كان لقاء وزير الخارجية الروسي سيرجى لافروف و نظيرته الأميركية هيلاري كلينتون في جنيف يوم الجمعة السادس من مارس الجاري أشبه بلقاء قمة.

حيث يعتبر اللقاء الأول بين مسؤولين من البلدين على هذا المستوى منذ استلام إدارة الرئيس أوباما الحكم في البيت الأبيض، وجرى إعداد كبير لهذا اللقاء الذي انتظر منه العالم أن يكون بداية لانطلاق علاقات جديدة بين البلدين تتفادى وتصلح أخطاء ومشاكل السنوات الثماني الماضية أثناء حكم إدارة بوش. وهنا فإنه قد يكون من الجدير بالذكر الإشارة على هامش هذا اللقاء أنه تردد أن الوزيرة الأميركية كلينتون أثناء جولتها الأخيرة في آسيا كان مقررا لها أن تزور موسكو، ولكن ? حسب ما ذكرت صحيفة إيزفستيا الروسية ? لم تتلق الخارجية الأميركية أي رد من الخارجية الروسية يفيد قبول الزيارة طيلة الفترة الماضية، وكتبت الصحيفة تقول أيضا أن كلينتون طلبت من واشنطن الحديث مع الوزير لافروف تليفونيا لكنه تهرب منها بحجة انشغاله مع الرئيس ميدفيديف في جولاته.

الزر الأحمر

كل هذه الأمور لم تؤكدها الخارجية الروسية ولم تنفها، لكن من الواضح حسبما تداولت وسائل الإعلام أن موسكو لم تكن متحمسة للقاءات مع مسؤولين من إدارة أوباما بسبب التصريحات غير المشجعة التي صدرت من بعضهم تجاه روسيا، ومنهم هيلاري كلينتون، ولكن في النهاية تم اللقاء المرتقب في جو احتفالي، وكأنه لقاء قمة بالفعل، حيث ضغط لافروف وكلينتون معا أمام جمع من الصحفيين و وسائل الإعلام العالمية على «زر أحمر» كرمز للإيذان بانطلاقة جديدة للعلاقات بين البلدين، وجرى حوار بين الوزيرين تناول مختلف قضايا الخلاف بينهما، وإن كانت أزمة البرنامج النووي الإيراني قد احتلت الحيز الأكبر من الحوار.

وقد كتبت صحيفة نيويورك تايمز الأميركية في الثاني من مارس الجاري تقول إن الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف تلقى من نظيره الأميركي باراك أوباما رسالة يقول له فيها «إن الولايات المتحدة مستعدة للتراجع عن نشر منظومة الدرع الصاروخي في شرق أوروبا مقابل تراجع روسيا عن التعاون مع إيران في برنامجها النووي»، إلا أن السكرتيرة الصحفية للرئيس الروسي «ناتاليا تيماكوفا» التي أكدت استلام رسالة من الرئيس الأميركي أوباما أنكرت وجود هذا العرض في الرسالة، ولكن مسؤول أميركي لم يذكر اسمه أكد لوكالة رويترز أن أوباما أرسل رسالة لميدفيديف حول هذا الأمر بالتحديد.

وكتبت صحيفة «كومسمولسكايا برافدا» الروسية في الخامس من مارس تقول «إن موسكو تلقت بالفعل هذه الرسالة من أوباما شفوية وليست مكتوبة، أثناء الزيارة السرية التي قام بها وزير الخارجية الأسبق هنري كيسنجر لموسكو الأسبوع الأول من شهر فبراير الماضي والتي لم يعلن عن تفاصيلها لوسائل الإعلام».

ميدفيديف يرد بحدة

وزير الخارجية الروسي لافروف في لقائه مع نظيرته الأميركية كلينتون في جنيف بدا عليه الحدة عند مناقشة التعاون الروسي الإيراني، وهذا ربما يشير إلى أن مسألة المقايضة الأميركية بين الدرع الصاروخي والتعاون مع إيران واقعية وحصلت بالفعل، حيث قال لافروف لكلينتون أن روسيا لا تخرق التزاماتها الدولية في قضية تجهيز السلاح إلى الخارج، بما في ذلك إلى إيران، كما تراعي موسكو في التعاون العسكري التقني مع إيران قلق الولايات المتحدة وأيضا إسرائيل، وأضاف أنه «يجري البت في قضايا التعاون العسكري التقني مع إيران والبلدان الأخرى في إطار القانون فقط، ووفق تشريعات التصدير الروسية، التي تعتبر أحد أكثر التشريعات تشددا في العالم، وكذلك بموجب الالتزامات الدولية».

وقال لافروف: «إننا لا نجهز إلا الأسلحة الدفاعية»، و قال بحدة أن روسيا ترغب في ممارسة مثل هذا التشدد من الجميع خاصة مع البلدان التي استخدمت مؤخرا أسلحة هجومية على مقربة من الحدود الروسية، و يقصد لافروف الدعم العسكري الأمريكي والإسرائيلي لجورجيا في اعتدائها على أوسيتيا الجنوبية في أغسطس الماضي، ولم يتعرض لافروف لموضوع النووي الإيراني ولا لمسألة المقايضة التي يقال أن واشنطن عرضتها على روسيا.

هناك مؤشرات أخرى تشير لاحتمال تلقي موسكو عرض المقايضة،حيث بدا واضحا شيء من الحدة على الرئيس الروسي ميدفيديف عندما سأله أحد الصفيين أثناء زيارته مطلع الشهر الجاري لأسبانيا حول هذا العرض الأميركي بالتحديد، حيث لم ينف ميدفيديف بالقطع وجود هذا العرض بل أجاب قائلا «إن أسلوب المقايضة في مثل هذه القضايا أمر مرفوض وغير مجد وخاصة في موضوع النووي الإيراني». وأضاف ميدفيديف قائلا «إن مثل هذه القضايا الهامة لا يمكن أن ترتبط بأية مبادلات أو مقايضات».

تصرف ساذج

أيا كان الأمر فإنه من المعروف أن موسكو تلقت الكثير من العروض والإغراءات من واشنطن و أيضا من إسرائيل على مدى السنوات الأربع الماضية مقابل تخليها عن التعاون النووي مع إيران، و قد زار رؤساء الحكومات الإسرائيلية شارون وأولمرت وأيضا الوزيرة تسيبي ليفني موسكو عدة مرات، وعرضوا الكثير من العروض والإغراءات في اتجاه هذا الهدف.

كما سبق لوزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر أن زار موسكو أيضا منذ عامين في عهد الرئيس بوتين لمناقشة هذا الأمر بالتحديد، وبدا للكثيرين أحيانا أنه من الممكن ان توافق موسكو على مقايضة في هذا الأمر. خاصة عندما أبدت استعدادها أكثر من مرة للموافقة على عقوبات ضد إيران إذا لم توقف عمليات التخصيب لليورانيوم، ولكن اتضح بعد ذلك أن هذا كله كان من قبيل المناورة من جانب موسكو التي رفضت بعد ذلك أية عقوبات مشددة على إيران لأنها رأت فيها مساسا مباشرا بمصالح روسيا.

المحلل الروسي يفجيني ساتانوفسكي يقول لوكالة الأنباء الروسية نوفوستي حول رسالة أوباما لميدفيديف «لو كان هذا الأمر صحيحا فإنه يعتبر تصرفا ساذجا من جانب الإدارة الأميركية لأنه من المستحيل أن تتنازل روسيا عن تعاونها مع إيران، خاصة مقابل عرض ضعيف للغاية مثل التراجع عن نشر الدرع الصاروخي الأميركي في شرق أوروبا، والأولى لواشنطن أن تقدم عروض وتنازلات أفضل ليس من أجل عدم التعاون مع إيران بل مقابل أشياء أخرى من نفس المستوى مثل التعاون الروسي مع الولايات المتحدة في أفغانستان أو عدم إمداد فنزويلا بأسلحة هجومية حديثة، أما التخلي عن إيران فهذا أمر لا يمكن ولا يجوز طلبه من دولة لها مكانتها الدولية مثل روسيا تحترم علاقاتها و تعاقداتها مع جميع دول العالم ولا تساوم أو تقايض على هذه العلاقات».

بوتين في إيران

الواقع أن روسيا التي اختارت لنفسها سياسة الانفتاح على العالم واقتصاد السوق والمصالح المشتركة مع جميع الدول بذلت قصارى جهودها من أجل الوصول لحلول دبلوماسية لأزمة النووي الإيراني، وذلك ليس من أجل إيران، بل من أجل مصالحها الاقتصادية، لأن موسكو على قناعة تامة بسلمية البرنامج النووي الإيراني القائمة هي على تنفيذه، وهذا ما أكده الرئيس السابق بوتين أكثر من مرة.

ولكن شعور روسيا منذ بداية تصعيد الأزمة بأن وجودها في السوق العالمية للتكنولوجيا النووية السلمية مهدد بالخطر، وأن تخلّيها عن إيران وعن تنفيذ برنامجها النووي سيفقدها مصداقيتها في هذه السوق الواعدة، وسيجعل بقية الدول تخشي وتتردد في التعامل معها هو الذي دفعها إلى اتخاذ هذا الموقف منذ البداية، وقد حاولت موسكو كثيراً تهدئة الأزمة والبحث عن حلول دبلوماسية لها، ولكنها وجدت نفسها مهددة بشكل مباشر في مصالحها الاقتصادية بعد اتفاق واشنطن والأوربيين في خريف عام 2007 على اتخاذ قرار العقوبات المشددة على إيران من خلال الاتحاد الأوروبي تفادياً للفيتو الروسي والصيني في مجلس الأمن الدولي.

كما أن موسكو كانت تخشى دائما أن يؤدي تشديد العقوبات وردود فعل إيران الحادة عليها ورفضها لها إلى مضي واشنطن في تنفيذ مخططها بتوجيه ضربة عسكرية إلى إيران سوف يكون لها بالغ الأثر على أمن واستقرار المنطقة التي تقع بالقرب من الحدود الروسية، وخصوصاً منطقة بحر قزوين التي تمثل أهمية قصوى لروسيا والتي تسعى واشنطن ومعها الأوربيون بجدية إلى السيطرة على موارد الطاقة فيها وتحويل خطوط نقل النفط والغاز منها خارج الأراضي الروسية للأسواق العالمية، مما سيشكل صدمة قوية للاقتصاد الروسي.

ولا تستبعد موسكو أن يؤدي الهجوم العسكري على إيران إلى فرض الوجود العسكري الأميركي في وسط آسيا وفي بحر قزوين وفق المخططات الأميركية المرسومة للمنطقة. من أجل هذا ومن أجل مصالح روسيا أولاً وقبل كل شيء فإنه من المستبعد تماما تخلي روسيا عن التعاون مع إيران في برنامجها النووي مهما كان المقابل.

وليس أدل على ذلك مما حدث صيف عام 2007 عندما زادت التحركات العسكرية الأميركية في الخليج وبدا للجميع أن الضربة لإيران أصبحت وشيكة، عندها اتخذ الرئيس الروسي بوتين قرارا غاية في الأهمية والخطورة أيضا عندما دعا قمة دول بحر قزوين للانعقاد في طهران في أكتوبر عام 2007، ولم يكن موعد القمة قد حان ولم يكن مكانها الدوري في إيران.

ورغم وجود معلومات أمنية مؤكدة بأن بوتين سيتعرض لمحاولة اغتيال في طهران، وتأكيد الأمن الروسي هذه المعلومات إلا أن بوتين لم يأبه بهذه المعلومات وتوجه إلى إيران في أول زيارة لرئيس روسي لهذا البلد، ولم يكن لبوتين أن يجازف بحياته ولا حتى أن يدعو لهذه القمة الطارئة ويضغط على رئيس أذربيجان إلهام عالييف ليحضرها رغم الخلافات الحادة بين أذربيجان وإيران إلا إذا كان الأمر يهم مصالح روسيا ويهددها.

الآن أصبح معلوما لواشنطن ولغيرها أنه لا سبيل للضغط على إيران و الحد من طموحاتها إلا عن طريق روسيا، وربما تقبل روسيا القيام بهذه المهمة بشكل ما دون التخلي عن إيران، ولكن بالقطع لن يكن هذا القبول بدون مقابل، ولن يكن بدون مراعاة مصالح روسيا و التنسيق معها وعدم تجاهل دورها في التوازنات الدولية والإقليمية.

د. مغازي البدراوي