نستكمل في السطور المقبلة تناولنا لما بدأناه الأسبوع الماضي بخصوص الظاهرة الرحبانية في رموزها الثلاثة: عاصي ومنصور وفيروز ونضيف أن الرواية الخاصة بعائلة الرحباني تشير إلى أن حنّا عاصي كان يحب الموسيقى. وكان يعزف على البزق. لكنه لم يسمح لعاصي أو لمنصور بتعلُّم العزف على هذه الآلة. فقد كان الأمر، بالنسبة إليه، مجرد هواية. لذا كانا يستغلان غيابه في المقهى لإشباع نهمهما بدندنات بسيطة على الآلة التي سحرتهما.

في أواخر الثلاثينات من القرن الماضي، كان حنّا الرحباني يصطاف في بلدة شويا، ويشرف على مقهى «الينابيع». وصادف أن وجد عاصي في المقهى عشر ليرات لبنانية. أعطاها لوالده فعلَّقها الوالد على مدخل المقهى، علَّ صاحبها يعود ويأخذها. ثم مرت أسابيع، والليرات العشر معلَّقة، ولا من يسأل، ولا من يهتم للأمر، سوى عاصي الذي شقَّ عليه أن تبقى في مكانها، وهو يتأملها كل يوم، ولا يستطيع التصرف بها. وخطرت له فكرة.

جاء بورقة (من كيس ترابه) في حجم الليرة، وقام بعملية تزوير للورقة النقدية الأصلية، وأخذها، ووضع مكانها على مدخل المقهى الورقة المزوَّرة. ونزل إلى أنطلياس، وبحوزته الكنز الذي مكَّنه من شراء كمنجة بسبع ليرات، وهيأ له شروط الدخول في الكونسرفتوار لدرس أصول العزف على يد الأستاذ أدوار جهشان. في عام 1937 أصدر عاصي الرحباني مجلة أسبوعية اسمها «الحرشاية»، كان يحررها وحده، ويكتبها بخط يده، وبالقلم الرصاص، على دفتر مدرسي. وكانت تتضمن المجلة افتتاحية بتوقيع «حرشي»، ومقتطفات شعرية، وخواطر وجدانية، وكلمات بأسماء مستعارة، إضافة إلى بعض المشاهد المسرحية. وكانت الكتابة باللهجة اللبنانية وباللغة الفصحى.

إلا أن المحطة الفنية الأولى في حياة عاصي ومنصور كانت حين جاء الأب بولس الأشقر (1882 ـ 1952) إلى أنطلياس، بعد أن درس الموسيقى الشرقية والغربية على أيدي أساتذة لبنانيين وأجانب. وكان الأب الأشقر قد عين في لجنة اختيار أفضل لحن للنشيد الوطني اللبناني، وهو المعلم الأول للألحان الطقسية المارونية. وكان كعادته، حين يصل إلى بلدة، أو إلى قرية، يجمع حوله نخبة من الشباب، يختار من بينهم أصحاب الأصوات الجميلة، ويؤلف جوقة يعلمها المبادئ الأولى في الموسيقى. وكان منصور من بين الذين ضمتهم جوقة الأب بولس الأشقر. واستبعد عاصي من الجوقة، لأن صوته لم يكن من الأصوات الجميلة.

فصار يأتي مع شقيقه في ساعات التمارين، ويقف قبالة الجوقة، يستمع من مكان بعيد. ذات يوم، كان الأب الأشقر يدرِّس جوقته نظرية «التيتراكورد»، فطلب منهم تفسير تلك النظرية. وحين جاءت الشروحات غير صحيحة، قال عاصي من بعيد «أنا بعرفها». فردَّ الأب الأشقر «إذا عرفتها بدي علمك»... وعرفها... وصار يعلِّمه.

الرحبانية في رموزها الثلاثة: عاصي ومنصور وفيروز 2

واظب عاصي ومنصور وحدهما على الدروس الموسيقية. فعلَّمهما الأب الموسيقي النوتة وأصول الموسيقى الشرقية والأنغام. ووجَّههما خير توجيه، وأطلعهما على مراجع نادرة في الموسيقى الشرقية، منها: كتاب كامل الخلعي، وأشياء عن الكندي والفارابي، وكتاب « الرسالة الشهابية في قواعد ألحان الموسيقى العربية»، للدكتور ميخائيل مشاقة (1800 ـ 1888). وكان هذا الأخير قد أهداها إلى الأمير بشير الشهابي. واعتُبِرت بمثابة عمل موسيقي كامل.

وقد درس عاصي ومنصور الموسيقى الشرقية على الأب الأشقر على امتداد ست سنوات. وتابعا درس التأليف الموسيقي الغربي لمدة تسع سنوات. وكان أستاذهما هو برتران روبييار. وكانت تلك الدراسة بطاقة مرور إلى موهبتهما التي «غيَّرت واقع الموسيقى والأغنية في الشرق» حسب تعبير الموسيقار محمد عبد الوهاب. وقد جاءت دراستهما للموسيقى الغربية في الفترة التي كان قد أصبح فيها عاصي بوليس بلدية وكان قد أصبح منصور بوليس عدلية.

وكانا، إلى جانب حبهما للموسيقى، شغوفين بالمسرح. وكان المسرح في تلك الفترة يقتصر على المسرحيات التاريخية والدينية، ومعظمها مقتبس عن اللغة الفرنسية. وكانت تلك المسرحيات تمثل باللغة الفصحى، أو بالشعر. وكان من بين تلك المسرحيات مسرحية «إيليا» و«حسناء الحجاز» وهما من تأليفهما. أما موضوع المسرحيتين فكان مستوحى من قصة لإميل حبشي الأشقر. في حين أن مسرحية «في سبيل التاج» كانت مترجمة، قام بترجمتها حليم دموس. وكانت تجربتهما الأولى في المسرح في المدرسة مع أستاذهما فريد أبو فاضل.

تأسيس نادي أنطلياس

في فترة لاحقة ساهم عاصي ومنصور مع مجموعة من رفاقهما في تأسيس «نادي أنطلياس الثقافي ـ الرياضي». وكان من بين نشاطات النادي تقديم مسرحيات غنائية. وكان أبرز تلك المسرحيات مسرحية «النعمان الثالث ملك الحيرة»، التي أخذا موضوعها عن معلمهما فريد أبو فاضل، وصاغاها شعراً، ولحنّاها ومثَّلاها. ثم ألَّفا سيناريوهات دينية. كما ألَّفا مسرحيات مستوحاة من البيئة اللبنانية، ومشبعة بالفولكلور وبالتقاليد والعادات. وقد عُرضت في القرى المجاورة أعمالهما المسرحية.

وأطلق الناس على فرقتهما اسم: «فرقة بيت الرحباني» التي انطلقت، بعد ذلك، وتحولت إلى فرقة جوالة تحيي الحفلات في أشهر مقاهي وكازينوهات لبنان في الأربعينات. وقد رافقتهما في بعض أعمال تلك المرحلة الفنانة سميرة توفيق، يوم كانت ما تزال في أول طريقها إلى الشهرة. ثم تعرفا إلى الفنان خليل مكنيه. وكان عازف كمان وتشيللو. وكان معروفاً بتأليفه للموسيقى الغجرية «تسيغان». وهو ابن أخت الموسيقي اللبناني المعروف توفيق الباشا.

كما تعرفا إلى زكي ناصيف، الذي سبق الجميع إلى تعلَّم أصول الموسيقى الشرقية والغربية والتلحين، وأجاد العزف على البيانو. وزكي ناصيف، الذي رحل بعد عاصي وقبل منصور، هو واحد من كبار الموسيقيين اللبنانيين. إلا أن عاصي ومنصور لم يكتفيا بنشاطهما في ميدان المسرح والموسيقى والشعر. بل ساهما، مع أعضاء نادي أنطلياس، الذي كانا من مؤسسيه، بإقامة عيد الليمون في أنطلياس. وسرعان ما تحوَّل هذا العيد إلى ما يشبه الكرنفال. إذ كانت تقدم فيه مشاهد استعراضية، ومواكب، وحفلات. ويعتبر هذا العيد من أهم النشاطات الفنية لتلك المرحلة من خمسينات القرن الماضي. إذ كان يحضره رئيس الجمهورية وعشرات الألوف من اللبنانيين الذين كانوا يأتون إليه من كافة المناطق.

انتسب عاصي إلى الأكاديمية اللبنانية، التي كان يشرف عليها الموسيقي اللبناني وقائد الأوركسترا المعروف ألكسي بطرس. فوضعه أستاذه في فئة «الباس». وبعد فترة من الدراسة تعرف إلى الأستاذ برتران روبييار، فعلَّمه مع شقيقه منصور أصول «الهارموني»، و«الكنتربوان»، وهي أصول وقواعد موسيقية يعرفها أهل الموسيقى. وبعد تسع سنوات من الدراسة بدأ اسم عاصي ومنصور ينتشر، وتنتشر معه أغانيهما في المقاهي والكازينوهات. وبعد فترة من تقديم أعمالهما في إذاعة لبنان تبنّى أغانيهما القصيرة مدير الإذاعة يومذاك فؤاد قاسم. وكانت مدتها لا تتعدى الدقائق الثلاث. ويقول مؤرخو تلك الحقبة في الموسيقى والغناء أن تلك المدرسة الجديدة في الغناء قد حلَّت محل المدرسة القديمة ذات الأغنيات الطويلة.

اشتهار الأغنية الرحبانية

لم يمضِ وقت طويل حتى اشتهرت الأغنية الرحبانية. وبدأ الناس يرددونها في سهراتهم، وفي مجالسهم. وصارت على كل شفة ولسان. ووصل صداها إلى صبري الشريف، رئيس القسم الموسيقي في محطة الشرق الأدنى، التي كانت تذيع من جزيرة قبرص. وإذ أدرك الشريف أهمية أعمال الأخوين عاصي ومنصور، وكونها لقيت استحسان الجمهور سارع في المجيء إلى بيروت ليقابل الفنانين. وأقنعهما بالتعاون معه في تقديم البرامج والاسكتشات والأغنيات والإعلانات في إذاعة الشرق الأدنى.

في إذاعة الشرق الأدنى عملت معهما شقيقتهما نجوى لفترة قصيرة. ثم طلَّقت الفن لتتزوج من المحامي عبدالله بشارة الخوري، نجل الأخطل الصغير. وحلَّت مكانها المطربة حنان. ثم جاءت نهاد حداد (فيروز) لتشارك حنان في بعض الأغنيات (ثنائي)، ثم لتغني من إذاعة بيروت أول أغنية من ألحان عاصي (1949) كتب كلماتها الشاعر قبلان مكرزل، وعنوانها «حبذا يا غروب»، وتبعتها أغنية «عتاب»، من تلحين عاصي أيضاً، التي كانت بداية رحلة فيروز في عالم الغناء الفيروزي الرحباني.

تلك كانت المرحلة الأولى من مسيرة الأخوين رحباني. أما المرحلة الثانية فكانت في مطلع الخمسينات، يوم تولى الكاتب والصحافي السوري أحمد عسٌّه، صاحب جريدة «الرأي العام»، مديرية إذاعة دمشق. ففي محاولة لتجديد الإذاعة وتطويرها اتصل بالأخوين رحباني واتفق معهما على تقديم أعمالهما الغنائية من تلك الإذاعة. وانضم إليهما الموسيقي فيلمون وهبي، الذي كان قد سبقهما إلى العمل في إذاعة دمشق. كما انضمت إليهما فيروز.

وتوطدت علاقة عسٌّه بالثلاثي عاصي ومنصور وفيروز. وقال في غير مقابلة: «أشهد أن لمنصور موهبة اكتشاف الكلمة الحلوة الكفيلة بأن تكون هيكل أغنية. وأشهد بأن لعاصي قدرة مذهلة على الخلق والإبداع والإنتاج نوعاً وكماً، وأنه، أي عاصي، كان يرافق صوت فيروز خطوة خطوة، وكان يساهم في صنع هذا الصوت مرحلة مرحلة».

في أواخر الأربعينات تعرف عاصي إلى الشاعر سعيد عقل. وكان واسطتهما إلى ذلك عبدالله بشارة الخوري، نجل الأخطل الصغير. وسرعان ما توطدت العلاقة بين الرحبانيين وسعيد عقل. وذات يوم رافق الشاعر عقل الفنان عاصي إلى منزل فيروز، حيث اكتشف بداية قصة الحب بينهما. وخلال عودتهما من زيارة فيروز سأل سعيد عقل عاصي: «ماذا تنتظر يا عاصي حتى تتزوجها؟». وهكذا كان. إذ لم يطل الانتظار، وتم الزواج في كانون الأول من عام 1955.

بدء معرفة عاصي لفيروز

إلا أن معرفة عاصي بفيروز إنما تعود إلى سنة 1950. وقد ذكّر عاصي باللقاء الأول بينهما في غير حديث صحافي، قال: «جاءني حليم الرومي قائلاً: أود يا عاصي أن تسمع صوت فتاة اكتشفتها قبل بضعة أشهر. فقلت له: لا مانع عندي. ويومها كنت لا أزال أرتدي الشورت. فتقمصت شخصية الملحن العظيم. ووضعت السيجارة على طرف شفتيّ، واستمعت إلى نهاد حداد وهي تغني «يا زهرة في خيالي» لفريد الأطرش. وأتبعتها بموال «يا ديرتي مالك علينا لوم» لأسمهان. فأعجبت بصوتها. وبدأ عهد جديد بيننا. وكانت أول أغنية لحنتها لها» «حبذا يا غروب». وكرَّت سبحة الأغاني... ومشينا طريقاً طويلة، تخللها بعض التعب، والكثير من المجد والشهرة والحب... وأشياء أخرى».

اهتمَّ الأخوان رحباني اهتماماً خاصاً بالفولكلور اللبناني. فأبدعا له نموذجاً خاصاً من الأغاني، هو النموذج الذي صار يحمل اسمهما واسم فيروز. وزَّعا الفولكلور توزيعاً حديثاً، واقتبسا وعرَّبا بعض الجميل من الأعمال الموسيقية الغربية. ثم اتجها إلى الموشحات. وزادا عليها بعضاً من أشعارهما. ولقيت تجربتهما نجاحاً باهراً. وقد شاركا، في تلك المرحلة بالذات، بتأسيس «عصبة الخمسة» اللبنانية. وكان شركاؤهما في «العصبة» كل من توفيق الباشا وزكي ناصيف وتوفيق سكر.

وقد تم استيحاء الاسم من «عصبة الخمسة» الروسية التي كانت تتألف من رمسكي كورساكوف وبلاكيريف وكوي ومسورسكي وبورودين. وكان هدف العصبة يرمي إلى إحداث تطوير في الموسيقى اللبنانية وفي الغناء اللبناني. وكان صبري الشريف يقف وراء تلك العصبة ويشجعها. كبرت الظاهرة الرحبانية، وتنوعت عناصر الإبداع فيها، وانتشرت في العالم العربي وفي العالم. وبلغ عدد المسرحيات التي ألفها الأخوان رحباني، شعراً وموسيقى، كانت فيروز المغنية الأساسية فيها، واحداً وعشرين مسرحية. وهي كانت مسرحيات نقدية لاذعة. ولم تشذ عن ذلك المسرحيات التاريخية منها.

وكثرت النقاشات حول الظاهرة الرحبانية في الوسط الفني، بين مرحِّب بها من دون نقد، وناقد لها مع الإقرار بأهميتها وبكونها ظاهرة جديدة غير مسبوقة في الغناء والموسيقى وفي المسرح الغنائي في العالم العربي. وفي أي حال فإن المسرح الغنائي، كما ظهر في مسرح الرحابنة، هو رحباني بالكامل.. أي أنه يحمل اسم الأخوين رحباني بامتياز. ولا يقلل هذا من أهمية ما قام به آخرون في مهرجانات بعلبك من حفلات موسيقية وغنائية، لا سيما فرقة «الأنوار» التي كان يؤلِّف موسيقاها المؤلف الموسيقي وليد غلمية، الذي يشغل منذ عدة أعوام مركز رئيس الكونسرفتوار الوطني اللبناني، والذي يعود له الفضل في تشكيل الفرقة السيمفونية الأولى في لبنان.