ربما كان من المفهوم أن يرضخ الرئيس أوباما للأمر الواقع، فيقبل أو يوعز بسحب ترشيح بعض الأسماء؛ لمقاعد وزارية أو استشارية، في إدارته. حصل ذلك وتسبب له بإرباك وإحراج؛ وهو كان لا يزال على عتبة التسلم أو في أيامه الرئاسية الأولى. في أكثر من حالة، تبيّن أن المرشح الذي وقع عليه الاختيار، سجلّه معطوب.
سوء تقدير، كان لا مفرّ أمام الرئيس من الرجوع عنه ودفع ثمنه من سمعته. لكن أن يتراجع الرئيس ويطمر رأسه في الرمل، أمام انسحاب من اختاره لمنصب بالغ الحساسية، تحت ضغط حملة شعواء شنّها ضدّه اللوبي الإسرائيلي في واشنطن؛ ففي ذلك مؤشر على محدودية وهشاشة شعار التغيير، الذي حمله. الأخطر، انه يؤشر إلى استسلام إدارته المبكر، لإسرائيل ومفاتيحها؛ في واشنطن.
اختيار الرئيس أوباما، الدبلوماسي المخضرم تشارلز فريمان؛ لمنصب رئيس المجلس القومي لأجهزة التجسس والاستخبارات الأميركية ال16؛ لم يعجب اللوبي الإسرائيلي. الرجل مشهود بكفاءته وموضوعيته. أشادت به دوائر وأوساط أميركية، عديدة.
لكن جهاز الضغط الصهيوني، نبش سيرته ورأى أن المواصفات والقياسات الإسرائيلية المطلوب توفرها في من يحتل هذا الموقع البالغ الأهمية؛ لا تنطبق عليه. فقد سبق له أن كان سفيراً لبلاده في السعودية، قبل حرب الخليج. وهو يتقن العربية. عمل مع «مجلس الشؤون السياسية للشرق الأوسط». مؤسسة أبحاث، ساهم في تأسيسها مال عربي.
معروف بمواقفه الناقدة بشدة لإسرائيل وسياساتها. في عام 2005 ألقى محاضرة حول العلاقات العربية ـ الأميركية؛ تحدث فيها عن «احتلال إسرائيل للأراضي العربية وبناء المستوطنات فيها، وبما ينمّ عن عنف متأصل» لديها. خلاصة شخصية، وضعت صاحبها في مرمى الفيتو الصهيوني.
إثر تعيينه، استنفرت القوى والمنظمات اليهودية الأميركية، وعلى رأسها اللوبي؛ ماكيناتها الإعلامية والسياسية؛ لتحريض وتأليب الكونغرس ضدّه؛ وبما يكفل رفض مجلس الشيوخ، الموافقة على التعيين.
حرب تشويه سمعة وتشكيك بالولاء، تواصلت ضدّه عبر المواقع الإلكترونية، على مدى أسابيع. بضاعة صهيونية مألوفة، برسم من لا ذنب له سوى أنه تجرأ ووضع بعض النقاط على حروف العدوانية الإسرائيلية. سلاح طالما لجأت إليه هذه الجهات، لضرب عصفورين بحجر: تدفيع المتمرد ثمن جرأته. ثم، وهذا هو الأهم، جعل الانتقام درساً لإخراس الآخرين؛ كي لا يقتحموا ساحة النقد الممنوع، لإسرائيل.
كل ذلك ليس بجديد. ممارسة يعرفها كل من تعاطى السياسة في واشنطن. وبالطبع، الرئيس أوباما وإدارته. المستغرب، أن البيت الأبيض أدار ظهره لمرشحه، فريمان، وتركه ينزف تحت وطأة الحملة ولحين صارت الغالبية في الكونغرس ضده؛ مما اضطره إلى إعلان سحب ترشيحه. هروب مبكر للرئيس أوباما، من الوقوف بوجه اللوبي الإسرائيلي؛ فقط لأنه يمثل الذراع الضاغطة للكيان الصهيوني في واشنطن.
ابتلع الهزيمة، بل الصفعة؛ وكأن شيئاً لم يكن. ترك مرشحه يغرق، من دون أن يقول «لا» للقوى اليهودية الصهيونية الأميركية. مع أنه كان بإمكانه وقفها عند حدّها. عوارض التراجع والتردد يتزايد ظهورها على إدارته. وهذا العارض برسم منطقتنا.
