حدث ما كان يخشاه كثير من العرب، وأصدرت المحكمة الجنائية الدولية قرارها ضد الرئيس السوداني عمر أحمد حسن البشير، والذي يقضي باعتقاله تمهيداً لمحاكمته، ليكون أول رئيس دولة يواجه هذا الموقف وهو على رأس سلطته، وهو ما يعد سابقة في القانون الدولي وفي عمل المحاكم الدولية.
فمنذ عرف العالم هذا النوع من المحاكمات كانت كلها تتم ضد متهمين صاروا خارج إطار السلطة، كما كان الحال في محاكمات نورمبرغ الشهيرة ضد قادة ألمانيا النازية، وكما حدث مع الرئيس اليوغوسلافي الراحل سلوبودان ميلوسيفيتش، ومع القادة المتسببين في مذابح رواندا، ويحدث الآن مع رادوفان كراديتش رئيس صرب البوسنة وجزار سربرينتسا، ومع المتهمين في قضية اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري.
وهذا هو السبب في الضجة المثارة حاليا، فلو كان الرئيس خارج السلطة لما حدثت كل هذه الضوضاء السياسية والقانونية والإعلامية، وهو ما يعني أن سلطة المحكمة الدولية تصطدم بسلطة أخرى ذات صبغة دولية مماثلة، فالرئيس البشير هو حاكم السودان المعترف به محلياً وعالمياً، إذن فنحن أمام قوتين دوليتين تحاول كل منهما استلاب سلطة الآخر وصرع شرعيته.
صراع الإرادات سياسياً وقانونياً هو ما كان مستهدفاً منذ بداية الخلاف بين الرئيس البشير ومدعي عام المحكمة لويس مورينو أوكامبو منذ شهر مايو الماضي، لكن في المرة الأولى كان الرئيس البشير يواجه سلطة اتهام فقط، أما هذه المرة فإن الأمر تطور بالنسبة له إلى الأسوأ، فهو يواجه أمر ضبط وإحضار، ومن ثم فإن شرعيته العالمية صارت في حكم الهارب من العدالة، إذا ما احتكمنا إلى قرار المحكمة. كما أن سلطته الداخلية سوف تتجه إلى التآكل، حتى وان زعم غير ذلك. وهذه الحالة تمثل مشكلة مستجدة على صعيد القانون الدولي.
مشهد طبق الأصل
الملاحظ أن المشهد الجاري بين السودان والمحكمة الدولية يكاد يكون نسخة طبق الأصل، لما سبق بين الرئيس البشير ومدعي عام المحكمة لويس مورينو أوكامبو، بما في ذلك ردود الفعل السودانية والعربية والإقليمية والدولية، المواقف لم تتغير ولم تتبدل.
ويمكن النظر إلى ذلك من عدة زوايا:
أولا- البعد القانوني: بالنظر إلى نص قرار مدعي عام المحكمة لويس مورينو أوكامبو، ومقارنته مع قرار الاعتقال الصادر بحق الرئيس السوداني، يتبين وجود انسجام كبير في تكييف الاتهامات بين الادعاء والمحكمة على ضوء سلطات الرئيس السوداني، سواء من حيث كونه يتمتع بصلاحيات دستورية وقانونية يسيطر بها على مؤسسات الدولة السودانية، وخاصة الجيش وميليشيا الجنجويد والشرطة والمخابرات.
ويضاف إلى ذلك موقفه من إسباغ الحماية على المطلوبين أحمد هارون وزير الشؤون الإنسانية وعلى كوشيب القائد المحلي للجنجويد. كما أخذت المحكمة في قرار الاعتقال بما جاء في مذكرة الاتهام بشأن ارتكاب جرائم في دارفور بحق المدنيين العزل. وبناء عليه وجهت للرئيس سبع اتهامات هي: القتل والإبادة والنقل القسري والتعذيب والاغتصاب والنهب وتعمد توجيه هجمات ضد سكان مدنيين.
وفي المقابل رفضت المحكمة الأخذ بما جاء في مذكرة الاتهام بشأن الإبادة الجماعية، وهي التهمة التي وجهها إليه أوكامبو في مايو الماضي، لعدم كفاية الأدلة المقدمة، حيث لم يثبت لدى المحكمة أن حكومة السودان تصرفت بشكل إجرامي خاص بقصد إبادة قبائل دارفور.
ووفق قرار المحكمة فإن منصب الرئيس السوداني عمر حسن أحمد البشير لا يمنحه حصانة من المحاكمة. وتبعاً لذلك فسوف تصدر المحكمة أمرا دولياً تطلب فيه من كافة دول العالم الموقعة على ميثاق المحكمة التعاون لتسليمه، بل ان المحكمة قررت توجيه خطاب إلى السودان لتسليم الرئيس، وفي حالة الامتناع سوف تلجأ إلى مجلس الأمن لبحث الأمر.
بين السياسة والقانون
ثانياً ـ البعد السياسي: حينما يتهم السودان المحكمة بأنها ذات طبيعة سياسية، فهو محق نظراً لطبيعة القضية التي تتصدى لها المحكمة، والطبيعة الإجرائية فيما يتعلق بقرار الإحالة.
(1) فيما يتعلق بالقضية التي من أجلها تحركت المحكمة، فهي أزمة دارفور التي شاركت الحكومة والفصائل المسلحة في صنعها، وتركها حتى التدويل. فالحكومة منذ البداية تعاملت مع الأزمة بالقوة العسكرية أسوة بما فعلته أيضاً الفصائل المسلحة بداية من حركة تحرير دارفور إلى حركة تحرير السودان، إلى حركة العدل والمساواة وغيرها. فالكل رفض مائدة المفاوضات لتسوية القضايا الخلافية المحددة في تقاسم السلطة والثروة.
وفي هذا، فإن الاعتماد على القوة العسكرية ظل هو ديدن الحكومة وأطراف الصراعات في السودان. ففي كافة الخلافات الداخلية اعتادت كل الأطراف اللجوء إلى السلاح وفقط، كما اعتادت ألا تلتقي إلا من خلال الوسيط الخارجي بعد تدويل المشكلة، وهو عادة ما يكون أميركيا. ومن ثم فإن التدويل كان في قضية دارفور سابقاً على المحكمة، والحكومة السودانية سمحت به وتعاملت معه، بل ورضخت له.
ويردد البعض اليوم حقائق مروعة عن دارفور من منطلق تسييس القضية، وكذلك أرقاماً مفزعة حول عدد القتلى. فالأمم المتحدة أعلنت على لسان جون هولمز وكيل الأمين العام للشؤون الإنسانية أن عدد القتلى يبلغ ثلاثمئة ألف، وذلك في كلمة ألقاها أمام مجلس الأمن الدولي يوم 23 أبريل 2008، فيما قال المدعي العام للمحكمة الدولية في قرار الاتهام إن العدد يبلغ 35 ألف قتيل، أما الرئيس السوداني فهبط بالرقم إلى تسعة آلاف فقط. وهنا يمكن القول إن الحكومة السودانية قصرت على كل المستويات في التعامل مع الأزمة منذ بداياتها الأولى وحتى اليوم، حيث تركت أطراف التدويل تتلاعب بالمشكلة وتوظفها لحسابها كيفما تشاء.
يضاف إلى ذلك أن الحكومة السودانية تركت المنظمات الدولية تتحرك في دارفور من دون ضوابط، في مسعى منها لاسترضاء المؤسسات والقوى الدولية، على الرغم من تكشف تورط بعضها في الاتجار بالأطفال، مثلما حدث مع جمعية (أروش دي زوي) الفرنسية التي ضبطت وحوكمت ثم أطلقت في تشاد، من دون أن يكون السودان حاضراً في هذه القضية بالقدر الكافي. واليوم وبعد صدور قرار المحكمة أقدمت الحكومة على طرد هذه المنظمات، وكأنها استيقظت فجأة. وفي ذلك إشارة إلى أن حكومة السودان مثل كثير من الحكومات العربية مستعد للتفريط في حقوق الأمة، ولكنه شديد التشدد في حقوق الحكم.
(2) الطبيعة الإجرائية للمحكمة: ظهر التسييس القانوني في القضية منذ 31 مارس عام 2005، عندما أحال مجلس الأمن قضية دارفور إلى المحكمة الجنائية الدولية بمقتضى القرار 1593. ومن نفس النقطة التي بدأت منها القضية، وهي أروقة مجلس الأمن تعول الدول العربية ومنظمة الوحدة الإفريقية بالاتفاق مع السودان على تأجيل أو إلغاء المحاكمة تماما، أي أن التسييس كان ولا يزال موجوداً لدى كل الأطراف، بالتوازي مع تطورات الأزمة في دارفور.
وفي إطار التسييس لا يمكن إغفال الدور الأميركي سياسياً وقانونياً، فالمعلومات عن صدور قرار الاتهام ضد الرئيس البشير أعلنت من واشنطن قبل أيام من إعلانه من جانب من مدعي عام المحكمة الدولية في مايو الماضي. فواشنطن هي من استخدم قوته في مجلس الأمن لإحالة القضية إلى المحكمة الدولية، وهي من شجعت المدعي العام لويس مورينو أوكامبو ضد الرئيس عمر البشير، وهي التي تدعو اليوم للقبض عليه ومحاكمته، بل هي أول من وصفه بـ (الهارب من العدالة).
وهذا يعني أن الولايات المتحدة التي استفادت من درس غزو العراق، بما تحملته من تكاليف مالية وخسائر بشرية وعسكرية، قررت اتباع طرق جديدة في إسقاط النظم المناوئة لها. وفي ذلك فإن التحركات والمواقف الدولية التي تحيط بالمحاكمة ليست لوجه العدالة فقط، وإنما لوجه المصالح الأميركية، وإلا فأين العدالة الأميركية من الجرائم التي ارتكبتها إسرائيل في فلسطين ولبنان؟ وأين عدالة مجلس الأمن من الجرائم الأميركية التي ارتكبت في العراق. تلك الجرائم أدت إلى موت مليون عراقي.
هذه الازدواجية هي السر في الغضبة العربية الإسلامية ضد قرار المحكمة، فدماء شهداء غزة لم تجف، بل أن مدعي عام المحكمة لويس مورينو اوكامبو رفض التحقيق في الطلب الفلسطيني، وفي البلاغات المقدمة إليه من منظمات حقوقية عربية وعالمية للتحقيق في جرائم إسرائيل، بدعوى أنها ليست عضواً في المحكمة الدولية. وهذا ما ينطبق أيضاً على السودان، فهي ليست عضواً في المحكمة. وهذا ينبع من ازدواجية المعايير الغربية في كل شيء حتى في ميدان العدالة.
ومن جملة هذه الازدواجية فإن الولايات المتحدة التي ترفض التوقيع على الانضمام إلى المحكمة، رغم توقيعها على ميثاق روما في عهد الرئيس بيل كلينتون، تبدي تحمساً كبيراً لتحركات المحكمة ضد الرئيس البشير. وفي ذات الوقت تحصن نفسها ومسؤوليها وجنودها من إمكانية ملاحقة المحكمة ذاتها لهم، حيث تضغط على الدول الأعضاء وغير الأعضاء للتوقيع على اتفاقيات ثنائية تحمي جنودها من المساءلة الدولية.
وهذا يعني أن واشنطن توظف المحكمة من خلال الإحالة عبر مجلس الأمن لتحقيق هدفين مهمين لها وهما: تصفية خصومها السياسيين بتوظيف القانون ضدهم، والنيل من مصداقية المحكمة دوليا، عندما تضعها في بؤرة التشكيك والاتهام. وهي بذلك تضرب الطرفين ببعضهما. وهنا تتساوى أيضاً المواقف الأوروبية مع الموقف الأميركي. ففي الوقت الذي رفضت دول الاتحاد الأوروبي إدانة إسرائيل في مجلس حقوق الإنسان إبان الحرب على غزة، ورفضت وصف مذابحها بجرائم الحرب، فإنها اليوم تلعب ذات اللعبة الأميركية ضد السودان. وهنا تبدو العدالة الدولية نوعاً من الإفساد القانوني.
إدارة الأزمة
ثالثاً ـ أبعاد إدارة الأزمة: فور صدور قرار المحكمة أعلنت الحكومة السودانية أنها لن تعترف بقرار المحكمة من زاوية أنها لا تعترف بالمحكمة في الأساس، فهي ليست عضواً فيها، ومن أجل ذلك اتبعت تكتيكات اتخذت أشكالاً عدة تمثلت في:
(1) التعبئة الداخلية ضد المحكمة: واشتملت هذه الخطوة على تعبئة شعبية وإدارية على مستوى أجهزة الدولة. ففي الوقت الذي سيرت فيه المظاهرات الشعبية المنددة بالمحكمة والمساندة للرئيس، نظمت أيضاً مسيرة عسكرية لبعض وحدات من الجيش في الفاشر، باعتبار أن سمعة الجيش تم المساس بها في قراري الاتهام والاعتقال، في إشارة إلى توحد الجيش خلف الرئيس، وفي إشارة أخرى لاستمرار اعتماد الحل العسكري لأزمة دارفور.
وفي ذات الوقت جرت تعبئة مضادة للحكومة في دارفور، وهو ما يزيد من حدة الاستقطاب الداخلي الذي يعد امتداداً للصراع الدائر على الأرض داخل السودان، مما يزيد من حدة التعقيدات الداخلية، بما لا ينبئ بإمكانية حدوث توافق داخلي قريب.
(2) التعبئة العربية والإفريقية: وهنا تبدو التعبئة ذات طابع سياسي، فالدول العربية والإفريقية قررت مساندة السودان، واتجهت إلى مجلس الأمن في مسعى لتأجيل القرار سنة، وإلغائه إن أمكن. وهذه الخطوة بقدر ما تعبر عن التضامن مع السودان، فإنها تمثل لكثير من الدول، خاصة العربية منها، خطوة كاشفة تتعرف منها على مدى صلابة الموقفين الأميركي والأوروبي، لتحديد موقفها من استمرار المساندة أو الانصراف عن السودان. وهذا ليس بجديد فقد سبق وتمت تجربته تجاه ليبيا مع أزمة لوكيربي. ومن ثم فإن صلابة الموقف العربي تحديداً قد تلين، إذا ما استشعر البعض إصراراً أميركياً للمضي في المحاكمة.
(3) الاختراق الدولي: تعول السودان والدول العربية والإفريقية الكثير على الدورين الصيني والروسي في إمكانية تحقيق اختراق داخل مجلس الأمن باتجاه تبني مطلب تأجيل أو إلغاء المحاكمة. ويشجع على ذلك أن الموقف الصيني أيد هذه الخطوة، لكن المصالح الصينية قد تجد في الصفقات الأميركية حليفاً أقوى من السودان المأزوم.
موقف شديد الصعوبة
وتبعاً لذلك، فإن الموقف في السودان بالغ الصعوبة قانونياً أمام المحكمة، وسياسياً في مواجهة القوى الكبرى. وما يزيد الأمر صعوبة هو بقاء الحال في دارفور على ما هو عليه من موت وتشريد. فاستمرار هذا الوضع يزيد من الضغوط الدولية، ويزيد من تأزم الأوضاع الإنسانية، ويعبيء المشاعر المعادية للسودان والرئيس البشير على المستوى العالمي، خاصة أن قضية دارفور تخضع للبند السابع من ميثاق مجلس الأمن.
ومن الصعب تصور أن يتخذ مجلس الأمن موقفاً حاسماً باتجاه إلغاء المحاكمة في ظل استمرار الأزمة الإنسانية في دارفور، لذا فإن الحل يجب أن يكون سودانياً في المقام الأول، حتى مع الوضع في الاعتبار أن تحركات المحكمة الدولية قد أضعفت الموقف التفاوضي للحكومة باتجاه فصائل التمرد، لكن تقديم التنازلات لأهل السودان من واقع أعمال القانون والدستور السودانيين أفضل من فرضها بالضغوط الدولية.
إن الاستمرار في سياسة العناد الداخلي والخارجي، وفي استعداء القوى الدولية سيضع السودان برمته في مواجهة أزمات ثقيلة وعنيفة، سيكون ثمنها استقراره ووحدة أراضيه. وهنا مصدر القلق العربي والإفريقي، فعدوى الفوضى ستضرب القارة بأكملها إذا ضربت السودان. وهذا ما يجب التحسب له من جانب كل الأطراف السودانية والعربية، وفي المقدمة الرئيس عمر البشير والحكومة السودانية.
أحمد الكناني
