ذكر صديق كان عضوا بمجلس إدارة مركز بحثي في دولة عربية أن مسؤولا بالسفارة الأميركية في الدولة المذكورة أتي له بقائمة من الأسماء يطلب منه العمل على استضافتها ضمن أنشطة المركز. عندما نظر صاحبنا في القائمة كانت المفاجأة أنهم كلهم ممن يدرجون ظلما أو زورا في خانة «الليبراليين العرب».

لسنا في وارد ذكر أسماء، فالمتتبع لأنشطة مدعيي ومنتحلي صفة الليبرالية في عالمنا العربي يمكن أن يعرفهم دون كثير جهد، وهو ما يؤكد ما أشرنا إليه في مقال سابق ـ «البيان» 7 فبراير 2009 ـ بشأن السعي الأميركي للترويج لبروز وظهور فريق من الكتاب العرب الذين يبذلون الغالي والرخيص من أجل الدفاع عن الرؤية الأميركية بشأن الأوضاع في الشرق الأوسط.

وإذا كنا نتفق مع الرأي الذي عبر عنه الدكتور فيصل القاسم من أنه من الإجحاف الشديد وضع «الليبراليين العرب» كلهم في سلة واحدة، فإنه ما لا شك فيه كذلك أن الكثيرين ممن يزعمون بنبرة زاعقة تبدو واضحة في كتاباتهم انتسابهم لهذا التيار، إنما ينتمون للسلة الفاسدة وأن مهمة البحث عن «ليبرالي وطني» بين ممثلي هذا التيار تبدو عسيرة مثل البحث عن إبرة في كومة قش.

ومع كل التقدير لـ «شبكة الليبراليين العرب» التي تنطلق من القاهرة، فإنه يبدو أن الليبرالية العربية أصبحت كما يذهب الكاتب محمد عكوش أقرب إلى شركة متكافلة لها فروع في كل العواصم العربية ومن شروط الانتساب إليها إجادة اللغة الأميركية كتابة وقراءة ورطنا!

قد يصاب المرء بالعجز عن القدرة على المتابعة الدقيقة حال محاولة رصده رموز وكتابات هذا الفريق، إزاء انتشارهم انتشار النار في الهشيم، بفعل مساندة القوة الأعظم في العالم التي تسعى بكل السبل لفرض رؤاها خاصة في منطقة تبدو للكثيرين رخوة من السهل أن يفعل بأبنائها الكثير دون أن يجرأوا حتى على الجأر بالشكوى بكلمة : آه!!

وقد يبدو من الصعب كذلك محاولة تتبع كيف تم توصيف هؤلاء بهذا اللقب الذي يحمل الكثير من الدلالات الإيجابية خاصة في السياق الغربي.. فالليبرالية بكل بساطة ودون الدخول في تعقيدات التعريف، إنما تشيرـ ونستعين هنا بالوصف التبسيطي لفيصل القاسم ـ أن يكون لدى المرء آراء ووجهات نظر تدعو إلى التقدم والإصلاح ونشر قيم التسامح والتحرر.

غير أن إدراك كيفية نشأة التوصيف قد يكون أمر بالغ السهولة في ضوء الإلمام بمحاولات «التزييف الاصطلاحي» التي تجرى بشأن العديد من الظواهر والقضايا في عالمنا المعاصر خاصة على صعيد قضايانا العربية الأمر الذي رصده بشكل دقيق الدكتور محمد السيد سليم في مقال له نشره بجريدة الشروق المصرية ـ الجديدة ـ مؤخرا، على شاكلة وصف جدار الفصل العنصري بالجدار الأمني والانسحاب بإعادة الانتشار، الأمر الذي يمكننا من استيعاب أبعاد إطلاق هذا التوصيف على «المتلبرلين العرب» في محاولة لإكسابهم صفة مقبولة تجعل منهم بمثابة «ملائكة الحرية» في دول «القهر والاستبداد».

ورغم محاولات التجميل تلك يمكن التأكيد على أن منطق «المتلبرلين العرب» فشل في تحقيق أهدافه حتى الآن على الأقل لا لشئ إلا لأنه يسير عكس التيار وضد منطق الأشياء. كيف؟ هذا ما سنحاول تفصيله المقال المقبل ـ إن شاء الله ـ من خلال تناول نموذج لهذا التيار يمثل صغيرهم الذي فشل في تعلم السحر فكان أداؤه وبالا على سيرة ومسيرة هذا التيار في عالمنا العربي.

mostafa1962@yahoo.com