ليس صحيحا اتهام كل من يشارك في «العملية السياسية» الجارية الآن في العراق، ومنذ ابريل 2003 بالموالاة للاحتلال، والخضوع لإملاءاته، لان الاحتلال هو الذي أوجد هذه العملية، كما ليس صحيحا اتهام كل من يعارض هذه العملية بـ «الإرهاب»، كما يروج لذلك الاحتلال، والأحزاب الحاكمة في كنفه، التي تلغي أي اجتهاد خارج مفاهيمها. عملية «الاستقطاب» هذه، قادت المجتمع العراقي إلى منزلق خطير، أساسه الرفض للآخر، ومسك العصا من طرف واحد، حتى اختلط الأمر على الناس.. «من مع من؟»، و«من ضد من؟».. ومن يتصالح أو يخضع، ومن يرفض ويتقاتل!!؟، وبالتالي فان الشعب هو الضحية.
تناقض لفظي... في العراق، يندر أن يوجد من «يقول» انه مع الاحتلال، ولكن السياسيين في الحكم، الذين يقولون أيضا إنهم يسعون إلى إنهاء الاحتلال، يصنفون المواقف بغير التسميات المألوفة، التي يفترض أن تكون «مقاومة سلمية، ومقاومة مسلحة»، تنتقد أو تكمل إحداهما الأخرى، ويستعيضون عن ذلك بـ «مع العملية السياسية»، أو «ضد العملية السياسية»، بما يعزز مضمون الاحتراب، لان العملية السياسية الحالية أوجدها ورعاها الاحتلال، وكل من يعارضها أو يعمل ضدها يكون مشمولا بقانون مكافحة الإرهاب، ما أوجد بالمقابل اتهام المتمسكين بهذه العملية بالموالاة للاحتلال. ومع التقارب النظري في الطرح، تتباعد المواقف عملياً، ويبقى التساؤل: من يتصالح مع من، إذا كان الهدف المطروح هو إنهاء الاحتلال؟. الأحزاب المتشبثة بالحكم ترفض الاعتراف بشيء اسمه «مقاومة»، وعلى هذا الأساس، تكون المواقف الداعية لإجبار قوات الغزو على المغادرة، ضمن الانتماءات «الإرهابية ـ البعثية ـ التكفيرية»، التي لا مجال للتحاور معها.
موقف الاعتدال
ولكن، في الطرف الآخر، كان هناك من هو أكثر اعتدالا، متمثلا بـ «هيئة علماء المسلمين»، الداعمة للمقاومة المسلحة، والتي أكدت أنها «ضد العملية السياسية، ومع العمل السياسي، الذي هو احد أوجه المقاومة»، بل ذهبت إلى ابعد من ذلك، بعدم ممانعتها أو رفضها لمن يريد المشاركة في العملية، كاجتهاد يراه البعض مفيدا، الأمر الذي أدى إلى بلورة وجهة نظر داخل العملية السياسية ذاتها، وصل إلى حد تبني رئيس الوزراء نوري المالكي الكثير من طروحات الهيئة، ومن أهمها إعادة النظر بالعملية السياسية، التي بنيت على أسس المحاصصة، وإعادة النظر بالدستور «الذي كتب ومرر على عجل، وفيه ثغرات قد تؤدي إلى تقسيم البلاد»، حسب قول المالكي.
ومع ان هيئة العلماء ما زالت خارج إطار مباحثات المصالحة، إلا ان من المرجح ان تكون طرفا أساسيا، في مرحلة لاحقة، حسب تصريحات أمين عام التيار الوطني الديمقراطي عبد الأمير الركابي، الذي وصل بغداد مؤخرا، على رأس وفد، بهدف الدعوة إلى عقد مؤتمر عام للمعارضة، ونقل نشاطها إلى الداخل.
جهل سياسي وانغلاق
وكما هو شائع في المنغلق السياسي الحالي، انبرت الحناجر والأقلام في بعض جهات العملية السياسية، لتؤكد رفضها التحاور مع البعثيين، أو عودتهم بأي شكل من الأشكال إلى الحياة السياسية، من دون معرفة ان الركابي ووفده ليسوا من البعثيين، ولا يمتون إليهم بصلة، وإنهم، وخاصة رئيس الوفد، من الشيوعيين السابقين «جماعة الكفاح المسلح»، إلا ان من بين الذين أتوا إلى العراق احد القياديين البعثيين المعارضين لنظام صدام حسين، وهو محمد الشيخ راضي، الذي ينتمي إلى البعث ؟ الجناح السوري.
وتشكل حالة الرفض هذه احد أمرين، إما جهل كامل بالأمور السياسية، أو انغلاق على كل ما هو خارج «العملية السياسية»، خاصة وان الركابي أعلن عن رفض المعارضة للعملية السياسية الحالية، التي أوجدها الاحتلال.
غير أن ما يثير التساؤل والاستغراب هنا، هو السر وراء «انفتاح» حكومة المالكي، بينما لا يزال عشرات الألوف من معارضي الاحتلال في السجون والمعتقلات، وهل الموضوع متعمد للتسويق الخارجي فقط، أم هناك جدية في المصالحة هذه المرة!؟
البداية بالصحوات
ويعتقد الكثير من المحللين السياسيين، ان الأمر لا يتعلق بسياسة الرئيس الأميركي الجديد باراك اوباما، بل يرجع إلى ما هو ابعد من ذلك، وهو إدراك قوة الاحتلال، منذ عهد إدارة بوش، بصعوبة الخروج من المنزلق العراقي، وعدم إمكانية الاستمرار فيه إلى الأبد، خاصة مع تفاقم الأزمة الدورية للرأسمالية، والعبء العراقي الذي أصبح ثقيلا، ما اقتضى العمل على تقليص الوجود الأميركي في العراق إلى أدنى مستويات ممكنة.
ويبدو أن الولايات المتحدة أصبحت أكثر خبرة من ذي قبل بالشأن العراقي، حيث استطاعت فرض وجودها من خلال إشعال الحرب الطائفية، التي يعني استمرارها المكوث طويلا، وتكبد المزيد من الخسائر، لذا كان لابد لها من العمل على إخماد هذه الحرب، لكي تستطيع التفكير في إمكانية تنفيذ ما اسماه الرئيس الجديد باراك اوباما «الانسحاب المسؤول».
وفكرة الانسحاب المسؤول هذه، بدأ تطبيقها في عهد بوش، عندما استجابت عشائر «سنّية»، ومعها بعض أطراف المقاومة المسلحة، لفكرة التعاون من اجل ضرب تنظيم القاعدة، مقابل اعتبار التغلغل الإيراني هو الأخطر على العراق من الاحتلال الأميركي، الذي لا بد أن يرحل في يوم ما.
وعلى الرغم من احتجاجات حكومة المالكي، ومعها الأحزاب «الشيعية»، على هذا التعاون مع «الإرهابيين»، الذي نشأ تحت مسمى «الصحوات»، واصل الجانب الأميركي إلقاء ثقله في هذا المجال، بل بلغ الأمر أن يزور الرئيس الأميركي جورج بوش العراق، بطائرة حطت به في محافظة الانبار، ليتوجه إلى مضيف الرئيس السابق لمجالس الصحوة الشيخ عبد الستار أبو ريشة، الذي قتل فيما بعد في حادث تفجير.
القاعدة مقابل الميليشيات
وإذ أصبحت مجالس الصحوة واقع حال، وفرضت نفوذها في المناطق الغربية من العراق، وخاصة في محافظة الانبار الساخنة، لم تجد الحكومة بدّاً من الاعتراف بها، وتبنيها، كما اعترفت الأحزاب والتنظيمات «الشيعية» الأخرى بها، وتعاونت معها.
إلا ان السياسة الأميركية، التي تعلمت درسا من التجربة العراقية، لم يكن بمستطاعها مسك العصا من طرف واحد، لان وقف الاحتراب الطائفي كان مبنيا على أساس «القاعدة مقابل الميليشيات»، وكانت الحكومة مجبرة في العام 2007 على توجيه ضربات إلى الجناح العسكري للتيار الصدري في بغداد، على الرغم من تسريب معلومات إليه بضرورة مغادرة واختفاء عناصره الأساسية، وانتقال الكثير منهم إلى الجنوب أو إلى إيران.
وعلى الرغم من الاختلاف الطائفي بين غرب وشمال العراق وجنوبه، كان من الواضح وجود رابط مشترك مهم، هو الوجود العشائري، الذي تلتقي عنده عروبة العراق، رغم إلغاء هذه الفقرة من الدستور الجديد.
توريط المجلس الأعلى
وكإقرار واقع، ليس أكثر، فان التوجه لضرب ميليشيات جيش المهدي والقوى الساندة لها في الجنوب، لم يكن بعلم رئيس الوزراء نوري المالكي، القائد العام للقوات المسلحة، الذي كان يستعد لحضور القمة العربية في دمشق أواخر شهر مارس 2008 عندما بدأت عمليات «صولة الفرسان» في البصرة، وانتقلت إلى مدن أخرى.
وعلى الرغم من أن الهدف الذي كان معلنا آنذاك هو ضرب «الخارجين على القانون» من أنصار جيش المهدي، والميليشيات الأخرى المرتبطة بإيران، فان «اللعبة» كانت اكبر، لان الطرف الذي ألقى بكل ثقله في المعارك ضد جيش المهدي هو «المجلس الأعلى الإسلامي»، المتنفذة ميليشياته في الأجهزة الأمنية، والمعروف بأنه الأكثر قربا من إيران!!
حيث كان يأمل من ضرب التيار الصدري ان تخلو له الساحة في جنوب ووسط العراق. وقد ابتلع المجلس الأعلى «الطعم»، ليحل عليه غضب الشارع الجنوبي، وليفقد مكانته ومراكز قوته. ولم يكن بالإمكان الوقوف بوجه نفوذ المجلس الأعلى، ولاسيما جناحه العسكري منظمة بدر، إلا من خلال العشائر، والعشائر أيضا.
استبدال رجعية بأخرى
في هذه المرحلة، تم اتهام الجانب الأميركي والحكومة العراقية باستبدال الرجعية الطائفية بالرجعية العشائرية، المتمثلة بـ «مجالس الإسناد» التي أدت إلى سقوط المجلس الأعلى في انتخابات مجالس المحافظات، وصعود المالكي الذي يفتقد إلى الدعم من أي حزب سياسي، بعد ان انشق على حزب الدعوة، الذي عاد إلى دعمه مع التيار الصدري، في مواجهة نفوذ المجلس الأعلى، المرشح حاليا لضربات قوية، من خلال تصفية وجوده في الأجهزة الأمنية، بعد تشكيل مجالس المحافظات الجديدة.
وليس غريبا ما يتم إعلانه في الآونة الأخيرة من القبض على مجاميع متنفذة في الأجهزة الأمنية، متهمة بالاغتيالات والتهجير والفساد وما إلى ذلك. ولعل ما يثير الدهشة والاستغراب إعلان الحكومة عن استمرار عمليات التنقية في أجهزة وزارة الداخلية، التي شملت لحد الآن 62 ألف ضابط ومنتسب.. انه رقم فلكي يؤشر مدى ما عاناه العراقيون على أيدي هذه الأجهزة.
تلبية مطلب المقاومة
إن تطهير الأجهزة الأمنية من الميليشيات والعناصر المسيئة، كان من أهم مطالب المقاومة السلمية والمسلحة، وكانت هذه الأجهزة الأمنية والميليشيات أداة الحرب ضد المعارضين، ما يؤشر ان هناك مفاوضات كانت تجري في السر، بين الجانب الأميركي وبعض أطراف الحكومة من جهة، وأطراف سياسية عراقية معارضة، مدعومة عربيا وأوربيا، لإيجاد حل للمأزق الأميركي في العراق. ومن ابرز ما يجمع هذه الأطراف هو الخشية من التغلغل الإيراني، الذي عاد ليلعب الورقة الكردية مجددا.
وبينما لم يدخل الطرف الكردي حتى الآن بشكل مباشر في «التسويات التصالحية»، يدرك الجانب الأميركي، وكذلك تدرك الحكومة العراقية، وجود معادلة جديدة، أفرزتها العمليات العسكرية الفاشلة في نينوى وديالى، وحتى كركوك.
وبالأخص عمليات أم الربيعين في الموصل، وهي «القاعدة مقابل البيشمركة»، إذ طالما يوجد نفوذ للبيشمركة وقوات الأمن الكردية «الأسايش» في هذه المناطق، فان الناس يلجأون إلى الاحتماء بالقاعدة، وفصائل المقاومة الأخرى، وقد جاءت نتائج انتخابات مجالس المحافظات خير تعبير عن ذلك، عندما حصلت قائمة «الحدباء» في نينوى على أكثر من نصف المقاعد، ما يؤهلها لتطهير الأجهزة الأمنية في نينوى، وإنهاء الاستئثار الكردي.
وأخيرا، دخل التيار الوطني الديمقراطي على الخط، معلنا رفضه للعملية السياسية، دون أن يتهم بدعم الإرهاب، بينما تفاوض أطراف في الحكومة الضباط السابقين الموجودين في الخارج للعودة، ضمن خطة استقطاب عروبي، تشمل البعثيين أيضا، للوقوف بوجه التغلغل الإيراني في حال تقليص الوجود الأميركي في العراق..
ومن كل ذلك يبدو ان قوة الاحتلال، هي الطرف الأساسي في «لعبة المصالحات»، بينما لا تعرف أطراف سياسية عديدة شيئا عما يدور، ما يجعلها في حالة تخبط وحيرة من أمرها، حول مستقبلها، بينما تبقى النقطة الخلافية الأساسية هي الاعتراف بعدم مشروعية الغزو والاحتلال، وهو ما بدأ التلميح إليه في تصريحات العديد من المسؤولين الأميركان والبريطانيين، السابقين والحاليين.
رحلة المصالحة في العراق
تتواصل جهود المصالحة في العراق على مدى ست سنوات منذ بدء الغزو الأميركي للبلاد، والذي أدى إلى سقوط نظام حسين، حيث تتباين التيارات السياسية المختلفة في البلاد بشأن سبل مواجهة الاحتلال الأميركي للبلاد.
ففيما ترحب بعض القوى بهذا الوجود باعتباره ضمانة للاستقرار هناك، فإن هناك تيارات أخرى تعارضه ويصل الأمر بأخرى إلى مقاومته عسكريا على نحو ما يتابعه المرء من تطورات جارية في العراق. وقد تعددت جهود المصالحة في العراق دون أن تأتي بنتائج ذات بال حتى الآن وإن كان من المتوقع في ضوء المؤشرات على الانسحاب الأميركي من هناك أن يلتئم شمل الكثير من الفصائل العراقية باعتبار اختفاء السبب الذي يتسبب في الخلاف بين الفرقاء العراقيين.
وقد ترافقت جهود المصالحة بخطوات عديدة منها تلك المتمثلة فيما دعا إليه رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي الشعب من عفو عمن تعاونوا مع حكومة الرئيس السابق صدام حسين. وهى الدعوة التي طرحها المالكي أمام مؤتمر للمصالحة عقدته عشيرة شيعية قال فيها إن مثل هذه المؤتمرات حجر الزاوية لبناء العراق وللعودة به إلى شريعة القانون.
وقال المسؤول العراقي «ينبغي أن نتصالح مع أولئك الذين ارتكبوا خطأ، واضطروا إلى الوقوف في صف النظام السابق. إنهم ما زالوا اليوم أبناء للعراق». وأضاف قائلا: «سنتصالح معهم شريطة أن يأتوا إلينا وأن يطووا صفحة الماضي، فما حدث قد حدث». ويسعى رئيس وزراء العراق في إطار خطة للمصالحة إلى ترغيب العشائر في المشاركة في تدبير الشؤون المحلية عبر هذه المؤتمرات العشائرية.
ويعترض العديد من السياسيين على مثل هذه المبادرات ويعتبرها محاولة دعائية يريد المالكي من ورائها تعزيز حظوظه للفوز بالانتخابات البرلمانية المقبلة. وتسعى الحكومة العراقية والقوات الأميركية إلى دفع العراقيين إلى المصالحة سواء عبر الوسائل السياسية. وكان من بين الوسائل التي تم العمل بها في هذا الصدد إنشاء ما يدعى مجالس الصحوة الإسلامية التي تضم المسلحين السنة السابقين.
ولم يعد العنف وحالة انعدام الأمن يشكلان هاجسا رئيسيا بالنسبة إلى معظم العراقيين للمرة الأولى بعد الاحتلال الذي قادته الولايات المتحدة للعراق عام 2003، وفقا لنتيجة استطلاع آراء. ويخلص الاستطلاع إلى أن العراقيين أصبحوا أكثر أملا في الحصول على مستقبل أفضل وباتوا أكثر انشغالا بأمورهم العادية مثل الوضع الاقتصادي والحصول على فرص العمل.
لكن العراقيين يظلون أكثر قلقا بشأن الدور الذي تقوم به القوى الخارجية في رسم مستقبل بلادهم ولاسيما إيران والولايات المتحدة وبريطانيا.
وتدفع الولايات المتحدة بالمصالحة للخروج من مأزق اتهامها بزرع الفرقة في العراق، وعلى النحو الذي يضمن ترتيب الأمور بالشكل الذي يحقق لها مصالحها. ولعل ذلك وراء الإحباط الذي كشف عنه أكثر من مسؤول أميركي بشأن إخفاق عمليات المصالحة وفي ذلك مثلا كان وزير الدفاع الأميركي روبرت جيتس أعرب عن شعوره بالإحباط تجاه فشل جهود الحكومة العراقية الرامية للمصالحة الوطنية.
بغداد ـ عراق احمد

