بدأت الاستعدادات لانعقاد القمة العربية العادية في قطر بنهاية شهر مارس الجاري، وشهدت الفترة الماضية تكثيفا للاتصالات العربية. فالملفات كانت ولا تزال مزدحمة بالقضايا الخلافية. وتمثل المصالحتان الفلسطينية بالقاهرة والمصرية السورية في الرياض الحدث الأبرز للتحركات العربية باتجاه قمة الدوحة.

والمفارقة الأهم أن العرب الذين احتربوا لإفشال قمة الدوحة الأولى خلال الحرب على غزة يظهرون اليوم أكثر حرصا على الدوحة الثانية بل إن الرياض التي سعت لتشتيت القمة الأولى هي التي تتحرك اليوم لتجميع العرب في الثانية. أما القاهرة ودمشق فهما متلهفتان اليوم على التعادل بالنقاط بعدما كانتا حريصتين على ان تصرع إحداهما الأخرى في الدوحة الأولى.

كل المشاهد العربية تصور هذه الأيام بكاميرات جديدة في مواقع التصوير ذاتها وبنفس الشخصيات وكأن عرب شهر يناير الماضي ليسوا هم عرب مارس الجاري على الرغم من أن الذي تغير فقط هو التاريخ وليس الجغرافيا. وهذا جزء يسير من الأحجيات التي تحكم العلاقات العربية ـ العربية.

جذور الخلاف

لكي نفهم ما جرى بين سنوات المصارعة وساعات المصالحة علينا أن نفهم طبيعة العلاقات القائمة بين كل من دمشق والقاهرة وبين دمشق والرياض. فالعلاقات المصرية السورية محكومة بالندية والتنافس والاختلاف حول قضيتين رئيسيتين هما: العلاقة مع إسرائيل والموقف من حركات المقاومة. وتقف كل من القاهرة ودمشق على طرفي نقيض من القضيتين. أما العلاقة السورية السعودية فمحكومة بالتنافس على الأدوار في الساحة اللبنانية بالدرجة الأولى.

وتعود جذور الصراع بين كل من مصر والسعودية من ناحية وسوريا من ناحية أخرى إلى العام2005 بسبب لبنان في استجابة لضغوط مارستها إدارة الرئيس السابق جورج دبليو بوش بهدف عزل سوريا التي صنفتها واشنطن ضمن دول محور الشر وتعمدت محاصرتها دوليا وعربيا عقابا لها على دورها المناوئ لها في العراق وتحالفها في ذلك مع إيران. ونجحت الولايات المتحدة في ذلك إلى حد كبير حيث انصبت الضغوط على إنهاء الوجود السوري في لبنان.

وتحقق ذلك عندما جاءتها الضربة مع اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري. وتصاعدت هذه الضغوط إلى التلويح بإسقاط النظام السوري.

ولم تكن إسرائيل بالطبع بعيدة عن كل هذه الأجواء فاستغلتها في شن أعمال عسكرية بتشجيع أميركي. فقام طيرانها بقصف بعض المواقع السورية واختراق الأجواء وصولا للتحليق فوق القصر الرئاسي ثم قصف منطقة دير الزور التي زعمت إسرائيل أنها موقع بناء مفاعل نووي. في الوقت ذاته لم تسلم الأراضي السورية أيضا من الاعتداءات العسكرية الأميركية انطلاقا من العراق.

وبموازاة الضربات والضغوط الأميركية الإسرائيلية انضمت دول عربية إلى حلف سياسي استخباري مع الولايات المتحدة كمحور عربي مضاد لكل من سوريا وإيران والمحسوبين عليهما من حركات المقاومة في لبنان وفلسطين. وأطلق على هذا الحلف اسم (8+1) أي ثماني دول عربية بالإضافة إلى الولايات المتحدة الأميركية ثم تعدل إلى (6+2+1). واستطاع هذا الحلف إشعال الأوضاع ضد سوريا وإيران في المنطقة بما تشمل محاولة ضرب حزب الله وحركتي حماس والجهاد الإسلامي.

العرب بين معسكرين

وقسمت هذه الصراعات العرب إلى معسكرين متناحرين أطلقت واشنطن على احدهما اسم (معسكر الاعتدال) بينما أطلق الثاني على نفسه اسم (معسكر الممانعة). وتجلت حدة الانقسامات بين الاثنين في الحرب الإسرائيلية على لبنان في يوليو 2006. لكن الانتصار العظيم الذي حققه حزب الله في حرب يوليو وما ترتب عليه من إفشال المخططات الأميركية والإسرائيلية زاد من تقوية الممانعين.

وأضعف مكانة المعتدلين دولا وتيارات ممن ساندوا العدوان الإسرائيلي على لبنان. وكانت الكلمة التي ألقاها الرئيس السوري بشار الأسد عقب انتصار حزب الله والتي وصف فيها من ساندوا العدوان على لبنان ب (أنصاف الرجال) هي التي ألهبت الخلافات العربية ونقلتها من الموضوعي إلى الشخصي.

وفي غمار الصراعات لم تنس دمشق أن ترد على تحركات االمعتدلين المناوئة لها فتدخلت لضرب الدور المصري في الملف الفلسطيني وهو الذي تعتبره القاهرة أحد مفردات أمنها القومي.

ونجحت في إفساد جهود مصر على صعيد ملفي المصالحة والتهدئة في نوفمبر الماضي أي قبل اندلاع الحرب على غزة بنحو شهر فاختلطت الأوراق وظهرت مشكلة انتهاء حكم الرئيس الفلسطيني ورفض حماس التجديد له كما ظهرت نبرة تشكيك في الدور المصري إزاء ملف الإفراج عن الأسرى الفلسطينيين مقابل الجندي الإسرائيلي الأسير جلعاد شاليط.

وقد استغلت إسرائيل هذه الأجواء المشحونة بالخلافات وقامت بشن حربها على غزة ونجحت في توسيع شقة الخلاف الفلسطيني والعربي خاصة بعدما أشير إلى تواطؤ رسمي فلسطيني وعربي مع إسرائيل. وكان للانتصار الذي حققته المقاومة الفلسطينية في غزة على إسرائيل دور كبير في إضعاف معسكر الاعتدال وتقوية الممانعة على غرار ما جرى في حرب لبنان 2006.

وطوال أيام الحرب على غزة دخل العرب في حرب أهلية سياسية وإعلامية موازية فشهدنا حروب قمم بين القاهرة والدوحة. وفي خلال أقل من عشرين يوما عقد العرب أربع قمم متناحرة في الدوحة والرياض وشرم الشيخ والكويت بعدما اختلفوا على عقد قمة واحدة طارئة.

ودارت حروب القمم حول العلاقة مع إسرائيل في مقابل دور المقاومة. وجرت مساع سورية قطرية لإلغاء مبادرة السلام العربية ومحاولة التخلي عن السير في نهج السلام وقطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل ونجح ذلك من جانب قطر وموريتانيا.

من التضارب إلى التقارب

وخلال انعقاد القمة الاقتصادية في الكويت التي حضرها العرب على أعلى مستوى حدثت المفاجأة في الخطوة التي أقدم عليها العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبدالعزيز عندما جمع قادة مصر وسوريا وقطر على مأدبة غذاء. ودعا إلى تصفية الأجواء العربية. وكان قد مهد لذلك في كلمته بالجلسة الافتتاحية عندما أعلن أن مبادرة السلام العربية لن تبقى طويلا على الطاولة فقرب بذلك بين طرفي الخلاف.

وكانت قيمة هذه الخطوة المفاجئة من جانب الملك عبدالله أنها بشرت بمرحلة سعودية جديدة انتقلت فيها الرياض من عنصر مشارك في الخلافات العربية ضمن معسكر الاعتدال إلى عنصر قائد لتحقيق المصالحة بما يعني خروجها عمليا من المعسكرين العربيين إلى ثالث متفرد.

وساعد على ذلك أن الملك عبدالله هو صاحب مبادرة السلام العربية التي انقسم العرب بشأنها. ويضاف إلى ذلك أن المملكة العربية السعودية كانت الأقل انغماسا في الخلافات (ولو ظاهريا).

كما كانت الأسرع في التقاط المتغيرات الجديدة في السياسة الأميركية مع مقدم الرئيس باراك أوباما الذي بشر بالتغيير والابتعاد عن نهج الإدارة السابقة برئاسة جورج دبليو بوش الذي يقوم على ضرب العرب بعضهم ببعض. وهذا ما يشي بأن التحرك العربي نحو المصالحة يحظى بمباركة أميركية.

نحو موقف جماعي

وكانت قمة الرياض التي عقدت يوم الأربعاء 11مارس الماضي تتويجا لجهود سعودية انفتحت فيها أولا على دمشق ثم ساهمت بجمعها مع القاهرة. وعلى الرغم من قصر ديباجة البيان الختامي الصادر عن القمة إلا انه عكس أجواء ايجابية كشف عن رغبة العواصم الثلاث في الحد من الخلافات، حيث وصفها كل منهم بـ (الناجحة) واعتبرها بداية جديدة في العلاقات العربية. وتطمح الأطراف في المرحلة الجديدة إلى بلورة موقف جماعي من خلال قمة الدوحة المقبلة على صعيد قضيتين رئيسيتين هما:

أولا- العلاقة مع إسرائيل.

ثانيا- العلاقة مع دول الجوار.

فيما يتصل بإسرائيل من المتوقع أن تسعى الدول العربية إلى تخطي الخلاف حول المبادرة العربية سعيا لإحياء مسارات السلام في مسار عربي بما يساعد إدارة أوباما على تنشيط عملية السلام في إطار المبادرة العربية.

وتقوم المبادرة على الاعتراف بإسرائيل مقابل إعادة الأراضي المحتلة في عام 1967. فمنذ توليها الحكم أظهرت إدارة اوباما اهتماما كبيرا بالصراع العربي الإسرائيلي على ضوء حرب غزة، حيث أوفدت مبعوثها جورج ميتشل إلى المنطقة.

كما شاركت وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون في مؤتمر شرم الشيخ لإعادة إعمار غزة إلى جانب ذلك أظهرت انفتاحا كبيرا على دمشق وأعلنت تشجيعها للمفاوضات السورية الإسرائيلية التي كانت تجري برعاية تركية.

ومن أجل ذلك أيضا تتسارع الجهود المصرية لتحقيق المصالحة الفلسطينية وإنهاء الملفات العالقة قبل قمة الدوحة لاستكمال كافة الأوراق العربية بشأن السلام بهدف إسقاط ذرائع إسرائيل حول تأثير الخلافات الفلسطينية على جهود التسوية.

فإسرائيل تتعلل دوما بعدم وجود شريك فلسطيني يمكن التفاوض معه. وما شجع الأطراف العربية على التوجه إلى مصالحة الرياض هو ما أتت به الانتخابات الإسرائيلية من فوز اليمين المتطرف وتشكيله الحكومة. وهناك مخاوف عربية غير خافيه من توجهاته.

دول الجوار

وعلى صعيد العلاقات مع دول الجوار وتحديدا الدورين الإيراني والتركي. لا يوجد موقف موحد من العلاقة مع الدولتين.

وفي الوقت الذي تتوجس فيه القاهرة والرياض مثلا من الدور الإيراني وتعتبرانه خطرا على الأمن القومي العربي فان دمشق تنخرط في علاقة تحالف مع طهران. ولهذا السبب كانت المساعي السعودية والمصرية النشطة للمصالحة بهدف إبعادها عن إيران. وينطبق ذلك أيضا على محاولة استقطاب حركتي حماس والجهاد الفلسطينيتين لكن الأمر أكثر تعقيدا مع حزب الله.

وليس من المتصور أن تولي سوريا ظهرها كلية لإيران لكن غاية ما تطمح إليه القاهرة والرياض هو أن تتوازن سياسات دمشق بما لا يناويء رؤاهما العربية وألا تسمح لإيران بالانخراط في القضايا العربية عبر بوابتها.

وتزداد الخشية المصرية السعودية هنا بسبب الانفتاح الجاري بين الولايات المتحدة وإيران خاصة وأن طهران لم تخف قط رغبتها في الحصول على اعتراف أميركي وأوروبي بنفوذها الإقليمي وبأن يكون لها دور فاعل في رسم سياسات المنطقة.

أما تركيا فتقابل بترحيب عربي بها في أطر محددة منها تحقيق التوازن الإقليمي مع إيران ولعب دور فعال في السلام مع إسرائيل. وفي الوقت الذي يلاقي فيه الدور التركي ترحيبا كبيرا من السعودية فان القاهرة تتخوف أن يكون في الحضور التركي انتقاصا من دورها على الرغم من أنها هي التي استحضرته إبان الحرب على غزة.

ومما يقوي الحضور التركي في المنطقة العربية أنه يحظى برضا ودعم أميركي وأوروبي بوصف تركيا نموذج إسلامي محبب غربيا ولكون تركيا عضوا في حلف الأطلسي إلى جانب قدرتها العملية على موازاة الدور الإيراني. كما تريد أوروبا صرف تركيا عن الإلحاح على الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي عبر توجيهها إلى الشرق.

ومن المقرر أن تبحث القمة العربية إلى جانب هذين الملفين عدة قضايا أخرى مثل الخلاف بين السودان والمحكمة الجنائية الدولية. ويتوقع أن تصدر مطالبة عربية إلى مجلس الأمن بتأجيل أو إلغاء قرار الاعتقال مع توصية عربية بضرورة السعي لوضع حلول لأزمة دارفور وغيرها من أزمات السودان.

وعلى هذا الصعيد فان المملكة العربية السعودية مرشحة للعب دور مهم بعد فشل الوساطة القطرية بين الحكومة السودانية وحركة العدل والمساواة. وسوف يحظى الوضع اللبناني بفعل مؤثرات محكمة الحريري في لاهاي ببعض الاهتمام. فهناك خشية سورية من تسييس المحكمة وتوسيع نطاقها بما يستهدف بعض الرموز. وهذا الهاجس هو أحد العوامل التي شجعت سوريا إلى التوجه نحو المصالحة العربية في الرياض.

بين التهدئة و المصالحة

وعلى الرغم مما تمخض عن قمة الرياض فان النتائج الحقيقية لم تتعد عمليا حدود التهدئة العربية ولم تبلغ بعد محطة المصالحة الفعلية. فالبيان الختامي لم يقدم إجابات حاسمة بشأن العلاقتين الخلافيتين مع إسرائيل ودول الجوار.

وفي يوم الاثنين الماضي أكد وليد المعلم وزير الخارجية السوري متانة العلاقات بين بلاده وإيران ووصفها ب(الممتازة). وكان نائب الرئيس السوري فاروق الشرع قد توجه في اليوم التالي لقمة الرياض إلى طهران للمشاركة في قمة (ايكو) وذلك في إشارة غير خافية على متانة العلاقات والتحالفات وتحت نفس المعنى شاركت قطر.

وما لم يتمكن العرب من تحديد أطر للملفات الخلافية الرئيسة في قمة الدوحة فلا شيء يمنع من عودة الصراعات إلى السطح مرة أخرى. فالرؤى العربية بشأن إسرائيل غير موحدة بعد وكذلك بشأن إيران فمثلا قوبلت التحركات العربية تجاه البحرين على إثر تصريحات ناطق نوري بنوع من اللوم على لسان ولي العهد البحريني خلال زيارته إلى طهران بل إن البحرين نفسها تطرح تصورات لدمج إيران في المنظومة العربية من خلال تكتل اقتصادي يضم العرب وإيران وتركيا وإسرائيل.

وهنا يكون من الخطأ الإفراط في التفاؤل بشأن ما جرى في الرياض لأن ما تم التوافق عليه لم يعلن صراحة ولم يختبر جديا في الميدان. لكن الأخطر من ذلك كله أن النظام العربي رغم كل ما قيل وتكرر شديد الهشاشة بعد كل ما جرى في العواصم العربية إبان الحربين الإسرائيليتين على لبنان وغزة.

وليس من المتصور أن يتم محو كل ما حدث من خلافات شخصية وموضوعية في جلسة واحدة. فقد تمت تجربة ذلك في أزمات عديدة وانتهت بالفشل.

من المهم أن يبذل العرب كل طاقتهم في قمة الدوحة لإتمام المصالحة الحقيقية بما لا يغفل أي طرف. لأن النظام العربي لا يحتمل المزيد من الصراعات. ويكون قد أقدم على الانتحار إذا ما فشلت قمة الدوحة. فالفشل سيقود إلى إطلاق أيادي القوى الإقليمية في النظام العربي لتفسخه كلية ولن تنفع مطلقا أي قمم عربية حينئذ مصغرة أو مكبرة مهما ضمت من دول وقادة.

إضاءة

في قمة الخرطوم التي عقدت بعد هزيمة يونيو 1976 رفع العرب شعار اللاءات الثلاث: ( لا صلح لا اعتراف لا تفاوض) لكن تطورات الزمن جرفت هذه اللاءات. ودخل بعضهم في صلح اعترفوا فيه بإسرائيل وتفاوض بعضهم معها فوق الطاولة وتحتها علانية وسرا.

وبعد السلام المصري الإسرائيلي قال البعض ردا على شعار (لا حرب بدون مصر) بأنه (لا سلام بدون سوريا). ومع تعقد الأزمات بين دمشق والقاهرة دخلت الرياض على خط المصالحة فاكتملت اللاءات العربية الثلاثة بشعار (لا مصالحة بدون السعودية). ونتمنى أن تكون هذه اللاء هي الصيغة الأخيرة بين العرب بعضهم بعضا.

أحمد الكناني