الأحوال.
وحول الخلافات التي نشبت بين طنطاوي والقرضاوي، قال :لا يجب أن نخوض في هذا الأمر فهذا من شأنه أن يزعزع ثقة العامة في مرجعيتهم الدينية وهذا ليس في صالح الإسلام ولا المسلمين، مشيرا إلى أنه من المهم أنه تم حسم الخلافات وتم التوصل إلى قرارات وآراء نهائية فيها، منتقدا تسريب مثل هذه الخلافات ووجه انتقادات حادة لأعضاء مجمع البحوث الذين سربوا مثل هذه الخلافات،وصدق القائل «خلاف العلماء رحمة».
وعن سبب عدم صدور تشريع يقنن عملية نقل الأعضاء رغم وجود آراء فقهية تؤيد ذلك، أكد نقيب الأطباء في مصر الدكتور حمدي السيد، أن مصر هي الدولة الإسلامية الوحيدة التي تعطل فيها تشريعا قانونيا يسمح بنقل الأعضاء من الأموات إلى الأحياء حتى الآن رغم حاجة مصر الضرورية لذلك بسبب انتشار فيروس سي، وأن المرضي كانوا من قبل يهرعون إلى الصين، ولكنها أغلقت أبوابها وأصبح المصابون بالفشل الكلوي محكوم عليهم بالإعدام، مؤكدا أن وجود هذا التشريع سيحل مشكلة البيع التي تتم في غفلة وبدون رقابة.
وعلق نقيب الأطباء على فتوى الدكتور محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر الشريف المتعلقة بإباحة نقل الأعضاء، قائلا: أعلم أن هناك فتاوى كثيرة بشأن نقل الأعضاء والتبرع بها للمرضى لكننا لسنا في حاجة إلى فتوى، بل لقانون يجيز نقل الأعضاء. معربا عن دهشته من عدم صدور قانون نقل الأعضاء حتي الآن، مشيرا إلى وجود مشروع نقل الأعضاء منذ عام 1996 وأن نقابة الأطباء أعادت إرساله مرة أخرى إلى مجلس الوزراء وبصفة نهائية وبجميع التفاصيل لتشخيص الموت، معربا عن أمله في أن تتم مناقشته خلال الدورة البرلمانية الحالية.
ضوابط مطلوبة
وقال: في كل النظم العالمية توجد قوانين وضوابط لعملية نقل الأعضاء التي لا تتم بشكل عشوائي، بل بعد التأكد تماماً من أن المخ توقف عن العمل، وأن الشخص الذي سيأخذ منه العضو قد فارق الحياة تماماً».وأشار إلى أننا في مصر، كلما تقدمنا خطوة في قانون نقل الأعضاء نرجع خطوات للخلف، لافتا إلى ما يتردد من أننا نريد قتل الناس والمتاجرة بأعضائهم غير صحيح متسائلا هل يمكن أن تكون الأمة الإسلامية كلها على باطل؟
وحول أسباب عدم إقرار قانون نقل الأعضاء حتي الآن، قال عضو لجنة الصحة بمجلس الشعب «البرلمان المصري»، الدكتور جمال الزيني:إن لجنة الصحة بالمجلس انتهت من مناقشته وكان لها بعض الملاحظات علية وقامت بإعادته إلى الحكومة لإدخال التعديلات اللازمة عليه، مشيرا إلى أن الحكومة ستقدمه إلى لجنة الصحة مرة أخرى لمناقشته ثم إحالته للجنة التشريعية لإقراره قانونيا ولغويا ومن ثم عرضه على المجلس لمناقشته واتخاذ اللازم حياله.
وأضاف الزيني: أنه كان للجنة الصحة ملاحظتين على مشروع قانون نقل الأعضاء الأول وهي خاصة بتعريف وتحديد موت جذع المخ لأن إقرار القانون بدون ذلك يعني أننا سنقر نقل الأعضاء من أحياء لأحياء وهذا قد يكون جائزا في الكبد بنقل فص أو جزء من قص أما في الكلي وغيرها فلا يجدي ذلك.
إشراف هيئة قومية
وتابع: أما الملاحظة الثانية فكانت تتعلق بالأماكن التي ستقوم بالزراعة والبعض يطالب بأن يكون ذلك في مستشفيات حكومية وأنا لست مع ذلك، وأنا أري أنه طالما أن هناك هيئة قومية ستشرف على عمليات النقل والزراعة وسيتم الفصل بين القائمين على النقل والزراعة فهذا خير ضمان لذلك.
ونفى الزيني أن يحول هذا القانون مصر، كما يردد البعض إلى متجر كبير لتجارة الأعضاء، وقال أن التبرع سيكون اختياري قبل الوفاة ومن حق الشخص أن يقرر التبرع ثم يرجع فيه ولا توجد مادة في القانون تقول أن نأخذ الأعضاء من أي جثة فلا بد من وجود توصيات للتبرعات، مؤكدا أن العقوبات ستكون مشددة جدا ومغلظة للغاية ومن يخشي العقوبات فهوي ينوي مسبقا المخالفة.
أما الباحث الإسلامي بوزارة الأوقاف المصرية الدكتور أحمد عثمان، فيرفض عملية نقل الأعضاء، متسائلا كيف يتبرع الشخص بشيء لا يمتلكه؟، مشيرا إلى أن نقل الأعضاء من الموتى هو من باب التمثيل بالجثث .
وأضاف أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال «كل جسد نبت من حرام فالنار أولى به» وقد يكون هذا الجزء قد نبت من حرام فكيف يتم نقله إلى جسد قد يكون طيبا كما أن المرض والموت هو من قضاء الله وقدره فإلى أين الهروب؟.
إضاءة
حول أسباب عدم إقرار قانون نقل الأعضاء حتى الآن قال عضو لجنة الصحة بمجلس الشعب البرلمان المصري، الدكتور جمال الزيني إن لجنة الصحة بالمجلس انتهت من مناقشته وكان لها بعض الملاحظات علية وقامت بإعادته إلى الحكومة لإدخال التعديلات اللازمة عليه، مشيرا إلى أن الحكومة ستقدمه إلى لجنة الصحة مرة أخرى لمناقشته ثم إحالته للجنة التشريعية لإقراره قانونيا ولغويا ومن ثم عرضه على المجلس لمناقشته واتخاذ اللازم حياله.
مصطفى عبد الرازق
