في قاموسنا السياسي العربي الحديث كلمات ومصطلحات فقدت معناها من كثرة لوكها في الأفواه وغالبا ما تحشر في غير سياقها، الأمر الذي افقدها مدلولها وجعلها مجرد تعريفات بلا ما صدق (بلغة أهل المنطق) وفي صدارة هذه المصطلحات تأتى المصالحة ونقيضها الخلاف، وبالمثل مفهوم التشدد والاعتدال أو(الممانعة والموالاة) بلغة أشقائنا في لبنان، ما يلحق بهما من الأزمة وانفراجها.
و ينشط سوق المرجفين والمضللين ودعاة الفتنة، في زمن التفكك والتشرذم العربي والتحول الإقليمي والدولي لتسهيل مهمة أصحاب الفيتو الأجنبي على أي خطوة تؤدى إلى تقارب عربي جاد وراسخ. وينطلق هؤلاء من حقيقة استعمارية قديمة«فرق بين الأمة تسود أبناءها وتتحكم في ثرواتها ومصائرها».
حدث هذا في النصف الثاني من القرن الماضي في محاولة غربية دؤوبة لكسر موجة التحرر الوطني وعرقلة انطلاقة التوجه الوحدوي العروبي. الأمر الذي تجسد في بروز الانقسام بين ما عرف في حينها بين(عرب الثروة وعرب الثورة) أو بين النظم الثورية وتلك المحافظة. رغم ان هذه المرحلة تميزت بحصافة الحرص على الحد الأدنى من الثوابت القومية إبان احتدام المواجهات القطرية.
من جملة الظواهر الايجابية لأسلوب إدارة الأزمة والخلافات العربية في القرن الماضي، حرص غالبية العواصم على عدم تجاوز الخط الأحمر، وعدم التفريط في الحقوق العربية، فلم يتخلف قطر عربي واحد عن الانضمام لمصر في حربها ضد العدوان الثلاثي (بريطانيا وفرنسا وإسرائيل) في عام 1956، أو التضامن مع الجزائر في حرب استقلالها عن الاستعمار الفرنسي، ولم يتخلف زعيم عربي واحد عن مؤتمر القمة المنعقد في أوائل الستينات للتصدي لمحاولات إسرائيل تحويل مجرى نهر الأردن وسرقة المياه العربية.
ويتجلى المثال الأبرز على حصافة إدارة الخلافات العربية وتحجيم تأثيرها السلبي على الأمن القومي العربي، ما جرى في مؤتمر القمة الطارئة في الخرطوم عقب هزيمة الجيوش العربية في 5 يونيو 1967.
تلك القمة التي عرفت بقمة اللاءات الثلاث، ووفرت الدعم الضروري للمقاتل على الجبهات الثلاثة: المصرية والسورية والأردنية. فلقد انعقدت تلك القمة الاستثنائية في مقرراتها على خلفية أجواء عربية ملبدة بغيوم الخلافات المزمنة بين مصر والسعودية جراء حرب اليمن ودعم القاهرة للثوار الجمهوريين واحتضان الرياض للحكام المخلوعين. وتغلبت حكمة الزعيم الراحل جمال عبد الناصر والملك الراحل فيصل بن عبد العزيز على مرارة الخلاف وانحازت إلى حقيقة أن الأمن القومي العربي كل لا يقبل التجزئة، ولا يجب التفريط فيه تحت أي ظرف أو خلاف طارئ.
على أنه لا يمكن إنكار دور المشهد العربي الشعبي وقتها في تحجيم الخلافات بين الأقطار والنظم، فلقد كان المد الشعبي جارفا لكل من يقف في طريق وحدة الهدف والصف العربي.
والعرب وقادتهم اليوم ومع قرب انعقاد قمة الدوحة نهاية الشهر الجاري إمام امتحان عسير، فليس خافيا أن المحكمة الجنائية الدولية وورائها قوى غربية تسعى لاعتقال الرئيس السوداني عمر البشير قبل أو بعد وصوله الدوحة.
والموقف الذي يترقبه المواطن العربي يتمثل في إظهار التحدي لهذا القرار الدولي الظالم، بأن يرافق الأمين العام للجامعة العربية وأمير قطر الدولة الراعية للقمة الرئيس السوداني من الخرطوم إلى الدوحة. في لفتة تبث الأمل في نظامنا العربي.
