العالم كله شاهد وتابع حملة الإبادة والتدمير التي مارستها إسرائيل في غزة ورأى جثث الأطفال الصغار المتناثرة في كل مكان والتي كان يجمعها الأهالي كل يوم من تحت أنقاض الدمار وعلى مدى 22 يوما متواصلة.
وذهبت إلى هناك شخصيات على مستويات رفيعة كان في طليعتها الأمين العام للأمم المتحدة بان كي كون وتوني بلير رئيس ما تسمى باللجنة الدولية الرباعية الموكل إليها دفع مسيرة السلام وتطبيق خارطة الطريق ووزراء غربيون عديدون وأعضاء من الكونغرس الأميركي.
تفقد الجميع معالم غزة بعد العدوان، ومع ذلك لم ينطق مسؤول دولي واحد بكلمة حق تطالب بتطبيق القانون الدولي على من أحالوا القطاع إلى خراب ودمار وحمامات دم تسبح فيها جثث الصغار ومن بينهم رضع كانوا بين أحضان أمهاتهم الشهيدات.
نفس العالم وليس عالما من كوكب آخر، لم يشاهد ما جرى في دارفور من عمليات قتل ومعارك، ومع ذلك لمجرد سماعه عنها أو من خلال زيارات ميدانية للاقليم ـ دون أن يرى مثل ما رآه الجميع في غزة بالصوت والصورة ـ لم يصبر طويلا لإفساح الفرصة لتسوية سلمية أو تقصي الحقائق كاملة ثم محاسبة ومعاقبة المسؤولين عن قتل المدنيين ، فسارع من يديرون شؤون الكون إلى تشكيل محكمتهم الدولية واختاروا أكبر رأس في السودان ليكون المتهم الأول عما جرى في دارفور.
بالتأكيد هناك مأساة كبرى في هذا الإقليم. وحتى لو كان عدد ضحايا القتال هناك عشرة آلاف قتيل حسب ما تقوله المصادر السودانية الحكومية وليس كما تشير المصادر الغربية التي تزعم أن القتلى 300 ألف، فلابد من محاسبة الجناة وتوقيع العقوبة عليهم. ولكن.. ألا تستحق غزة أن ينصفها حماة القانون الدولي.. وتعامل بمثل ما عوملت به دارفور؟ للأسف.. تعمد حماة الشرعية الدولية التستر على جرائم إسرائيل في القطاع مع أن معالمها لم تطمس بعد، وراحوا يتفاخرون بتقديم المنح والهبات تحت مسمى إعادة إعمار غزة.
كافأوا إسرائيل بالصمت والسكوت على جرائمها، وأرضوا الفلسطينيين بمساعدات ستظل مجرد كلام في الهواء، لأن القطاع أسير ومغلق على ساكنيه، ولا ندري كيف سيتم تعميره وبناؤه وهو تحت حصار إسرائيل المحكم؟ وكالات إغاثة ومنظمات دولية اعترفت أن هذا الحصار سيجعل ما اتفق عليه المانحون حبرا على ورق. ومن جانبه اعترف الأمين العام للأمم المتحدة بان الموقف عند المعابر غير محتمل، ولا يستطيع عمال الإغاثة ولا السلع الأساسية الدخول إلى القطاع.
وحتى لو فتحت المعابر وجرى التعمير، فهل ستنجو غزة من أي عدوان آخر؟ بالطبع لن تنجو ، ووزير الخارجية الألماني فرانك شتاينماير من جانبه شكك في إمكانية أن يسلم القطاع من الدمار مرة أخرى عندما حذر في مؤتمر شرم الشيخ من التركيز فقط على عمليات إعادة إعمار البنية التحتية المدمرة.
المجتمع الدولي للأسف فاقد الشفافية، يمرر سياسة ازدواجية المعايير لإرضاء من يحجرون عليه من أجل مصالحهم الخاصة. أعفى إسرائيل من الالتزام بالقانون الدولي، وارتضى بأن تجعل من قطاع غزة، معتقلا نزلاؤه 5. 1 مليون فلسطيني. وفوق ذلك لم يتخذ موقفا حاسما ضد المخططات الصهيونية المنافية للمواثيق الدولية.
وها هي وزارة الإسكان الإسرائيلية تعد خطط ستقرها الحكومة اليمنية المقبلة، هدفها مضاعفة عدد المستوطنين في الضفة الغربية، تنص على بناء 73 ألف مسكن ليسكنها خلال السنوات المقبلة 280 ألف يهودي.أي أننا على موعد ليس ببعيد مع حملة ترانسفير ضد الفلسطينيين الذين يشارك المجتمع الدولي في زيادة معاناتهم لسكوته على جرائم إسرائيل.
