أوكامبو.. بلمار، اسمان يترددان بقوة في عالمنا العربي هذه الأيام ويتعلق بهما مستقبل عدد من الأنظمة العربية، التي تتوقف على كلمة منهما. وبقرارهما أصبح قادة بعض الدول العربية مطاردين كالمجرمين.

أوكاومبو.. بلمار رمزان صارخان لازدواجية المعايير والكيل ليس بمكيالين فحسب وإنما بمكاييل عدة، ففي الوقت الذي يجمع فيه الكثيرون على أن قادة إسرائيل ارتكبوا ويرتكبون العديد من جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وعلى الرغم من الجرائم التي ارتكبتها الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان وما ترتكبه روسيا في الشيشان وغيرها من الجرائم حول العالم، إلا أن المجتمع الدولي لم ير من كل الفظائع والجرائم والآثام التي ترتكب في كل أنحاء العالم إلا ما أرتكبه النظام السوداني في دارفور باعتبارها جرائم حرب، وجريمة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري.

وجند المجتمع الدولي أو بالأحرى القوى الكبرى في هذا المجتمع القاضيين «أوكامبو وبلمار» تلبية لمصالح هذه القوى الكبرى في محكمة النظامين السوداني والسوري، ومع التأكيد على رفض أي انتهاكات تحدث في دارفور أو غيرها من أي طرف في العالم والرفض أيضا لاغتيال الحريري إلا أن ما يجب الإشارة إليه في هذا الصدد أن الغضب العربي والرفض الشعبي لهذه المحاكمات يأتي في إطار رفض تسييس هذه القضية والكيل بمكيالين في ذات القضايا المتشابهة وأن يتم تطبيق القانون الدولي والقانون الإنساني لخدمة مصالح القوى الكبرى على حساب مصالح الدول الصغيرة.

مصادفة ذات دلالة

والأمر المثير للدهشة أن بلمار المكلف برئاسة فريق التحقيق في مقتل الحريري أنهى تحقيقاته في القضية التي تدور الاتهامات فيها حول ضلوع رؤوس بالنظام السوري في عملية الاغتيال، وتم تعيينه مدعيا عاما للمحكمة الدولية وتقرر البدء في إجراءات المحكمة وهو ما تصادف مع إعلان موريس أوكامبو المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية قرار المحكمة بتوقيف الرئيس السوداني عمر حسن البشير وعدد من رؤوس النظام السوداني على خلفية الاتهام بارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية في إقليم دارفور.

فهل أصبحت القضايا في الوطن العربي لا تُحل إلا في أروقة المحاكم الدولية سواء الجنائية أو الخاصة؟ وهل أصبح قادة الدول العربية مصيرهم الحتمي هو المحاكم؟ فبعد صدام حسين جاء دور البشير ثم ربما قادة في النظام السوري والبقية تأتي؟ ولماذا يخضع القادة العرب للمحاكم الدولية وتُنفذ فيهم الأحكام ولا تُخضع قضاياهم العادلة للمحاكم الدولية أيضا ولا يحصلون على حقوقهم فيها؟ ولماذا لا يُطبق هذا القانون على قادة إسرائيل أيضا أم أن هذه المحاكم تشكلت لمحاكمة ومعاقبة المارقين من الدول العربية والإسلامية فقط؟!

في البداية، يؤكد نائب سفير السودان بالقاهرة إدريس سليمان على أن السودان لن يقف مكتوف الأيدي حيال قرار المحكمة الدولية بتوقيف الرئيس عمر البشير، مشيرا إلى أن السودان سوف يناهض وسيعمل على دحضه. وقال إن هذا القرار لم يُبن على أساس قانوني سليم، بل هو محاولة للتعدي على سيادة السودان وتدخل حثيث في شؤونه الداخلية. وتابع «الرئيس البشير رئيس شرعي وسوف يقوم بكل المهام الدستورية والقانونية المنوط بها ويمكنه أن يتحرك كيفما يشاء في أي دولة وسوف يقوم بأعماله دون أدنى تأثير لقرار المحكمة الجنائية الدولية».

تحركات البشير متواصلة

وأضاف: إن الرئيس البشير سيسافر إلى قطر ويشارك في القمة العربية المقبلة ولن يحدث له شيء على الإطلاق»، لافتا إلى أنه لن يُحاكم ولن يذهب إلى المحكمة الدولية ولا تستطيع المحكمة أن توقفه في أي دوله يذهب إليها. وتوعد السفير إدريس سليمان برد السودان الصاع صاعين إلى المحكمة، مؤكدا أن السودان لديه القدرة على أن يدافع ويحمى رئيسه بالاتصالات مع الدول الصديقة والشقيقة وبعقد اتفاقيات معها كما فعلت الولايات المتحدة الأميركية بعقدها أكثر من 100 اتفاق تمنع تسليم مواطنيها الأميركيين للمحكمة الجنائية الدولية.

وحول الفارق بين محكمتي البشير والحريري، قال أستاذ القانون الدولي وعميد كلية الحقوق بجامعة الزقازيق الأسبق الدكتور نبيل حلمي: إن الرئيس السوداني عمر البشير تتم محاكمته أمام المحكمة الجنائية الدولية وفقا لقرار التوقيف الذي أصدره المدعي العام للمحكمة لويس أوكامبو وهي محكمة قائمة بصفة دائمة ولها لائحة ثابتة وراسخة.

أما في ما يتعلق بمحكمة الحريري فهي محكمة خاصة تشكلت بقرار من مجلس الأمن بناء على طلب لبنان للقيام بغرض محدد وهو التحقيق في مقتل رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري ومحاكمة المتهمين باغتياله وتكفل لبنان بمصاريف هذه المحكمة ولها أبعاد قانونية وسياسية ولكنها منشأة لهدف واحد وهو محاكمة قتلة الحريري وتنتهي بانتهاء الغرض منها وأوضح حلمي أن توقيف الرئيس السوداني عمر البشير، صدر به قرار من المحكمة الجنائية الدولية وهي محكمة تتناول جرائم بعينها مثل الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب وجرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الجنس البشري، مشيرا إلى أن البشير متهم بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، حيث تمت إحالة القضية للمحكمة الجنائية الدولية ووفقا للائحة المحكمة.

وحول كيفية مواجهة قرار المحكمة الجنائية الدولية قال حلمي: إن هناك طريقين لمواجهة القرار وهما القانوني والسياسي، وفي ما يتعلق بالنواحي القانونية فيتم من خلال عدة وسائل وهي التظلم من المحكمة أمامها، وأن يطلب من الجمعية العامة للأمم المتحدة الحصول على فتوى من محكمة العدل الدولية حول تعارض الحصانة مع قرار التوقيف وقد سبق لمحكمة العدل الدولية أن أفتت لصالح الحصانة، كما يجب عقد محكمة سودانية جادة تحت إشراف الأمم المتحدة أو الاتحاد الإفريقي أو جامعة الدول العربية لمحاكمة من تثبت إدانته في الجرائم التي تم ارتكابها في دارفور.

وتابع حلمي: أما في ما يتعلق بالوسائل السياسية فمن خلال تقديم طلب إلى مجلس الأمن لاستصدار قرار بوقف إجراءات المحاكمة لمدة 12 شهرا قابلة للتجديد وفقا للمادة «16» من لائحة المحكمة الجنائية الدولية بغرض استقرار الأمن والسلم الدوليين مشيرا إلى أن مجلس الأمن له الحق في ذلك.

ولكن ما هي إمكانية تنفيذ قرار المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية بتوقيف الرئيس السوداني يقول مسؤول ملف السودان بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية هاني رسلان: المحكمة الجنائية الدولية ليس لديها أدوات خاصة بها لتنفيذ هذا القرار وهي تعتمد على تعاون الدول الموقعة على ميثاق إنشاء المحكمة وعددها 108 دول وقد تلجأ، كما جاء في بيان التوقيف، إلى مجلس الأمن الدولي باعتباره هو الذي أحال القرار للمحكمة لاستصدار قرار بالقبض على البشير وهو أمر سيواجه صعوبة كبيرة خاصة في وجود روسيا والصين.

وأضاف: أنه في الأغلب الأعم فإن مجلس الأمن سيفرض عقوبات سياسية وحصار اقتصادي على السودان «، مشيرا إلى أنه حتى هذه العقوبات ستواجه صعوبات كبيرة باعتبار أن الصين لها استثمارات كبيرة في السودان ومثل هذه العقوبات فإن الصين ستتضرر بنفس الدرجة وهو مالا تقبله بكين. وأعرب عن اعتقاده بأنه سيتم حل المشكلة بالتفاوض من خلال صفقة لتجميد القرار لمدة عام وهو ما تسعى إليه مصر والدول العربية.

قطع الطريق على التسوية

وحول إمكانية قيام الرئيس السوداني بالمشاركة في قمة الدوحة العربية أو السفر خارج السودان، قال رسلان: إن الرئيس البشير يستطيع زيارة الدول غير الموقعة على ميثاق المحكمة الجنائية الدولية ولا توجد دول عربية موقعة على الميثاق سوى الأردن وجيبوتي وجزر القمر، وبالتالي فإن البشير يستطيع المشاركة في القمة العربية القادمة وزيارة الدول غير الموقعة على الميثاق أما الدول الموقعة فستسبب زيارته إحراجا لها وخاصة وإن كانت غير راغبة في تنفيذ القرار.

ونوه إلى أن القرار سيكون له تأثير بالغ السوء على الوضع في دارفور وسيقطع الطريق أمام أية تسوية سلمية هناك، مشيرا إلى أن طبيعة الأوضاع في دارفور تؤكد أنه لن يتم تسويتها إلا من خلال التفاوض والاتفاق والحوار والحلول السلمية كما أن قرار المحكمة يعد إشارة واضحة وتحريض للفصائل السودانية المختلفة في دارفور لعدم المشاركة في العملية السلمية.

وحول محاكمة قتلة الحريري، يشير أستاذ العلوم السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة الدكتور أحمد ثابت إلى وجود اعتقاد بأن المحكمة، وإن كانت غير خاضعة للاعتبارات السياسية، إلا أن عملها الجنائي سيكون له تأثير سياسي كبير في حال معرفة الحقيقة حول من خطط وشارك ونفذ عملية اغتيال الحريري، وسيكون لها انعكاسات من المؤكد أنها ستكون سلبية سواء في لبنان أو غيرها حسبما تكشفه المحاكمة من تورط وضلوع جهات مختلفة داخل لبنان وخارجها.

انعكاسات خطيرة

وأشار إلى أنه سواء محكمة البشير أو محكمة الحريري سيكون لهما انعكاسات خطيرة وسلبية على النظام العربي يهدد مستقبل العمل العربي المشترك، ومن شأنه أن يشق الصف العربي المهلهل أصلا ويزيد من حدة الخلافات العربية خاصة في ظل تعارض الأهداف والأجندات العربية.

وأضاف ثابت: أن انطلاق المحكمة يؤشر ببدء مرحلة تنفيذ القرار 1757 القاضي بإنشاء المحكمة المختلطة الدولية اللبنانية بعدما انتهت مرحلة تنفيذ القرار الدولي رقم 1595 لعام 2005، والذي أنشئت بموجبه لجنة التحقيق الدولية، كما أنه يؤشر لانطلاقها بنقل الصلاحيات القضائية الكاملة في جريمة اغتيال الحريري من القضاء اللبناني إلى هذه المحكمة، بحيث يضع بتصرفها كل ما لديه من معطيات.

يذكر أن رفيق الحريري كان يتولى منصب رئيس الوزراء اللبناني طوال الفترة التي تلت الحرب الأهلية اللبنانية عام 1990، وذلك خلال الفترة من عام 1992 إلى 1998 ومن عام 2000 إلى 2004 عندما استقال من منصبه بعد تصاعد الخلافات بينه وبين الرئيس اللبناني السابق إميل لحود فيما يتعلق بالتوجه نحو سوريا.

واغتيل الحريري في انفجار بسيارة مفخخة استهدف موكبه أثناء مروره بمنطقة المريسة غرب بيروت مما أسفر عن مقتله وبعض معاونيه، وأدت شدة الانفجار كذلك إلى هدم فندق سان جورج وبعض المباني المحيطة.

القاهرة ـ «البيان»