«الشيطان يكمن في التفاصيل» مقولة تنطبق على حال الحوار الوطني الفلسطيني الذي بدأ في العاصمة المصرية القاهرة فقد انحسرت الآمال في نجاح المتحاورين في التوصل إلى الأهداف الفلسطينية بعد الشروع في تفاصيل نقاش اللجان الست التي تبحث في الملفات الشائكة، وظهرت الخلافات الكبيرة في جميع القضايا المطروحة للنقاش بل والمؤجلة أيضا.
وفي تصريحات خاصة لـ «البيان» لم يخف قادة الفصائل ومسؤولون كبار شاركوا في كواليس الحوار خيبة الأمل باحتمال إعلان فشل الحوار. وسارعت كل من حماس وفتح إلى تبادل الاتهامات بالمسؤولية عن إفشال الحوار عبر التمترس خلف مواقف وإجراءات لا تساعد في التوصل إلى أي اتفاق.
وقال رئيس كتلة فتح البرلمانية عزام الأحمد ورئيس وفدها للجنة الانتخابات في الحوار إن حركة «حماس» طرحت في لجنة الحكومة العودة لبرنامج حكومة الوحدة الوطنية، معلناً رفض حركته لذلك. وقال الأحمد إن العودة إلى برنامج حكومة الوحدة الوطنية (التي كانت فتح وحماس توافقتا على تشكيلها في فبراير2007 لا يسهم بإنجاح عمل الحكومة الانتقالية - حكومة حل الأزمة).
وأضاف في حكومة الوحدة الوطنية كنت نائبا لرئيس الوزراء ويجب أن نكون صرحاء بخصوص برنامج هذه الحكومة فهو لم يفلح بفك الحصار عنها وبخاصة عن حماس، ونحن نريد فك الحصار الشامل عن الشعب الفلسطيني وقواه. وتابع إن حركة فتح ترى أن الحل الوحيد ولا يوجد غيره هو الالتزام من قبل الحكومة بالتزامات منظمة التحرير الفلسطينية.
ومضى نحن قلنا لـ «حماس» الشروط التي يعلنها المجتمع الدولي وبعض القوى الإقليمية نحن لا نريد أن نتعامل معها فتعامل هذه القوى مع منظمة التحرير وليس مع الحكومة في الجانب السياسي.
من جهته، أعلن فوزي برهوم المتحدث باسم حركة «حماس» رفض حركته لفرض شروطً على برنامج الحكومة المقبلة والاشتراط أن تلتزم الحكومة بالاتفاقيات الموقعة من قبل المنظمة. وقال برهوم إن هذه المطالبة تتناقض تماما مع بديهيات جدول أعمال اللجان وطبيعة الحوار والطرق السليمة لمجريات أي حوار وبالتالي المطلوب ليس اشتراطات ولا إملاءات ولا فرض وجهات نظر إنما المطلوب الاستماع إلى كل وجهات النظر ثم الخروج بقواسم مشتركة يتم التوافق عليها.
ودعا برهوم إلى إعطاء الفرصة الكافية لحوار القاهرة وأن تضاعف الجهود وتركز الرعاية المصرية للوصول إلى نتائج إيجابية على قاعدة احترام القانون الأساسي وإحكامه ووثيقة الوفاق الوطني الفلسطيني واتفاق القاهرة.
وضمن التصريحات التوتيرية قال أسامة حمدان ممثل حركة حماس هناك خلافات حادة في وجهات النظر بشأن الحكومة التوافقية والوطنية خلال الحوار القائم في القاهرة بين وفدي حركتي حماس وفتح وباقي الفصائل الفلسطينية المشاركة بالحوار.
وأشار حمدان إلى أن هناك مطالب من أحد الأطراف بالحوار بإقامة حكومة على المقاس الذي تضعه الـ «سي آي ايه»، وقد كان هذا الطلب بشكل صريح وأن تعترف الحكومة بشكل كامل بالاتفاقات التي تمت برعاية عملية التسوية البائدة.
وأكد حمدان أن حركة حماس ومعها العديد من الفصائل المحاورة ترفض حكومة وحدة فلسطينية تقر باتفاقات التسوية التي تعترف بالاحتلال كدولة، وترفض أي اتفاق يضر بمصالح الشعب الفلسطيني، كما ترفض أيضا حكومة وحدوية لا تدعم المقاومة ولا تضعها في سلم أولوياتها.
الفصائل تتهم حماس
من جهتها اتهمت الفصائل الفلسطينية وعلى رأسها فتح والجبهة الديمقراطية وجبهة التحرير الفلسطينية حماس بأنها أفشلت الحوار عبر مواقفها وقالت الجبهة الديمقراطية إن محاولات الوصول إلى «اتفاق محاصصة» واجتماعات ثنائية مغلقة بين حماس وفتح لم تتوقف من وراء ظهر الحوار الشامل.
وتم تعطيل أعمال اللجان الأساسية الثلاث: لجنة منظمة التحرير الفلسطينية، لجنة الحكومة، لجنة الانتخابات منذ اليوم الثاني للحوار، ودعت الجبهة «لجنة الإشراف العليا» المشكلة من مصر والجامعة العربية والأمناء العامون، ومن ينوب عن غياب أي منهم والشخصيات المستقلة إلى التدخل لمنع صفقات المحاصصة المدمِّرة التي تعيد إنتاج الأزمة الانقسامية الدامية والانقلابات السياسية والعسكرية، وإلى التدخل لحل القضايا الخلافية على أساس وثائق الإجماع الوطني بمؤتمرات الحوار الشامل وآخرها وثيقة فبراير 2009 التي تجري مناورات ومحاولات الارتداد عنها إلى الوراء، والعودة إلى «المحاصصة الانقسامية والاحتكارية» بديلاً عن العودة للشعب بانتخابات شاملة لمنظمة التحرير والمؤسسات التشريعية والرئاسية للسلطة الفلسطينية بسقف يناير 2010.
النونو يتهم فتح
ومن صور الخلافات في التفاصيل ما أدلى به المتحدث باسم الحكومة الفلسطينية طاهر النونو، الذي أعرب عن أسفه لمحاولات إعاقة الحوار من قبل حركة فتح عبر السعي لفرض شروط الرباعية والتزامات منظمة التحرير الفلسطينية السابقة على الحكومة الفلسطينية الجديدة.
وقال: إن «هذا الأمر من شأنه إعاقة الحوار باعتبار أن هذه الأمور مرفوضة من قبل حماس، متسائلاً ما علاقة شروط الرباعية والاعتراف بإسرائيل بالوفاق الوطني.
ودعا النونو فتح إلى التحرر من الأجندة الخارجية والعمل بإرادة وطنية حرة، موضحا إن هناك محاولة من فتح للتهرب من اتفاق إطلاق سراح المعتقلين السياسيين في الضفة الغربية الذي تم في فبراير، بمصر، معتبراً أن سياسة الباب الدوار الذي تمارسه أجهزة أمن الضفة أمر مرفوض، وليس المطلوب إطلاق سراح عشرات المعتقلين وإنما إنهاء هذا الملف بالكامل.
وحذر من أن هذا التهرب من حل ملف المعتقلين السياسيين يخلق أجواء سلبية ويعيق التقدم في الحوار. واعتبر النونو أن رفض حركة فتح تشكيل مرجعية وطنية عليا من مهامها إعادة انتخاب مجلس وطني جديد، والإشراف على تطبيق اتفاق المصالحة حال التوصل إليه، والبحث في القضايا السياسية للشعب الفلسطيني إلى حين إعادة تشكيل مؤسسة منظمة التحرير الفلسطينية هو ربط غير مبرر باعتبار أن تشكيل هذه المرجعية مطلب ملح للشعب الفلسطيني.
تفاؤل حذر
وأما على صعيد موقف المستقلين فقد سادت لديهم آمال مشوبة بالحذر إزاء إمكانية التوصل إلى حلول للازمات العالقة بين حماس وفتح على وجه الخصوص وقد خاطب الشيخ ياسين الأسطل الرئيس العام للمجلس العلمي للدعوة السلفية بفلسطين الرئيس محمود عباس والمجتمعين من الفصائل في القاهرة قائلاً: إن مسؤوليتكم عظيمة أمام الله وقد ولاكم سبحانه وتعالى ثم شعبكم ما تحملتم من أمانات.
ودعا الأسطل المجتمعين إلى اتخاذ قرار واحد.. فنحن أصحاب الهم الواحد والهدف الواحد والقضية الواحدة وبذلك يتم تحقيق مقاصد المصالحة الفلسطينية الشاملة التي هيأت لها مصر ما تتطلبه من مقومات النجاح والثبات.
وأعرب عن أمله بأن تحافظ الفصائل والقوى الفلسطينية على أجواء السرور العربي بالمصالحة العربية التي تحققت في قمة الرياض الأخيرة وأن تعكس الوفود الفلسطينية للمصالحة النتائج الإيجابية في حوار القاهرة، داعياً إلى اتفاق وجهات النظر أو توافقها تلبية لتطلعات أبناء الشعب الفلسطيني والأمة العربية.
خطوات مطلوبة
فيما وجه القيادي في حماس وأستاذ القضية الفلسطينية في الجامعات الفلسطينية الدكتور عصام عدوان رسالة مفتوحة إلى كل من الرئيس محمود عباس ورئيس الوزراء المقال إسماعيل هنية دعاهم فيها إلى ضرورة التزامن بين ملفي الحكومة والمنظمة.
وأكد عدوان على أن الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج ليرقب بتوتر كبير ما ستسفر عنه حوارات القاهرة عبر لجانها الخمس،موضحا في رسالته إن تجارب حوار القاهرة في مارس 2005، ووثيقة الوفاق الوطني في نوفمبر 2006، واتفاق مكة في فبراير 2007، جميعها تناولت الحديث عن ضرورة تفعيل وإصلاح منظمة التحرير ولكن دون أن يحصل ذلك، وكان دائماً يُكتفى بتشكيل حكومة وطنية توافقية أو وحدة وطنية، لا تكاد تصمد أمام حاجات القضية الفلسطينية.
وقال عدوان لـ «البيان»: تتلخص رسالتي في ضرورة السيْر بشكل متزامن خطوة بخطوة في ملفي تشكيل حكومة تسيير الأعمال إلى حين الانتخابات التشريعية المقبلة، وتشكيل لجنة تحضيرية لمنظمة التحرير الفلسطينية تعمل كلجنة تسيير أعمال لمنظمة التحرير إلى حين إجراء انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني، وذلك على النحو التالي
أولاً: أن يتم تسمية أعضاء الحكومة المقبلة التي ستحضِّر للانتخابات التشريعية المقبلة مع تسمية أعضاء اللجنة التحضيرية الفصائلية التي ستسيِّر شؤون منظمة التحرير إلى حين إجراء انتخابات المجلس الوطني، في وثيقة واحدة، ويتم الإعلان عنهما في جلسة واحدة.
ثانياً: الأفضل لحالة شعبنا مابين الداخل والخارج، أن يتم الفصل الكامل بين المجلسين التشريعي والوطني، ولذلك يتحدد عقْد انتخابات المجلسين في يوم واحد.
ثالثاً: يتم تشكيل حكومة جديدة ما بعد الانتخابات التشريعية، وتشكيل لجنة تنفيذية جديدة للمنظمة ما بعد انتخابات المجلس الوطني، ويُعلن عنهما في يوم واحد، ليبدأ الشعب الفلسطيني حياة وطنية على أسس ديمقراطية تعينه على تخطي الصعاب وتحقيق الآمال.
رابعاً: لقد أثبت الاحتلال الصهيوني أنه لا يحترم نتائج الانتخابات الفلسطينية، وقد أقدم على اعتقال نواب السلطة الفلسطينية، ولذلك فليس من الحكمة أن تمارس السلطة الفلسطينية أدواراً سياسية، بل عليها القيام بالمتطلبات المدنية للشعب الفلسطيني في الداخل، وتتولى منظمة التحرير القيادة السياسية للشعب الفلسطيني في الداخل والخارج، ويكون المجلس الوطني الفلسطيني الجديد سيّد نفسه، ويكون مقره داخل مقر جامعة الدول العربية حيثما كان مقرها وبالاتفاق مع الجامعة العربية ومصر. أو في أي بلد عربي مجاور لفلسطين وبالاتفاق معه.
أحلام الشارع الفلسطيني
إذا كانت هذه هي آراء النخبة السياسية، فإن متابعة من قريب تشير إلى أن الحذر ما زال يسود لدى المواطنين ويعتريهم الترقب والتساؤلات حول تحقيق أحلامهم وإنجاز أهداف ايجابية من الحوار وفي ذلك الصدد مثلا يقول محمد شعبان من غزة لـ «البيان»: ماذا ينتظرون من وراء هذه المفاوضات مع طرف يقوم بتنفيذ مخططات صهيونية بأهله ويأسر مقاوميه.
وقال أرى أن النسيان يؤثر عليكم تجاه هذا الطرف الذي يقوم بأسر المجاهدين وإذا تم إمساك أي صهيوني يتم تسليمه والمحافظة على أمنه وكأن لسان حالهم بقول إن أسر وتعذيب المسلمين حلال لأنهم هم المعتدين بينما أسر اليهود حرام فهم أصحاب حق.
وقال المواطن ابوخالد صبري: نتمنى من الإخوة المتحاورين في القاهرة إن يراعوا مصالحنا وأننا جميعا نريد الوحدة الوطنية ونرفض الانقسام الداخلي ولكن نريد ان لا يكون في داخلنا أي خلايا غريبة أي لا وجود للإسرائيليين والأميركيين بيننا وهذا هو أملنا.
مناشدة
وجه القيادي في حماس وأستاذ القضية الفلسطينية في الجامعات الفلسطينية الدكتور عصام عدوان رسالة مفتوحة إلى كل من الرئيس محمود عباس ورئيس الوزراء المقال إسماعيل هنية دعاهم فيها إلى ضرورة التزامن بين ملفي الحكومة والمنظمة.
وأكد عدوان على أن الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج ليرقب بتوتر كبير ما ستسفر عنه حوارات القاهرة عبر لجانها الخمس.
غزة ـ ماهرابراهيم
