أكدت وزارة الزراعة بقطاع غزة أن الأراضي الواقعة إلى الشرق من شارع صلاح الدين بدءاً من وادي غزة إلى حدود مدينة بيت حانون ومناطق شمال بيت لاهيا وشرقي خزاعة في جنوب قطاع غزة أصبحت صحراء قاحلة بعد أن تم تجريفها تماماً وأزيل الغطاء النباتي عنها.
وقالت الوزارة «دمرت في هذه المناطق جميع المنشآت والمباني الزراعية وآبار المياه، بالإضافة إلى اقتلاع الأشجار المثمرة كالزيتون والحمضيات، الأمر الذي جعل هذه المنطقة والهشة بيئيا في الأصل، عرضة لعوامل النحر والتعرية بصورة حادة وغير مسبوقة، خاصة وأن موسم الأمطار لم يزل في ذروته ومن المتوقع أن تحدث أمطار شديدة وسيول ربما تؤدي إلى كوارث بيئية غير مسبوقة.
وأوضح المهندس نزار الوحيدي مدير دائرة النظم والمعلومات بالوزارة، ان المساحة المجرفة تزيد على 20 ألف دونم من الأراضي الزراعية المتميزة. وأشار إلى أن عدد الأشجار المعمرة التي تم اقتلاعها يقارب المليون شجرة مثمرة متوسط أعمارها يزيد على عشرين سنة.
وأشار الوحيدي إلى أن التجريف في الحرب الأخيرة تميز بأنه لأعماق كبيرة، وأن آلاف الحفر والمواقع والسواتر الترابية قد أنشئت بغرض حماية الآليات ومرابض المدفعية والجنود الإسرائيليين، لافتاً إلى أن إعادة تسوية التربة بعد العدوان لا يمكن أن يعيدها إلى التوازن الطبيعي والبيئي الذي كان قائماً، حيث تحتاج الأراضي لسنوات طويلة قبل استعادة خصوبتها.
مشكلة استصلاح
وأضاف «ان انقلاب القطاع الأرضي يعرض الطبقات السطحية الخصبة للدفن تحت أعماق كبيرة ويعري الطبقات تحت السطحية المملحة، وهذا يجعلنا أمام مشكلة استصلاح تستخدم كميات هائلة من المياه والمحسنات الطبيعية لغسل الأملاح والتخلص منها في مناطق يقل فيها أو يندر وجود المياه العذبة الصالحة للري غير المقيد». واعتبر الوحيدي أن استخدام قوات الاحتلال الأراضي الزراعية للعمليات العسكرية جعل منها منطقة منكوبة بالقنابل الفسفورية واليورانيوم المنضب ومختلف الأسلحة المحرمة دولياً والتي يصعب التخلص من آثارها البيئية وأضرارها في المدى القريب.
وتابع «إنها جريمة حرب ربما يستمر خطرها لعقود طويلة وتعتبر عائقاً كبيراً أمام جهود إعادة إعمار هذه الأراضي واستغلالها في إنتاج الغذاء. ورجح الوحيدي أن تكون آثار المواد المشعة والسامة المستخدمة من قبل قوات الاحتلال قد وصلت إلى الخزان الجوفي، مضيفاً «الخزان الجوفي ضحل ومعدل رشح التربة مرتفع مما يسهل وصول الملوثات إلى الخزان في زمن قليل نسبياً».
وأضاف إن استعادة الطبقة السطحية للتربة لخصوبتها مشكلة بيئية معقدة، وأن يعود النشاط الحيوي لها سواء النباتي أو الحيواني أوالميكروبيولوجي، مسألة محكومة بمدى معرفتنا لما يوجد في التربة من ملوثات وإمكانية معالجة هذه المواد.
وحذر الوحيدي من أنهم سيواجهون أمرين في غاية الصعوبة والخطورة، أولهما أن إمكانيات فحص التربة الملوثة غير قائمة في فلسطين لكثير من المواد التي تأكد من قبل الخبراء وجودها كالمواد المشعة والفسفور الأبيض.وثانيها إن القدرات والإمكانيات المحلية لا تساعد في عملية ترميم أو علاج آثار هذه المواد، سواء الإمكانيات الفنية أو المالية أو اللوجستية، خاصة بعد تدمير المرافق البحثية والمختبرات العلمية التي كانت تعتمد عليها الوزارة في البحث والتحليل.
تدمير مدروس!
وأوضح الوحيدي أن قوات الاحتلال قامت بهذا التدمير الممنهج والمدروس بهدف خلق أزمة مزدوجة تؤدي إلى القتل المباشر وغير المباشر عبر الأمراض والجوع والفقر، مضيفاً أن المخطط الإسرائيلي يعلم تماماً أن الزراعة تقف وراء فشل محاولات تجويع سكان قطاع غزة، وأنها هي صمام الأمن الغذائي الذي وفر الغذاء للمواطن الفلسطيني رغم الحصار الممتد لسنوات، ومن هنا كان استهداف الزراعة في كل هجوم على قطاع غزة، أما هذه المعركة فقد كانت آثارها أشد خطورة.
واتهم الوحيدي حكومة الاحتلال بشن حرب بيئية مدروسة ومتعمدة، موجهاً رسالة باسم وزارة الزراعة الفلسطينية إلى كل العاملين في مجالات البيئة وسلامة النظام البيئي وحقوق الإنسان، سواء من المؤسسات الرسمية أو المنظمات غير الحكومية والباحثين الأفراد للحضور إلى غزة والوقوف إلى جانبهم في هذه المعركة البيئية التي بدأت تدور رحاها الآن في قطاع غزة.
من جانبه أصدر مركز الميزان لحقوق الإنسان في الأسبوع الأول من فبراير تقريراً حول أثر العدوان الإسرائيلي على الحق في المياه في قطاع غزة، حيث أوضح ان الانتهاكات الجسيمة والمنظمة للمعايير الدولية لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، خلال العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة وعمدت الهجمات التي شنتها قوات الاحتلال ضد المدنيين والأعيان المدنية بما فيها البنية التحتية لقطاع المياه إلى إحداث تدمير كبير في المرافق والبنية التحتية لقطاع المياه بما في ذلك قصف آبار وشبكات توصيل مياه وتدمير مولدات تزود آبار بالطاقة الكهربائية اللازمة.
كما امتنعت قوات الاحتلال عن القيام بواجباتها المتعلقة بتأمين توصيل المياه للسكان، وفي الوقت نفسه منعت جهات الاختصاص المحلية والدولية من العمل على إصلاح شبكات المياه لتأمين إمداد المدنيين بالمياه. ومن جهة أخرى تسبب العدوان في تدمير ابار مياه الشرب وإمدادات التيار الكهربائي بالإضافة إلى استهداف المحولات وشبكات توصيل الطاقة الكهربائية، في منع إمداد المدنيين بالمياه لفترات طويلة، حيث تسبب انقطاع التيار في توقف عشرات الآبار عن العمل.
وحال دون قدرة السكان على رفع المياه إلى خزاناتهم ولاسيما في البنايات المتعددة الطبقات، الأمر الذي أثر على الصحة العامة وعرض حياة السكان إلى الخطر الشديد. كما أن البنية التحتية للمياه والصرف الصحي تعرضت لكثير من التدمير بفعل الهجمات الإسرائيلية التي لم تراعِ مبادئ القانون الدولي المنطبقة في أوقات النزاع المسلح، ما أدى إلى تداخل مياه الصرف الصحي مع مياه الشرب في عدة مناطق في قطاع غزة، ما تسبب في تلوث مياه الشرب، الأمر الذي ينعكس بشكل خطير على صحة المواطنين.
وأشار التقرير إلى حجم الخسائر الأولية لقطاع المياه والصرف الصحي بعد انتهاء العدوان وفقاً لتقديرات مصلحة مياه بلديات الساحل والتي تصل إلى ستة ملايين دولار أميركي، تشمل الدمار الذي لحق بالمرافق والبنية التحتية لقطاع المياه والصرف الصحي، حيث تم تدمير 11 بئراً لمياه الشرب، منها سبع آبار بصورة كلية، ثلاث منها في محافظة غزة، وأربع في محافظة شمال غزة.
والباقي تعرضت للتدمير الجزئي. كما لحق دمار كبير في عدد من المنشآت المائية الإدارية وشبكات وخزانات المياه وشبكات الري. كما أوضح التقرير أن العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة أسفر عن استشهاد ثلاثة من حراس آبار مياه الشرب. وكانت دراسة ألمانية نبهت إلى أن تحاليل عينات مياه الشرب في قطاع غزة أكدت وجود نسبة عالية من مادة النيترات المؤكسدة التي تؤدي إلى أضرار صحية لدى الأطفال الصغار.
وذكر مركز «هيلمهولتس» لأبحاث البيئة في مدينة لايبزج في شرق ألمانيا أن النسب الموصى بها من قبل منظمة الصحة العالمية لمادة النيترات في مياه الشرب وهي 50 ملليجراما في اللتر الواحد يزداد تركيزها في مياه الشرب بقطاع غزة بنسب تتراوح بين الضعفين وثمانية أضعاف.
وأظهرت نتائج الأبحاث أن التحاليل التي أجريت على الأطفال الصغار في قطاع غزة نقص كرات الدم الحمراء لدى نصف الأطفال تقريبا بسبب ارتفاع نسب النيترات في مياه الشرب المتوفرة من الينابيع والمياه الجوفية.
وقال الخبير في شؤون البيئة البروفيسور يوسف أبو صفية في تصريحات صحافية إن المياه في قطاع غزة تتسم بمعدلات تلوث خطيرة، مؤكدا أنها تفتقر بشدة لشروط منظمة الصحة العالمية للمياه بشكلها الطبيعي والصحي للإنسان. وأرجع أسباب تفاقم معدلات التلوث إلى زيادة عدد ابار المياه بصورة عشوائية وكبيرة واستخدامها بشكل سلبي إلى جانب الازدياد المطرد في سكان قطاع غزة، محملا إسرائيل المسؤولية عن ذلك.
انتشار الأمراض
وأشار أبو صفية إلى ما تسببه تداعيات تلوث المياه من أمراض في مقدمتها الفشل الكلوي وسرطان المعدة، لكنه يشير إلى أن الخطر الأبرز هو فيما أظهرته الدراسة الألمانية من خطر على الأطفال الرضع نتيجة ارتفاع مادة النيترات في مياه الشرب.
من جهته يوضح المسؤول في إدارة المياه والصرف الصحي في بلدية غزة رمزي أهل، أن آبار المياه الجوفية هي المصدر الوحيد لمياه الشرب في قطاع غزة حيث يوجد 42 بئرا تغطي احتياجات السكان بإنتاج يومي يصل إلى 90 ألف كوب يوميا.
وذكر أهل، أن الضخ المتواصل لآبار المياه الجوفية في غزة أدى لارتفاع نسبة الكلوريد والملوحة، كما أدى إلى وصول مياه البحر إلى الآبار الجوفية القريبة من شاطئ البحر. ولتلاشي تلك الأزمة أشار أهل، إلى أن بلدية غزة تقوم بعمليات خلط للمياه المالحة مع آبار ذات نسبة ملوحة منخفضة، أو اللجوء لحفر آبار أخرى مجاورة لتلك المناطق.
غزة ـ ماهر إبراهيم
