غيّب الموت في الآونة الأخيرة الفنان اللبناني الكبير منصور الرحباني، بعد 22 عاماً على رحيل شقيقه الفنان الكبير عاصي. وقد أحدث غيابه ضجة كبيرة في عالم الموسيقى والغناء والمسرح، وفي عالم الثقافة والسياسة. وظلت وسائل الإعلام، على امتداد أسابيع، تتحدث عن الدور الذي لعبه هذا الفنان مع شقيقه عاصي، ثم أكمله بعد رحيله، في إبداع تميّز به وحمل اسمه، في عدد من المسرحيات التي عرضت في أكثر من بلد عربي.

كان آخر هذه المسرحيات مسرحية «عودة الفينيق» التي ألفها هو وأخرجها ابنه مروان، وألف الموسيقى فيها ابنه أسامة. وهي المسرحية التي انطلقت من دولة الإمارات العربية المتحدة بنجاح كبير وجاءت إلى لبنان لتلاقي النجاح ذاته وأكثر. وفي الحقيقة فحين نستعرض سيرة ومسار كل من عاصي أو منصور سنجد صعوبة في الحديث عن أي منهما من دون الربط بينهما. فاسم «الأخوين رحباني» أصبح، منذ بداية الظاهرة الرحبانية، هو الاسم الذي اشتهر به هذان الأخوان في عملهما الموسيقي الرائد، وفي الأغنية الجديدة، وفي المسرح الغنائي الحديث.

ووصف المسرح الغنائي الرحباني بالحديث لا يدل دلالة دقيقة على واقع الحال. فلا يوجد، في تاريخ الموسيقى والغناء العربيين، بحسب معرفتي ـ وهي قليلة، مثل هذا النوع الذي اشتهر في أوروبا باسم الأوبريت، علماً بأن «الأخوين رحباني»، كما أعلم، لم يربطا مسرحهما الغنائي ربطاً واضحاً بالأوبريت الكلاسيكية. فمسرحهما الغنائي هو مسرح عربي جديد، بالمعنى الذي أراداه لمسرحهما هذا. وهو مسرح مختلف عن «أوبريت» قيس وليلى المعروفة. أقول ذلك ببساطة، من دون ادعاء المعرفة بهذه المسألة، ومن دون أن أتمادى في الخوض فيها، إلا أن العارفين بهذه المسألة يقولون بأن مسرحهما هذا هو أقرب إلى المسرح الغنائي الذي اشتهرت به الدول الأنغلو-ساكسونية، مع فارق يميزهما يتمثل في التركيز على معالجة القصة الدرامية والحبكة المسرحية والتجديد في الشعر الغنائي وفي التأليف الموسيقي.

إلا أن بروز الظاهرة الرحبانية، ارتباطاً باسميّ الأخوين عاصي ومنصور، لا يلغي بعض الفوارق بينهما، سواء في العمل الإبداعي الموسيقي أم في العمل الإبداعي الشعري، أم في الخصائص الشخصية التي تعطي لكل منهما سماته الخاصة به التي يختلف فيها عن الآخر. هذا أمر طبيعي. وأعتقد أنه من الصعب التمييز بينهما إلاَّ لمن عرفهما معرفة جيدة، وعرف بالدقة تفاصيل إسهام كل منهما في هذا العمل الإبداعي المشترك. ولا أدعي لنفسي هذه المعرفة، رغم أنني كنت قد تعرفت إليهما منذ وقت مبكر. ولم ألتق بعاصي إلا قليلاً.

في حين أن صداقة حميمة نشأت بيني وبين منصور على امتداد عقدين من الزمن. لكن هذه المعرفة بشقيها لا تؤهلني لأن أحدد بدقة التمييز بينهما في عملهما الإبداعي المشترك. غير أنَّ قراءة عامة لتاريخهما تشير إلى بعض الفوارق بينهما، رغم إصرارهما، منذ مطالع شبابهما، على الظهور معاً في كل ما يتصل بعملهما الإبداعي في الموسيقى وفي الشعر.

ثم جاءت فيروز لتنضم إلى الثنائي، ليصبح الثنائي ثالوثاً. ويستمر هذا الثالوث على هذا النحو عقوداً من السنين. أما الياس، الأخ الأصغر لعاصي ومنصور، الذي تعرفت إليه منذ بضعة أعوام، فقد نشأ مختلفاً عن أخويه. وظلَّ مختلفاً عنهما، في مدرسته الموسيقية، وفي ثقافته، وفي مجمل عمله الموسيقي وغير الموسيقي.

الرحبانية في رموزها الثلاثة: عاصي ومنصور وفيروز

الملفت للنظر هو أن الأخوة الثلاثة قد أنجبوا أولاداً موسيقيين. ولكل من هؤلاء الأولاد مدرسته الخاصة به، حتى وإن بدا الواحد منهم، بهذا القدر أو ذاك، متأثراً بأبيه. وهو ما لا أستطيع الخوض فيه لدقته، وللحاجة إلى الثقافة الموسيقية الضرورية لكي يكون الرأي والحكم في هذا الشأن صحيحاً وسديداً.

ورغم أنني لا أنتمي إلى أولئك الذين يمتلكون ثقافة موسيقية، فإنني أحببت الموسيقى منذ شبابي الأول. وبدأت أستمع إلى الكلاسيكي منها وأستمتع به، وأستمع إلى الطرب العربي وأستمتع به، من دون أن أبذل أي جهد في تحديد المعنى المعرفي لهذا الاستمتاع. وحين سألت ذات يوم صديقي ونسيبي، الناقد الموسيقي نزار مروة، وصديقي الموسيقي زياد الرحباني عن هذا الأمر أجاباني ببساطة: إذا كنت تستمتع استمتاعاً حقيقياً بالموسيقى الكلاسيكية، وهي موسيقى صعبة ومعقَّدة، فلا تجهد نفسك بالبحث عن معنى هذا الاستمتاع. وهو ما قاله لي صديقي الفنان التشكيلي بول غيراغوسيان بشأن علاقتي باللوحة الفنية.

وجوهر ما ذهب إليه أصدقائي الثلاثة هو أن علاقة الإنسان الفرد بجماليات الأشياء، سواء ما تقدمه الطبيعة للمشاهد، أو ما يقدمه الفنان المبدع للمستمع وللقارئ وللمشاهد، هي علاقة خاصة بهذا الإنسان الفرد، تغذيها الثقافة، ويغذيها الإحساس الفني، وتغذيها أمور عديدة أخرى لا تحصى شروط تكونها. وهذه الشروط هي مختلفة باختلاف الأفراد واختلاف أمزجتهم وباختلاف مستويات ثقافاتهم، وباختلاف الظروف التي نشأوا فيها وتكوَّنوا.

وفي هذا السياق في الحديث عن علاقة الإنسان بالفنون، أستذكر باعتزاز الدور الذي لعبه في العلاقة التي نشأت بيني وبين الموسيقى الكلاسيكية، خصوصاً، نسيبي وصديقي الناقد الموسيقي الراحل نزار مروة، عندما بدأت علاقة الصداقة بيننا في أواخر الأربعينات من القرن الماضي، أي عندما كنا لا نزال كلانا في بدايات شبابنا. وكنت في ذلك التاريخ أقيم في مدينة الكاظمية في العراق ضيفاً على حسين مروة (أبو نزار)، أتابع دراستي الثانوية برعايته وبتوجيهاته، التي أسهمت في تكوين شخصيتي الفكرية والسياسية.

شهرة بلغت الآفاق

لم ألتقِ بالأخوين رحباني إلاَّ في أواسط ستينات القرن الماضي، بعد أن كانت شهرتهما قد بلغت ذروتها. وكان ذلك اللقاء عابراً. وكنت أتابع، منذ مطلع الخمسينات، أسوة بسواي من عشاق الموسيقى والغناء، كل ما كان يصدر من أغانٍ كانت معظم ألحانها من تأليفهما، لا سيما ما كان قد بدأ يظهر من هذه الألحان في أغاني فيروز، ابتداء من أغنية «عتاب» وما تلاها من أغانٍ تستعصي على النسيان، وتستقر، لحناً وصوتاً وكلمات، عميقاً في الوجدان. ولا يمحو تأثيرها في النفوس مرور الأيام والأعوام وتغير الظروف والأحوال.

وكنت أتلقى أخبارهما من بعض أصدقائي الذين كانت تربطهم علاقة صداقة بهما. وكان أقربهم إلى الناقد الموسيقي نزار مروة والأديب محمد دكروب. فمن خلالهما كنت أعرف الكثير مما كان يحيط بعالم هذين الفنانين الكبيرين، وشريكتهما في الإبداع فيروز، الذين كانوا قد ملأوا الدنيا العربية وشغلوها. وإذ كان الأخوان عاصي ومنصور يبدعان في الموسيقى وفي الشعر، فقد كانت فيروز تبدع في الأداء بصوتها الساحر.

وفيروز، أمد الله بعمرها، هي من نوع البشر الذين يتقدم بهم العمر ويظلون قادرين على ممارسة العمل الإبداعي. وتظل فيروز هي ذاتها فيروز التي لا تكبر. وتظل تغني بدون توقف. بل هي، برغم وزنها في عالم الغناء لم تتردد في الإستجابة في غنائها الحديث لما كان يطلبه منها ابنها الفنان المبدع زياد وهو يعيد توزيع ألحان أغانيها القديمة من تأليف والده عاصي وعمّه منصور، أو من تأليف شريكهما فيلمون وهبي، فضلاً عن الأغاني الحديثة التي وضعها هو لها لحناً وكلمات.

تعرفت إلى الأخوين رحباني، كما أشرت إلى ذلك، في أواسط الستينات في القرن الماضي. ورغم أن العلاقة كانت عابرة، إلا أنها زادتني قرباً من فنهما، وزادتني معرفة بالخصائص الفنية لكل منهما. وبدا لي، مع الوقت، كما لو أن عاصي كان أكثر تميزاً في الموسيقى، في حين كان منصور أكثر إبداعاً في الشعر، أو هكذا كان يُخيَّل إلى من جرَّاء ما كنت أسمعه من تقييمات بعض العارفين بعالم الأخوين رحباني. لكن الحقيقة أن كليهما كانا يؤلفان الموسيقى ويوزعانها وينظمان الشعر في ثنائية رائعة التكوين شكلت الظاهرة الرحبانية غير المسبوقة في عالم الموسيقى والغناء والشعر والمسرح.

علاقة حميمة مع منصور

أضيف إلى ذلك، من معرفة تكونت عندي من علاقتي الحميمة مع منصور، أنه قد تابع، أي منصور، بعد رحيل عاصي عمله الإبداعي الذي برز فيه الطابع الخاص به في شخصيته المستقلة نسبياً عن الأخوين رحباني، كظاهرة، والمكملة لها في الآن ذاته. وتمثلت عناصر الإبداع الجديدة في أعمال منصور المشار إليها مع كثير من التفاصيل المهمة في كل من الموسيقى والشعر واللغة والبعد الفلسفي.

وأذكر أنني حملت إليهما، في ذلك اللقاء، المشار إليه برفقة نزار مروة ومحمد دكروب، ترجمة لمقطع من مسرحيتهما «جسر القمر» (كنز الكنوز)، كنتُ قد نقلته إلى الفرنسية، ونُشر في المجلة التي كان يصدرها مجلس السلم العالمي في فيينا. وكان ذلك مفاجأة سارة لهما. إذ كانت تلك المجلة واسعة الانتشار في العالم. وكانت تصدر بعدة لغات.

كنت قد بدأت أسمع من هنا وهناك، منذ بداية تعرفي إلى الظاهرة الرحبانية، بأن الموسيقي العبقري بين الرحبانيين هو عاصي، مع التأكيد في الوقت عينه على الدور الأساسي لمنصور في الموسيقى وفي الشعر، إلا أن هذه المقولة لم تكن دقيقة، كما تبين لي فيما بعد، لا إنتقاصا من عاصي وقيمته ولا دفاعا عن منصور، فالحقيقة هي أن إبداع عاصي ومنصور كان على الدوام ومنذ البدايات فعلا مشتركا ومتكاملا بين الثنائي الأخوين رحباني. وكان نزار مروة، دليلي الدائم إلى معرفة الحد الأدنى الضروري من الثقافة الموسيقية التي كلما كانت تزداد، ولو بحدود، كانت تعطي لمتعة الاستماع عندي إلى الموسيقى متعة إضافية.

وكان نزار يحرص في حديثه معي عنهما على التأكيد على الأهمية الاستثنائية لطبيعة العلاقة بين الأخوين في عملهما الإبداعي. ولنزار فضل كبير على في أنه أدخلني في عالم الموسيقى السحري. واستناداً إلى هذا العشق عندي للموسيقى فقد اقتنيت في مكتبتي، حيث كنت أقيم في خارج البلاد ما يقرب من عشر سنوات، في بودابست أولاً، ثم في فيينا، ثم في وارسو وفي موسكو، الكثير من الأسطوانات التي كانت تجمع أعمال الرحابنة المسرحية الغنائية، بصوت فيروز على وجه الخصوص، وبأصوات نصري شمس الدين أساساً، ووديع الصافي وصباح وأخرين.

ما بعد العودة للبنان

وحين عدت إلى لبنان، بعد إقاماتي الطويلة تلك في الخارج، لم أترك مسرحية من مسرحيات الرحابنة إلاَّ وحضرتها، ودائماً برفقة نزار، كدليل موسيقي إلى معرفة ما كنت بحاجة إلى معرفته من المعاني والدلالات التي توحد بين اللحن والغناء والرقص وسائر مكونات المسرح الغنائي. وصادف أن نصري شمس الدين، أحد الأبطال المرموقين في مسرح الأخوين رحباني، كان من أصدقائي القدامى.

إذ درَّسني الموسيقى في مطالع شبابي في أواسط الأربعينات من القرن الماضي. فكنا نلتقي، في فترات الاستراحة، خلال بعض العروض المسرحية، أو في أوقات أخرى. وكان نصري يضيف إلى معرفتي بالرحابنة معرفة جديدة كنت أجهلها في الظاهرة الرحبانية.

ثم كبرت الظاهرة. وصارت، في الموسيقى وفي الغناء وفي المسرح الغنائي، الظاهرة الأبرز في العالم العربي، في هذا الفن الأصيل. وأضيفت إليها السينما، لكن بوهج أقل، كما بدا لي، وكما جاء على لسان بعض النقاد السينمائيين. وقبل أن أسترسل في الحديث عن هذه الظاهرة أتوقف قليلاً عند سيرة «الأخوين رحباني»، منذ طفولتهما وشبابهما وصولاً إلى بداية الطريق إلى الشهرة.

وهي معلومات استقيتها من عدة مصادر أهمها كتاب الشاعر هنري زغيب «الأخوين رحباني طريق النحل» وكتاب جوزيف أبي ظاهر «الأخوين رحباني- هوامش من سيرة ذاتية»، وكتاب نزار مروة الذي صدر بعد وفاته بعنوان «في الموسيقى العربية والمسرح الغنائي الرحباني».

القبضاي شيخ الشباب

لنقرأ هذه الكلمات التي يتحدث فيها منصور عن نشأتهما في كنف والدهما حنّا عاصي الرحباني، أبو عاصي، المعروف بالقبضاي شيخ الشباب. وهي مقتطفات من الحوار الذي سجله الشاعر هنري زغيب:» حكايتنا، عاصي وأنا، قصة شقيقين كأنهما توأمان. ربيا في ظل الأسئلة الكبيرة. وطرحا الأسئلة الكثيرة. وقالا بالكلمة والنوتة ما اعتقدا أنه بعض الجواب. لكنهما لم يقطفا أبداً أيّ جواب.

إنها حكاية طفولة غريبة ترعرعت بين حفافي نهر الفوار وشجر الحور والصفصاف ووعر الجبال ومغاور بلدة أنطلياس التاريخية... حكاية الفقر والحرمان حتى الوجع المر، والبكاء الصامت الذي ينتهي دموعاً حافية على أطراف مخدَّة ممزّقة فوق فراش عتيق. حكايتنا، عاصي وأنا، مجموعة لوحات طفولة كانت تشتهي ما لا تطاله العين، وتحلم بما لا تطاله اليقظة، وتكبر على أخبار عنترة والقبضايات وكراسي الزبائن في «مطعم الفوار» تتردَّد بعد رحيلهم أنغام بُزُق القبضاي «شيخ الشباب» أبو عاصي.

في ظلّ والدنا حنّا عاصي الرحباني، الشخصية الغريبة والقريبة معاً، نشأنا وكبرنا، عاصي وأنا. و«أبو عاصي» هو من حي «عين السنديانة» في بلدة الشوير. ينتمي في أصل جدوده إلى قرية رحبة في عكار. هاجر والداه إبان موجة الهجرة اللبنانية، إثر أحداث 1860، هرباً من جور العثمانيين. وُلد في طنطا (مصر). ويتذكَّر أن ولادته كانت سنة ثورة عرابي باشا (1882).

عاد فتى إلى بيروت، وسكن في حي الرميل، مشتغلاً لدى نسيبه الصائغ ديب عاصي... كان حنّا يطمح أن يكون صائغاً محترفاً. لكنها مهنة لم تكن تدرُّ عليه كما يرغب، فيما مهنة أخرى شائعة عهدئذٍ، كانت تدرُّ مالاً وفيراً. إنها مهنة القبضايات. لذا كان يقبض أجرته الأسبوعية، ويذهب مع بعض قطَّاع الطرق إلى ضهر البيدر أو إلى وادي اللَّبِّيش مع «الطيَّاحين» (الطائحين) فيعود بمغانم أكثر. وشخصية «القبضاي» ترددت لاحقاً في غير واحد من أعمالنا (منها «أبو أحمد» في فيلم «سفر برلك»، والقبضايات في مسرحية «لولو»). وكان دائماً يحمل مسدسات وخناجر ومِدى وأسلحة مختلفة.

وغير مرَّة كانت له في بيروت جولات إطلاق نارٍ مع العثمانيين، حتى حكموا عليه بالإعدام غيابياً. فلم يعد أمامه سوى الفرار من ولاية بيروت. ففي ذلك العهد، أيام المتصرفية، لم يكن القانون العثماني يطال ولاية جبل لبنان التي تبدأ حدودها شمالاً عند نهر بيروت. كان في جبل لبنان حكم ذاتي ذو حصانة وامتياز، تحميه سبع دول ويديره متصرِّف لا يخضع لحكم ولاية بيروت... وصل والدي إلى أنطلياس واستقرَّ فيها، متَّخذاً من بقعاة على فوار أنطلياس مقهيً جعله ملتقى الفارّين من حكم الإعدام العثماني وجور العثمانيين.

من أولئك «القباضيات» الياس الحلبي، غندور زريق، الحاج عبد السلام فرغا، أحمد الجاك، أبو راشد دوغان.. وكان يقصد المقهى (وكان اسمه «مقهى فوار أنطلياس») زبائن كثيرون من بيروت وجبل لبنان، يشدُّهم إليه أمانٌ في الخارج، وطربٌ في الداخل «على رنين بزق حنّا عاصي. كان والدي أميّاً. وكان يعرف من أسرار الحياة أكثر مما تُعلِّم المدارس. فهو من جيل ربي على خميرة البركة وراحة البال. وكانت له في «مقهى الفوار» إمبراطورية خاصة يديرها بطبعه المشاكس الذي لا يهادن في أمور الأخلاق (بعد حياة «الطياح» التي عاشها، تاب إلى الاستقامة).

لذلك كتب إعلانين على مدخل المقهى ضد مصلحته تماماً. الأول بالعربية يقول: «المرجو من ضيوفنا الكرام أن تكون أساليب سرورهم مقرونة بالحشمة ومكارم الأخلاق، وأن يحرصوا من الشراب أن لا يورِّطهم بما يخل بالآداب. ممنوع كل شيء ضد الآداب. ممنوع على الرجل أن يجلس قرب زوجته بل قبالتها. ممنوع أن يلقِّمها بيده. ممنوع كل حركة غير عادية. وإذا خالف أحدٌ هذه القوانين لقي ما لا يحب. (الإمضاء: حنّا عاصي الرحباني).