على غرار مجلس الأمن الدولي ووكالة الطاقة الذرية التي تسهر على منع انتشار أسلحة الدمار والمحكمة الجنائية الدولية، صارت هناك حاجة لمرجعية عالمية؛ في مجال حقوق الإنسان ومحاربة العنصرية. مؤسسة مستقلة وملزمة، تكون لها صلاحياتها وآلياتها؛ لمراقبة وحماية هذه الحقوق ولتوجيه الاتهامات ومعاقبة الجهات، التي تقوم بانتهاكها.

تنبع مثل هذه الحاجة من أمرين: مركزية هذا الموضوع وكثرة التعديات عليه، في عالم اليوم. وثانياً، الازدواجية غير المقبولة، في المعايير المعتمدة في تصنيف الدول والمنظمات والهيئات؛ والتي تتجلى في الاستنساب الكيفي الذي تمارسه واشنطن ومعها إسرائيل، في هذا الخصوص.

آخر نماذج هذه الانتقائية، تمثل في امتناع واشنطن عن المشاركة في مؤتمر دولي لمناهضة العنصرية، سيعقد في جنيف؛ بعدما رفض طلبها بإزالة أية إشارة إلى إسرائيل في وثيقة المؤتمر. وكذلك تعطيلها لمئات الدعاوى القضائية ضد إسرائيل، بتهمة ارتكاب جرائم حرب في غزة. فهي لا تطيق حتى التلميح إلى الدولة العبرية، في هذا الموضوع.

ما لا شك فيه أن حقوق الإنسان مستباحة، إلى هذا الحدّ أو ذاك، في أكثر من مكان في العالم. الممارسات العنصرية منفلتة، هي الأخرى، في زوايا عديدة؛ بلا رقيب أو حسيب. وكلاهما وصمة معيبة على جبين النظام العالمي. على الأقل لا بدّ من فضحهما والتشهير بمن يمارسهما.

وهذه مهمة ليست حكراً على أحد. ولا ضير أن تنهض بها دولة عظمى مثل الولايات المتحدة الأميركية، تملك مؤسسات عريقة ونصوص دستورية، تكفل هذه الحقوق. لكن المشكلة أن واشنطن تمارس هذا الدور بمنظار سياسي منحاز، مشوّه وتعسّفي. من خلاله، تلاحق خصومها، في حين تعفي نفسها من الخضوع لنفس القواعد.

والأنكى أنها توفر المظلة الواقية لإسرائيل وانتهاكاتها، الفاقعة في فجورها. لا يستقيم التقويم، في هذا الميدان، من جانب من يملك سجلاً ملطخاً، أو في أقله غير نظيف، في حقوق الإنسان. آخر فصوله، حتى لا نرجع إلى البعيد، تمتد من سجن أبو غريب إلى غوانتانامو؛ مروراً بالتعذيب للموقوفين، الذي سارع الرئيس أوباما إلى تحريمه قبل أسابيع قليلة.

ثم أن واشنطن امتنعت، أكثر من مرة، عن الانضمام إلى اتفاقيات دولية؛ تهدف في جوهرها إلى صيانة وحماية هذه الحقوق. أبرزها المحكمة الجنائية الدولية. الأسوأ من هذا كله،أن واشنطن تحرص وبصورة استفزازية، على أن لا ترشق إسرائيل حتى بكلمة خجولة في هذا الشأن. مجزرة غزة الأخيرة، شاهد حيّ. وحدها، بقيت كمن لم يسمع ولم ير. تمسكت بجملة واحدة: إسرائيل تدافع عن نفسها!

واشنطن تحلّل وتحرّم، في هذا الخصوص، على هواها. قامت الدنيا ولم تقعدها على الصين، في حقوق الإنسان.صحّ أو خطأ، شأن آخر. في زيارتها إلى بكين، تجاهلت الوزيرة كلينتون الأمر كلياً. فقط لأن واشنطن بحاجة إلى الصين في الأزمة المالية. وبالنسبة لإسرائيل، تكيل دائماً، بمكيالين. كل شيء مباح لهذه الأخيرة؛ التي عملت من معزوفة «معاداة السامية»، ورقة تخويف لإخراس أي انتقاد لانتهاكاتها المتواصلة لحقوق الشعب الفلسطيني. وها هي توجه الآن هذه التهمة للمؤتمر.

لقد حان الوقت لوقف التلاعب والتوظيف السياسي الرخيص، لهذا الموضوع الكبير. لا بديل عن وضعه في عهدة مرجعية تمتلك الصدقية اللازمة، للتصويب لإدانة كل من ينتهك حقوق الإنسان وعزله؛ بل تدفيعه الثمن. ما عاد يصح صيف وشتاء، على سطح واحد.

vic_shal@hotmail.com