ماذا بعد أن أصدر المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية موريس أوكامبو قرار توقيف الرئيس السوداني عمر البشير بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في دارفور؟ وماذا أيضاً بعد أن أعلن بلمار رئيس فريق التحقيق في مقتل رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري البدء في إجراءات المحاكمة؟ وهل هناك مغزى للتزامن فيما بين المحكمتين؟ وما هو مستقبل الأنظمة العربية في ظل توارد المحاكمات على زعمائه؟
في محاولة لاستجلاء الكثير من أبعاد هاتين القضيتين التقت «البيان» السفير الدكتور عبدالله الأشعل مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق للشؤون القانونية والمعاهدات الدولية وأستاذ القانون الدولي بالجامعة الأميركية بالقاهرة وأحد المدافعين عن المسؤولين السوريين في مقتل الحريري، وفيما يلي الحوار:
بداية ما هي أوجه الخلاف بين محكمة البشير ومحكمة الحريري؟
الأشعل: محكمة الحريري تهدف إلى البحث عن الحقيقة في مقتل رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، أما محكمة البشير فهي تسعى إلى معاقبة الرئيس السوداني عمر حسن البشير عن الجرائم المنسوبة إليه في دارفور.. ومن الناحية النظرية فللمحكمتين أهداف سامية وهي في الحالتين عدم إفلات المجرم من العقاب، فلا شك أن اغتيال الحريري جريمة وأن الأفعال التي ارتكبت في دارفور جريمة حرب أيضاً، ومن الناحية النظرية أيضاً فإن ذلك يعتبر تطبيقاً للقانون الدولي بحيث يصعب تبين غير ذلك في المحكمتين.
ما بين النظرية والواقع
هذا من الناحية النظرية.. فماذا عن الواقع العملي؟
الأشعل: إذا تفحصنا الموقف فسوف نجد فارقاً جوهرياً بين محكمة الحريري والمحكمة الجنائية الدولية، فمحكمة الحريري محكمة سياسية من الطراز الأول لأن مقتل الحريري نفسه كان يقصد به تحقيق هدف سياسي يتناقض تماماً مع قيم الحريري ولسوء الحظ استغل قتل الحريري لتحقيق هذا الهدف وهو فصل سوريا عن لبنان، ولذلك فالحريري لم يقتل لذاته وإنما قتل بسبب ما يمثله من ثقل عربي ولبناني وأن الترجمة المباشرة لقتله هو اجتماع مجلس الأمن الدولي صبيحة 14 فبراير 2005 بعد وقوع الحادث بدقائق وكانت العدة جاهزة باتهام سوريا وقرر مجلس الأمن في هذه الجلسة تشكيل لجنة لتقصي الحقائق انتهت السطور الأخيرة لتقريرها إلى افتراض أن مقتل الحريري في ظل السيطرة الأمنية السورية لابد وأن يرتبط بسوريا بشكل ما، وهذه الإشارة التقطها مجلس الأمن وقرر تشكيل لجنة تحقيق دولية بالقرار 1595.
واللافت أن مصدر التآمر على سوريا ولبنان هو نفس المصدر المتآمر على السودان وهناك تواز في التوقيت فقد صدر قرار مجلس الأمن 1593 الذي فتح الباب لدور للمحكمة الجنائية الدولية في 31 مارس 2005 بالنسبة للوضع في دارفور وبعده بأسبوع صدر القرار 1595 بشأن لجنة التحقيق الدولية في مقتل الحريري في حالة غير مسبوقة في العلاقات الدولية فجميع لجان التحقيق التي أنشئت من قبل كانت لعلاج ظواهر والحالة الوحيدة المماثلة كانت تتعلق بمقتل رئيس بوروندي ولم تتوصل إلى نتيجة لأن القاتل كان معروفاً وهو وزير الدفاع ولم يجرؤ أحد على الاقتراب منه.
وهل لجنة التحقيق التي تشكلت للتحقيق في مقتل الحريري تتبع الأسلوب والطريقة والهدف التي حددها مجلس الأمن لها؟
الأشعل: قام مجلس الأمن بتعيين ميليس رئيساً للجنة التحقيق إلا أنه حرف مهمة اللجنة عن موضعها فمهمة اللجنة هي البحث عن الحقيقة في مقتل الحريري حسب قرار مجلس الأمن الدولي، ولكن ميليس افترض أن سوريا هي القاتل ومهمة اللجنة تعزيز هذا الافتراض بالأدلة وهذا ما صححه المحققان التاليان له برامريدس وبلمار، كما أن محكمة الحريري كانت دائماً تثير الانقسام داخل لبنان بين مؤيد ومعارض لسوريا حتى أن قوي 14 تلوح دائماً بالمحكمة لاستثارة سوريا وحزب الله.
مشكلة «تسييس» المحكمة
وماذا عن محكمة البشير؟
الأشعل: محكمة البشير هي محكمة حقيقية قامت من أجل تحقيق عدالة دولية وموضوعية لمحاكمة المتهمين بارتكاب الجرائم الخطيرة التي تمس المجتمع الدولي، ولكن مشكلة المحكمة ليست في أنها نشأت «مسيسة»، ولكن المشكلة أن هذه المحكمة بدأت تستخدم لأغراض سياسية واكتشفنا أن المدعي العام لهذه المحكمة لا علاقة له بالقانون وإنما هو ناشط سياسي من الطراز الأول.
كما أن أعضاء المحكمة ليس لديهم الخبرة القانونية الكافية لمثل هذا العمل الخطير لأن المحكمة ذاتها تجسد فكرة نبيلة وهو حاجة المجتمع الدولي إلى اختصاص قضائي دولي يتجاوز حدود القضاء الوطني بعد أن ظن الباحثون أن سيادة الدولة لم تعد كما كانت بالشكل الجامد وأنه يمكن أن تشرك مع قضائها الوطني دوائر قضائية أخرى تكميلية وهي المحكمة الجنائية الدولية، ولذلك فإن قضية السودان مع المحكمة كشفت عن عدد من الأمور الهامة لنا جميعا.
ما هذه الأمور؟ وما مدى أهميتها بالنسبة للدول العربية؟
الأشعل: هناك ثلاثة أمور غاية في الأهمية كشفت عنها هذه القضية ويرجع للسودان الفضل في الكشف عنها والتنبيه إليها.
الأمر الأول: وهو أن المحكمة الجنائية الدولية يستغل اسمها وما يفترض فيها من هيبة قانونية لتنفيذ مخطط سياسي واضح يستهدف مصر في المقام الأول والعالم العربي لصالح إسرائيل، والمشكلة أصلاً بدأت بتسليح المهاجمين وهجومهم على الجيش السوداني في عام 2002 وأنه من حق الحكومة السودانية أن تحافظ على وحدة السودان بالقوة وأن الخطأ منذ البداية هو تسليح المتمردين وإيوائهم وهم المسؤولون عن جميع جرائم الحرب التي ارتكبت في دارفور.
الأمر الثاني: أن المحكمة بسبب ضحالة خبرة قضاتها وتسييسها بدأت بانتهاك نظامها الأساسي والاستهانة بأحكام القانون الدولي.
الأمر الثالث: هو وجود تواطؤ بين المحكمة ومجلس الأمن على إشاعة الفوضى في السودان وعلى تمكين المتمردين من السيطرة على الخرطوم استجابة للمصالح الأميركية والفرنسية والإسرائيلية، وقد أعلن عبدالواحد نور رئيس جبهة تحرير السودان بالفعل أن أول قرار سيتخذه هو الاعتراف بإسرائيل وأنها هي التي تسلحه وتسانده من خلال مكتب الحركة بإسرائيل وكأن السودان أصبح الساحة الجديدة للصراع العربي ـ الإسرائيلي ولكن الخطر الأكبر يحيق بمصر لما للسودان من أهمية خاصة بالنسبة لها.
خطوات مطلوبة للتحرك
ولكن كيف يمكن مواجهة قرار المحكمة الجنائية الدولية فيما يتعلق بتوقيف البشير سياسياً وقانونياً؟
الأشعل: لابد من دعم التماسك السوداني في الداخل ومساندة الحكومة ضد المتمردين ومحاصرة التمرد وإغلاق مكاتبهم ومنع تسليحهم واعتبار نشاطهم اعتداء على دولة قائمة ويهدد سلامتها ومساعدة السودان على القبض على المتمردين ومحاكمتهم ومساندة جهود الحكومة في التنمية ومساندة جهود قطر في التسوية والتصدي لهذه المحكمة وكذلك مجلس الأمن من خلال الجمعية العامة للأمم المتحدة ومساعدة السودان في رفع دعوى أمام محكمة العدل الدولية ضد المحكمة الجنائية الدولية.
وأنبه بعض الأقلام التي تدعي الليبرالية والموضوعية وتحمل البشير المسؤولية أنها تساعد بوعي أو دون وعي في إنفاذ المؤامرة، ذلك أن البشير ليس المستهدف وإنما المستهدف هو السودان ومصر في النهاية ولأول مرة يتآمر مجلس الأمن صراحة وبشكل سافر ضد دولة عربية عضو بالأمم المتحدة وجامعة الدول العربية والاتحاد الإفريقي ويرفض مساعي جامعة الدول العربية والاتحاد الإفريقي بتأجيل إجراءات المحكمة ضد السودان رغم أن مجلس الأمن نفسه استخدم المادة «16» لإعفاء المسؤولين الأميركيين من أي جرائم تنسب إليهم في أي مكان في العالم وإعفائهم من المحاكمة أمام المحكمة الجنائية الدولية منذ بدء عمل المحكمة في أول يوليو 2002 وتكرر بعد ذلك بعام بالقرار 1487 في يونيو 2003.
ما تأثير محاكمة البشير على الأوضاع في دارفور وعملية تحديد المصير بالنسبة للجنوب في 2011؟
الأشعل: بالنسبة للأوضاع في دارفور مما لا شك فيه أن الأوضاع ستتأثر تأثراً بالغاً وستتوقف العملية السلمية هناك، فهو إشارة إيجابية للمتمردين بوقوف المجتمع الدولي والقوى الكبرى معهم ضد النظام الحاكم في الخرطوم، وبالتالي فعلينا ألا نتوقع أية استجابة إيجابية لنداءات المصالحة والسلام في دارفور، كما أن القرار سيؤثر سلباً على الوضع الإنساني في الإقليم وخاصة بعد القرار المتسرع بطرد المنظمات الإنسانية من دارفور..
أما فيما يتعلق بتحديد المصير في الجنوب فالقرار يستهدف في الأساس التأثير على القرار وتسهيل الانفصال وقد أعلن فعلاً بعض قادة الحركة الشعبية أنهم ينوون الانفصال من الآن دون انتظار موعد تقرير المصير في 2011 لأن القبض على البشير سيترك فراغاً في السلطة التي تعاقدت معهم على عملية السلام.
إمكانيات تنفيذ التوقيف
ما إمكانية تنفيذ القرار وتوقيف الرئيس السوداني؟
الأشعل: ليس هناك إمكانية عملية أو قانونية لتنفيذ القرار إذا التزمنا بالقانون الدولي، أما في حدود البلطجة الدولية فيمكن لإسرائيل أن تساعد في التنفيذ خاصة وأن زعماء التمرد أعلنوا أنهم سيكونون الذراع في تنفيذ هذا القرار.
كيف تري النظام العربي في ظل محاكمة البشير وقتلة الحريري التي قد تطول القيادة السورية واللتان تأتيان بعد محاكمة صدام حسين؟
الأشعل: هذه مؤامرة على الزعامات العربية وخاصة الممانعين، بدأت بالهجوم على الرئيس الليبي معمر القذافي والهجوم على منزله وحصاره ثم صدام حسين واغتياله وليس محاكمته ثم البشير، والبقية تأتي وربما تفضي محاكمة الحريري إلى محاكمة كبار المسؤولين بالنظام السوري.
ما مدى التقارب السوري ـ الأميركي الحالي على سير محاكمة قتلة الحريري؟
الأشعل: إذا ما صارت سوريا في الخط السياسي الأميركي فمما لا شك فيه أن المحاكمة سيتم تجميدها، فمحاكمة قتلة الحريري أقيمت فقط للتهديد ولكن من الناحية القانونية هي غير متماسكة قانونياً وأتوقع ألا تبدأ عملها، صحيح أنها وقعت اتفاق مقر مع لاهاي وحصلت على دعم إلا أنها لن تستمر.
هل لهذه المحكمة تأثير على الحوار الوطني اللبناني الدائر جولاته حالياً في بيروت؟
الأشعل: نعم ستؤثر كثيراً خاصة وأن قوى 14 آذار تراهن كثيراً على المحكمة باعتبارها تحمي لبنان من الإرهاب، وهذا الإرهاب لا تصنعه سوريا وإنما تصنعه إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية.
القاهرة ـ «البيان»

