يقال والعهدة على الراوي ـ مواقع مختلفة على شبكة الإنترنت ـ أن رئيس الوزراء إيهود أولمرت عندما قرأ مقالا مترجما للكاتب الكويتي عبد الله الهدلق احتوى على مواقف بدت مؤيدة لإسرائيل قام عن كرسيه ورفع يديه في الهواء متلفظا بكلمات النشوة واقترح ترشيحه لأعلى وسام في الكيان ووصفه بأنه أكثر صهيونية من هرتزل.
وإذا كان الأمر كذلك، فإن أولمرت على ما يبدو لم يصل إلى علمه ما ينشره كاتب عربي آخر هو شاكر النابلسي من خلال إطلالته الرئيسية على القراء من موقع «إيلاف» الإلكتروني وإلا لأمر بإقامة تمثال له في وسط تل أبيب. وبعيدا عن أولمرت وموقفه المفترض، فإن متابعة ما يكتبه النابلسي يمكن أن تفسر لنا الشبهات التي أصبحت تحيط بمن يصفون أنفسهم بـ «الليبراليين الجدد» في عالمنا العربي، فيما أن التسمية الحقيقية التي يجب أن تطلق عليهم هي «الإنبطاحيون الجدد».
متابعة ما يكتبه النابلسي وتحليل مضمونه تشير إلى أنه يمكن اعتباره دون مبالغة أكبر مروج للمشروع الأميركي في المنطقة في سلبياته وليس إيجابياته، هذا إذا كان للمشروع إيجابيات من الأصل، وأنه محام عربي عن السياسات الإسرائيلية يمارس مهامه بامتياز يحسد عليه. وإذا كانت مقالات النابلسي أكثر من الهم على القلب، فإن عينة عشوائية مما ينشره قد تكون كاشفة عن صحة ما نشير إليه. خذ مثلا ذلك المقال الذي عنونه بـ «لماذا يخسر العرب ملياراتهم في كازينوهات المقاومة» وفيه ينال من مشروعية المقاومة كوسيلة لمواجهة اغتصاب الأرض، ليس بمنطق النقد الذاتي الذي يعمل على تصحيح الخلل، وإنما بمنطق التشويه على النحو الذي يعني في النهاية أن المقاومة ليست الخيار الأمثل.
يعزز النابلسي هذا التوجه بمقال آخر نشره في جريدة «الوطن» السعودية هذه المرة حول «سيطرة ثقافة الحرب والخوف من الحرب» يوحي من خلاله بأننا كعرب أصبحنا عدوانيين.. هكذا دون سبب وكأن هذا الطابع جزء من جينات العربي يولد بها.. قد يستنتج القارئ أنه على هذا الأساس يجب أن نكون سلاميين، غير أن المفاجأة أنه وبمنطق «عدمي» ينتزع منا النابلسي ـ هكذا دون أي شعور بتأنيب الضمير من قبله ـ فكرة أننا مؤهلون لمثل هذا السلام، بما يشعر معه القارئ بأن النابلسي في رؤيته المشوشة احتار وأصابنا بالحيرة معه، فلا العدوانية العربية مقبولة ولا هم مؤهلون للسلام .. فماذا يفعلون إذن؟
تبدو الإجابة واضحة من النابلسي وتتمثل في ..الاستسلام .. وعلى ذلك فإنه لم يكن عليهم أن يتوقعوا حسبما يذهب في مقالة له أن تلقي إسرائيل الزهور والرياحين على غزة .. فالرد الإسرائيلي على قسوته وشراسته مبررة أمر طبيعي لأي حرب ميليشيات في العالم. غير أن النكتة الظريفة من النابلسي، أو الفاجعة الكبرى بمعنى أصح على نحو يفقده التماسك أمام القارئ، تتمثل في ذلك المقال الذي راح يطالبنا فيه بالاعتذار لأميركا، عن قتل أكثر من ثلاثة آلاف جندي أميركي جاءوا لتحرير العراق من أعتى أنظمة الحكم في التاريخ العربي القديم والحديث ـ دون أن يخبرنا النابلسي بمن فوضها في ذلك. كما علينا الاعتذار لأميركا ـ طيبة القلب والحنونة ـ على أننا تسببنا في خسارتها لأكثر من 400 مليار دولار في حملتها على العراق.
ولا نريد أن نسترسل حتى لا يتصور القارئ أننا نفتري على الرجل، فمقالاته منشورة و«إيلاف» موقع الكتروني يمكن الوصول إليه بسهولة. وإذا كان المثل العربي يقول: «إذا لم تستح فافعل ما شئت»، فإنه يبدو أنه أصبح الحكمة التي يهتدي بها «ليبراليونا العرب» في زمن التداعي والانبطاح.
