يخطئ الرئيس عمر حسن أحمد البشير عندما يعول على المساندة العربية حتى النهاية، ويخطئ أيضا وهو يجابه الاستعمار الجديد ـ على حد قوله ـ بوطن مفكك متقاتل. إذا كان الرئيس السوداني جاداً في مواجهة الغرب حتى آخر الشوط عليه أن يدرك انه يقف على أرض رخوة، لا تغني عند الشدائد، والسودان الآن في أعظم شدة.

ولقد سبق وأقسم الرئيس بالطلاق البائن عندما صدر قرار مدعي المحكمة لويس مورينو أوكامبو في مايو الماضي، لكن ما حدث أن الاتهام تحول إلى طلب اعتقال. واليوم يواصل الرئيس هجومه الكلامي مطالبا المحكمة بأن تبل قرارها وتشربه، متمسكا بأن يضع المحكمة وقرارها تحت حذائه. وهذه صلابة سياسية تكشف أنه سياسي بارع في دغدغة حواس العامة، في السودان وعموم العالم العربي، لكن العامة في الحالة العربية الراهنة لا مدفع لهم ولا صندوق انتخاب حرا، والرئيس أول من يعلم ذلك بحكم منصبه.

في هذه الأزمة، السودان هو الضحية الحقيقة، لأنه مهدد بالعقوبات من الخارج، وبالتقسيم من الداخل. ومن ثم فان معالجة الأزمة تحتاج إلى ما هو أعمق من الأيمانات الغلاظ، ولما هو أكثر من حذاء الرئيس أو حذاء الزيدي أو حتى الطنبوري. كما تحتاج أيضا لما هو أكثر من المساندات الإنشائية عربيا وأفريقيا، لأن الأزمة ضخمة لم يعرف العرب ولا الأفارقة لها مثيلا.

ومن الصعب المراهنة على استمرار مساندتهم . وتجارب الماضي القريب تنبئ بذلك، مثلما حدث في أزمات سابقة، كأزمة ليبيا في لوكيربي، واحتلال العراق، والحرب ضد لبنان وضد غزة، فأكثر العرب في ظل حالتهم الراهنة الواهنة لا يمكنهم مجاراة الرئيس البشير في مواجهة القوى الغربية المستأسدة.

وليس من المبالغة القول إن بعض الدول العربية تقترب من التجاوب مع الضغوط الغربية، خاصة الأميركية. وهؤلاء لهم سوابق، فعندما صدر قرار مدعي عام المحكمة. شهد مجلس وزراء الخارجية العرب الذي عقد بمقر الجامعة العربية آنذاك مواقف لم تكن في صالح السودان، خشية التورط في خلافات مع الولايات المتحدة الأميركية.

الموقف العربي الحالي في جوهره يشابه الموقف السابق، وان تغطى ببعض الرتوش السياسية والإعلامية. فأكثر العرب مشغولون اليوم بالخطر الإيراني وترويض حماس وحزب الله، وإتمام المصالحتين الفلسطينية والعربية، والأزمة الاقتصادية، والسودان بلد فقير ليس عنده أموال ليبيا ولا دنانير العراق.

الملاحظ أن معظم العواصم العربية لاتزال تتحسس الطريق إلى الرئيس الأميركي الجديد باراك أوباما. ولقد كانت ردود الفعل الأميركية هي الأعنف ضد الرئيس السوداني، فوزيرة الخارجية هيلاري كلينتون طالبته بتسليم نفسه إلى المحكمة، كما وصفه المتحدث باسم وزارة الخارجية بـ (الهارب من العدالة).

ولأن رياح السياسة العربية لن تسير طويلا كما يشتهي السودان، فالأجدر بالرئيس البشير التوجه سريعا نحو تبريد الداخل، والوصول حتما إلى توافقات وطنية مع أبناء الوطن، كأفضل سبيل لمواجهة غطرسة الغرب وخطط المحكمة الدولية، قبل أن يتأخر الوقت. وليس مهما كم من التنازلات يجب أن تتم داخل الوطن، لأن هذه التنازلات سوف تحدث غدا بضغوط خارجية فادحة الأثمان، سيدفعها السودان من وحدة ترابه واستقراره واستقلاله، اذا ما أخضع للعقوبات الدولية تحت البند السابع لميثاق مجلس الأمن.

إننا لا نطالب أحدا بالاستسلام، ولكننا ندعو للبحث عن السلام في داخل السودان من أجل السودان، وهذا هو الطريق الأصوب لعلاج كافة المشاكل في الداخل والخارج.