الاتحاد الأوروبي، تبدو «فكرته مهدّدة»، بفعل الأزمة العاتية العاصفة بالاقتصاد العالمي. هذا فحوى ما حملته تقارير وقراءات غربية، وبالذات أميركية؛ في الآونة الأخيرة. نفس الاتحاد الذي نهض، في الأساس، على ركائز اقتصادية كبرت واشتدّ عودها مع الوقت؛ بدأ بناؤه يتعرّض اليوم للخلخلة، بفعل الاقتصاد.
مفارقة، تشي بواحد من اثنين، أو ربما بكليهما معاً: إما أن الزلزال المالي ؟ الاقتصادي الهادر، يختزن من القوة ما لا تقوى كيانات مثل الاتحاد الأوروبي، أو حتى أكبر، على احتمالها. وإما أن البناء الأوروبي ذاته، يشكو من رخاوة كامنة أصلاً في ثناياه؛ سبق وظهرت بعض تعبيراتها، ثم تزايد بروزها مع تفاعل الأزمة الراهنة. في أية حال، ما هو واضح ولا لبس فيه؛ أن الساحة الأوروبية تعيش حالة من البلبلة، يختلط فيها انكفاء الكبار مع اعتراض الصغار، على التمييز بين الأعضاء.
احتدام الخلل وتعالي الضجة حوله، حمل الاتحاد على عقد قمة طارئة، مطلع الجاري، للبحث عن حلول وتدارك الأمور. فعلى المحك ليس صيانة هذا الانجاز الأوروبي التاريخي فحسب؛ بل أيضاً تعزيز قيام نظام عالمي متعدد القطية.
مضى على وضع الحجر الأول في بناء هذا الصرح نيّف ونصف قرن. فكرته الأساسية ر ضمان الأمن والحيلولة دون تجدّد الحروب ـ جرى تجسيدها من بوابة المصالح الاقتصادية. البداية، كانت متواضعة. اقتصرت على جمع قطاعي الفحم والحديد، في ست من دوله. ومنها انطلق القطار وراح ينتقل، ولو ببطء، من محطة إلى أخرى. عندما كبر الاتحاد وبلغ سن الرشد.
العملة الموحدة، صارت بحكم تحصيل الحاصل. تقررت مع نهاية القرن. ونزل اليورو إلى التداول عام 2002 في 12 من دوله. انفتحت الحدود، في قارة تحولت إلى قوة اقتصادية هائلة ، تضاهي الولايات المتحدة الأميركية، بحجم إنتاجها القومي. المحطة الطبيعية التالية، كانت الدستور. كان أول اختبار قانوني أساسي، للعبور الأوروبي من واقع الدولة القومية إلى واقع الدولة القارّية. وكان أول سقوط مدوّ في مسيرة الاتحاد. فرنسا رفضت الدستور، في استفتاء 2005.
وبعدها بأشهر، تبعتها هولندا. أحدث الرفض صدمة. على أثرها توقف العمل بالاستفتاء، خوفاً من توالي الرفض وما قد يؤدي إليه من تنامي موجة التراجع وتبعاتها السلبية. الدلالة كانت أن الأوروبي ليس جاهزاً، على الأقل حتى الآن، للتخلي عن هويته القومية. جرى الاستدراك، عام 2007، من خلال اتفاقية ليشبونة الجديدة، التي تضمنت تعديلات للاتفاقيات السابقة. وعند هذه النقطة، دخلت المسيرة في إجازة، قد تطول أو تقصر؛ تبعاً للظروف والمستجدات.
هذا الشعور بالخصوصية والتمايز عاد إلى السطح وبدرجة أعلى، بعد تفاعل الأزمة المالية العالمية. الدول القادرة في الاتحاد، انكفأت على ذاتها واهتمت بتعويم مؤسساتها المالية المتعثرة. أدارت الظهر للدول الضعيفة، خاصة الشرقية، التي استنجدت بها طلباً للمساعدة؛ مثل هنغاريا وغيرها. تقدّمت مصلحة الدولة على موجب التضامن. انتعشت الحساسيات. تضافر نكسة الدستور، مع عودة السياسة الحمائية إلى الاقتصاد، المشوب أصلاً بغياب سياسة دعم اتحادي فضلاً عن غياب سياسة مالية ؟ ضريبية واحدة؛ يهدّد بتنامي الفرز داخل الاتحاد؛ وبالتالي بضرب الانجازات واستطراداً المشروع برمته.
الاتحاد الأوروبي ليس فقط صمام أمان لأوروبا. استكماله يصب في تعزيز قيام عالم متعدد القطبية. الأحادية الأميركية، تسببت بكوارث. التعدّدية، بديل مرغوب ومطلوب.التحدّي أمام أوروبا، أن لا تفرط بهذا الانجاز.
